الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
إفريقيا

النزاع الصحراوي يكشف نهجاً توسعياً مغربياً يهدد استقرار المنطقة ويعطل التقارب المغاربي

Author
سارة حميدي 29 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم يعد استمرار النزاع حول الصحراء الغربية يطرح فقط سؤال مستقبل الإقليم، بل أعاد مع تعثر كل مسارات التسوية، فتح نقاش أوسع حول طبيعة النظام المغربي وحدود سياسته تجاه جيرانه.

يرى الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي الموريتاني، الدكتور آدب ولد سيد امحمد، في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن احتلال المغرب

لأجزاء واسعة من الصحراء الغربية تكشف عن نهج توسعي يتجاوز حدود النزاع الصحراوي إلى خلافات ترابية أخرى طبعت تاريخ المنطقة المغاربية.

وتكتسي هذه القراءة أهميتها من كون قضية الصحراء الغربية ظلت منذ انتهاء الوجود الاستعماري الإسباني، مدرجة في منظومة الأمم المتحدة ضمن قضايا تصفية الاستعمار، بينما لم يتمكن المسار السياسي طوال عقود من الوصول إلى تسوية نهائية.

وتؤكد الأمم المتحدة أن رأي محكمة العدل الدولية الصادر في أكتوبر 1975 لم يثبت وجود رابطة سيادة إقليمية بين المغرب والصحراء الغربية، كما أكد انطباق مبدأ تقرير المصير على عملية إنهاء الاستعمار في الإقليم.

من الصحراء الغربية إلى سؤال التوسع

ينطلق الدكتور آدب ولد سيد امحمد من اعتبار أن النظام المغربي اتخذ مسارا توسعيا على حساب جيرانه، ويرى أن قضية الصحراء الغربية تمثل أبرز تجليات هذا النهج، مستحضرا في هذا السياق الخلافات التاريخية حول الحدود في المنطقة المغاربية، مشيرا إلى أن المطالب الترابية لم تقتصر، في قراءته، على الصحراء الغربية، بل امتدت إلى مناطق أخرى كانت محل خلاف مع الدول الجارة للمغرب على غرار موريتانيا والجزائر.

ويربط الأستاذ الجامعي الموريتاني هذه المسألة بما يعتبره توجها تاريخيا لدى المغرب نحو توسيع مجاله الترابي، مستحضرا الدول التي تعاقبت على حكم المغرب من الدولة الإدريسية إلى المرابطية والموحدية والمرينية والوطاسية ثم الدولة العلوية، مبرزا الحجج التاريخية التي قدمت لإثبات روابط بين سلاطين المغرب ومناطق الصحراء.

غير أن هذه الروابط التاريخية كانت محل نقاش قانوني أمام محكمة العدل الدولية سنة 1975، فقد أقرت المحكمة بوجود بعض روابط الولاء بين سلطان المغرب وبعض القبائل في الإقليم، لكنها خلصت إلى أن المواد والمعلومات المقدمة إليها لم تثبت وجود روابط سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمغرب، وأن تلك الروابط لا تؤثر في تطبيق مبدأ تقرير المصير.

ومن هنا، يرى ولد سيد امحمد أن جوهر الأزمة لا يمكن اختزاله في خلاف حدودي، وإنما يرتبط بتعارض بين منطق المطالبة الإقليمية المغربية ومنطق تصفية الاستعمار وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

البوليساريو والأمم المتحدة.. من مقاومة الاستعمار إلى تقرير المصير

في استحضاره لجذور القضية، يشير الدكتور آدب ولد سيد امحمد إلى تأسيس جبهة البوليساريو في سياق مقاومة الوجود الاستعماري الإسباني في الصحراء الغربية، قبل أن تنتقل القضية إلى الإطار الأممي بعد تصاعد النزاع على مستقبل الإقليم.

وكانت الأمم المتحدة قد أدرجت الصحراء الغربية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي منذ عام 1963، فيما أصبح مبدأ تقرير المصير أحد الأسس التي تحكم معالجة وضع الإقليم في المنظومة الأممية.

وفي عام 1975، جاء رأي محكمة العدل الدولية ليؤكد عدم ثبوت سيادة إقليمية مغربية على الصحراء الغربية، مع التأكيد على ضرورة تطبيق مبدأ تقرير المصير، وفي العام نفسه دخل النزاع مرحلة جديدة مع ما يعرف بالمسيرة الخضراء وانسحاب إسبانيا لاحقا من الإقليم، لتبدأ مرحلة طويلة من الحرب ثم وقف إطلاق النار سنة 1991، ومنذ ذلك الحين بقي الوضع النهائي للإقليم دون حسم، بينما ظلت الأمم المتحدة طرفا رئيسيا في البحث عن تسوية سياسية للنزاع.

