الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

النفط الجزائري يعزز مكانته عالميا.. أكثر من 26 ألف مشترٍ يراهنون على “صحاري بلند”

Author
صبرينة عيلان 17 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تواصل الجزائر تعزيز حضورها في السوق النفطية الدولية، باعتبارها أحد الموردين الموثوقين للطاقة. فقد كشف تقرير نشره موقع “بيزنس إنسايدر إفريقيا” أن الخام الجزائري استقطب أكثر من 26 ألف مشترٍ موثوق عبر العالم، خلال الفترة الممتدة بين جويلية 2024 وجوان 2025، مع استمرار نشاط أكثر من 12 ألف مشترٍ خلال الفترة نفسها، ما يعكس استقرارا ملحوظا في الطلب العالمي على النفط الجزائري رغم المنافسة الحادة والتقلبات التي يعرفها القطاع.

هذا الإقبال القياسي لا يبرز فقط الجودة العالية التي يتمتع بها مزيج الصحراء وتنافسيته في الأسواق العالمية، بل يؤكد أيضا على نجاح الاستراتيجية الجزائرية في تنويع شراكاتها وتعزيز موثوقيتها كمورد أساسي للطاقة في ظل تقلبات الجيوسياسية الراهنة.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور أحمد طرطار، الخبير في الطاقة والاقتصاد، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن هذه المؤشرات تعكس المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها الجزائر في معادلة الطاقة الدولية، ليس فقط كمصدر للمحروقات، وإنما كشريك استراتيجي قادر على توفير إمدادات مستقرة وآمنة للأسواق العالمية.

ما سرّ استقرار الطلب الدولي على الخام الجزائري؟

أوضح الدكتور أحمد طرطار أن استمرار الإقبال الدولي على الخام الجزائري يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها جودة الخام الجزائري، خاصة خام “صحاري بلند”، الذي يتميز بانخفاض نسبة الكبريت وخفة التركيبة، ما يجعله مطلوبا لدى المصافي الحديثة التي تبحث عن خامات أقل تكلفة في المعالجة وأكثر توافقا مع المعايير البيئية الجديدة.

وأشار إلى أن الأسواق الأوروبية أصبحت أكثر اهتماما بنوعية النفط المستورد في ظل تشديد السياسات البيئية والانتقال التدريجي نحو اقتصاد منخفض الكربون، وهو ما يمنح الخام الجزائري ميزة تنافسية إضافية مقارنة ببعض الخامات الثقيلة ذات التكلفة العالية في التكرير.

وأضاف أن الموقع الجغرافي للجزائر يمثل بدوره عاملا استراتيجيا مهما، بالنظر إلى قربها من الأسواق الأوروبية والمتوسطية، ما يسمح بتقليص تكاليف النقل وتقليل آجال التسليم، وهو عنصر حاسم بالنسبة للدول المستوردة التي تبحث عن موردين قادرين على ضمان السرعة والانتظام في الإمدادات.

كما اعتبر المتحدث أن التحولات الجيوسياسية التي عرفها العالم خلال السنوات الأخيرة، خاصة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، دفعت العديد من الدول الأوروبية إلى إعادة النظر في خريطة شركائها الطاقويين، والبحث عن موردين يتمتعون بالاستقرار السياسي والموثوقية، وهو ما عزز مكانة الجزائر كشريك طاقوي موثوق بالنسبة لأوروبا.

كيف تستفيد الجزائر من اضطرابات سوق الطاقة العالمية؟

أكد الدكتور طرطار أن حالة عدم اليقين التي تعرفها بعض مناطق الإنتاج التقليدية في العالم، خصوصا في الشرق الأوسط، ساهمت في تعزيز أهمية الجزائر داخل السوق النفطية الدولية. وأوضح أن المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات، خاصة مع التوترات المتكررة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، دفعت الأسواق العالمية إلى تنويع مصادر التزود لتفادي أي اضطرابات مفاجئة.

وأشار إلى أن التحذيرات المتعلقة بإمكانية خسارة ما يصل إلى 100 مليون برميل أسبوعيا بسبب أي اضطراب محتمل في مضيق هرمز، تبرز هشاشة السوق النفطية العالمية واعتمادها الكبير على الاستقرار الجيوسياسي، ما يمنح الجزائر فرصة لتعزيز موقعها كمصدر آمن ومستقر للطاقة.

وأضاف أن وجود شركات عالمية كبرى ضمن أبرز المتعاملين مع الخام الجزائري، على غرار “ليتوفا مازيكيو”، و”كارجيل لمنتجات النخيل”، و”فيتول”، يعكس مستوى الثقة الدولية في استقرار الإمدادات الجزائرية وقدرة البلاد على احترام التزاماتها التجارية في مختلف الظروف.

كما لفت الخبير في الطاقة والاقتصاد إلى أن الجزائر بدأت، خلال السنوات الأخيرة، في تعزيز قدراتها الإنتاجية من خلال مشاريع واستثمارات جديدة، من بينها صفقة توسيع حقل حاسي بير ركايز بقيمة مليار دولار، والتي تهدف إلى رفع الإنتاج بحوالي 31.500 برميل يومياً، معتبراً أن هذه المشاريع تعكس توجهاً استراتيجياً يرمي إلى الحفاظ على الحصة الجزائرية في السوق العالمية وتلبية الطلب الدولي المتزايد.

هل يصمد النفط الجزائري أمام الطاقات البديلة؟

رغم المؤشرات الإيجابية الحالية، شدد الدكتور أحمد طرطار على أن الحفاظ على جاذبية النفط الجزائري مستقبلاً لن يكون أمرا تلقائيا، بل يتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على تحديث القطاع الطاقوي وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

وأوضح أن العالم، رغم تسارع مشاريع الانتقال الطاقوي، لا يزال يعتمد بشكل كبير على النفط والغاز في تشغيل قطاعات النقل والصناعة والبتروكيمياء والطيران والشحن البحري، ما يعني أن المحروقات ستظل عنصرا أساسيا في المزيج الطاقوي العالمي خلال العقود المقبلة.

غير أنه حذر في المقابل من اشتداد المنافسة الدولية، خاصة مع توسع إنتاج النفط الصخري الأمريكي وارتفاع الاستثمارات النفطية في الخليج وإفريقيا، ما يفرض على الجزائر تسريع وتيرة تحديث بنيتها التحتية الطاقوية وتطوير قدرات التخزين والنقل والتكرير.

كما دعا إلى تحسين مناخ الاستثمار وجذب المزيد من الشراكات الأجنبية، فضلا عن تكثيف عمليات الاستكشاف للحفاظ على الاحتياطيات ومستويات الإنتاج، مؤكدا أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في زيادة الصادرات النفطية، بل في استغلال العائدات الحالية لبناء اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على مواجهة التحولات العالمية.

وأضاف الدكتور أحمد طرطار أن الجزائر تمتلك فرصة تاريخية لتعزيز موقعها في أمن الطاقة الدولي، خاصة في ظل إعادة تشكيل خريطة الإمدادات العالمية، غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بقدرة البلاد على تحقيق التوازن بين استغلال مواردها التقليدية والاستثمار في الطاقات الجديدة والمتجددة، بما يضمن لها مكانة مستدامة في الاقتصاد العالمي الجديد.