ويرى أن استمرار النزاعات الترابية والخلافات السياسية أسهم في تعطيل بناء علاقات مغاربية مستقرة، معتبرا أن قضية الصحراء الغربية أصبحت بمرور الوقت واحدة من أكثر الملفات تأثيرا في مستقبل مشروع التكامل المغاربي.

ومن هذا المنظور، فإن استمرار النزاع لا يمثل، في قراءته، مجرد خلاف بين المغرب وجبهة البوليساريو، بل أصبح ملفا إقليميا تتداخل فيه حسابات دول المنطقة إلى جانب مصالح القوى الدولية الكبرى.

واشنطن.. عندما يدخل العامل الدولي على خط النزاع

لكن السؤال الأبرز في قراءة الدكتور آدب ولد سيد امحمد يتعلق بالدور الأمريكي، إذ يرى أن استمرار الدعم الأمريكي للمغرب يمثل أحد العوامل التي تحول دون الوصول إلى تسوية نهائية.

وقد اعترفت الولايات المتحدة في ديسمبر 2020 بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وأكدت دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسا للحل، كما أكدت إدارتان أمريكيتان لاحقتان استمرار هذا الموقف مع التشديد في الوقت نفسه على دعم المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة.

ويرى ولد سيد امحمد أن هذا الموقف الأمريكي يعكس، في تقديره، حسابات براغماتية تتصل بعلاقات واشنطن مع حلفائها في المنطقة، أكثر مما يعكس حسم المسألة وفق منطق تصفية الاستعمار.

ويذهب إلى أن الولايات المتحدة، بوصفها قوة دولية كبرى، تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في مسار النزاع، وبالتالي فإن دعمها للموقف المغربي يمنح الرباط، في تقديره، هامشا أوسع للتمسك بمقاربتها السياسية.

الحكم الذاتي.. حل سياسي أم إعادة صياغة للنزاع؟

وفيما يتعلق بمقترح الحكم الذاتي، يتساءل المحلل السياسي الموريتاني عن مدى قدرة هذا الطرح على إنهاء النزاع، خصوصا أن الخلاف الأساسي يتعلق بمستقبل الإقليم ووضعه النهائي، فالولايات المتحدة تعتبر المقترح المغربي أساسا لحل سياسي، بينما تواصل الأمم المتحدة الدفع نحو عملية سياسية يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام بهدف التوصل إلى حل سياسي دائم.

ويرى ولد سيد امحمد أن المشكلة تكمن في أن طرح الحكم الذاتي لم يتحول إلى تسوية نهائية، كما أن المسار التفاوضي لم يتمكن حتى الآن من إنهاء الخلاف حول الوضع النهائي للصحراء الغربية.

ويضع في مقابل ذلك خيار الاستفتاء الذي طرح منذ عقود ضمن مسار الأمم المتحدة، معتبرا أن عدم تجسيده أبقى القضية مفتوحة وأطال أمد النزاع.

قضية عالقة بين القانون وموازين القوى

يضع الدكتور آدب ولد سيد امحمد قضية الصحراء الغربية عند تقاطع عاملين متعارضين، فمن جهة، مبدأ تصفية الاستعمار وتقرير المصير الذي استند إليه المسار الأممي، ومن جهة أخرى موازين القوى والتحالفات الدولية التي تؤثر في فرص التوصل إلى تسوية.

وبحسب قراءته، فإن استمرار الدعم الأمريكي للمغرب يجعل الوصول إلى حل نهائي أكثر تعقيدا، لأن واشنطن، في تقديره، تدعم الطرف الذي يعتبره امتدادا لنهج توسعي في المنطقة.

وبذلك، لا يرى ولد سيد امحمد أن أزمة الصحراء الغربية يمكن فصلها عن طبيعة النظام الإقليمي المغاربي ولا عن الحسابات الدولية المحيطة به، فكلما بقي الخلاف حول السيادة والوضع النهائي للإقليم دون حسم ظل النزاع مفتوحا وظلت المنطقة أمام سؤال يتجاوز حدود الصحراء الغربية نفسها، وهو هل يمكن إنهاء نزاع تصفية الاستعمار في ظل استمرار تعارض المطالب الإقليمية مع مبدأ تقرير المصير، وتداخل ذلك مع مصالح القوى الكبرى؟

↑