الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

النفط بين وفرة الإمدادات ومخاطر التصعيد.. كيف تتأثر الجزائر؟

Author
سارة حمدون 01 أكتوبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

بعد أشهر من الاضطرابات التي ضربت حركة إمدادات الطاقة في منطقة الخليج، بدأت صادرات النفط الخليجية تستعيد مستويات قريبة من تلك المسجلة قبل الأزمة، في تطور يعيد طرح سؤال أساسي أمام سوق الطاقة: هل نحن أمام بداية عودة الاستقرار إلى سوق النفط العالمية، أم أن التحسن المسجل في تدفقات الخام يخفي وراءه اختناقات ومخاطر قد تعيد الأسعار إلى الارتفاع؟

وتكتسي المسألة أهمية خاصة بالنسبة للدول المنتجة خارج منطقة الخليج، وفي مقدمتها الجزائر التي لا تتحكم في اتجاهات السوق العالمية لكنها تتأثر مباشرة بتغير أسعار النفط من خلال الإيرادات الخارجية والجباية البترولية وتمويل الميزانية. وبينما يقدر غولدمان ساكس أن زيادة الإمدادات الخليجية قد تدفع خام برنت نحو الانخفاض تدريجيا، يحذر كل من الخبير الطاقوي توفيق حسني والخبير الاقتصادي أحمد بلجيلالي في قراءتهما لجريدة الأيام نيوز، من أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يجعل هذا المسار غير مستقر، وبين القراءتين تبرز حاجة إلى فهم ما إذا كان تعافي الصادرات يمثل تحولا فعليا في السوق، وما الذي يمكن أن يعنيه ذلك للجزائر.

الخليج يستعيد تدفقات النفط.. لكن التعافي غير مكتمل

أظهرت تقديرات غولدمان ساكس أن صادرات النفط من دول الخليج ارتفعت إلى نحو 23.3 مليون برميل يوميا خلال الأسبوع الأخير من سبتمبر وهو مستوى يتماشى مع متوسط عام 2025، بعدما تضاعفت الصادرات خلال الشهر. وكان الجزء الأكبر من هذا التحسن مرتبطا بتدفقات الخام، التي بلغت نحو 19 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل 108 بالمئة من متوسطها في 2025.

غير أن قراءة الأرقام تحتاج إلى قدر من الحذر، لأن عودة الصادرات الإجمالية إلى مستويات العام الماضي لا تعني أن جميع مكونات قطاع الطاقة استعادت وضعها السابق، فقد أشار غولدمان ساكس إلى أن صادرات الديزل والبنزين ووقود الطائرات لا تزال عند نحو نصف متوسطها لعام 2025، في حين سجل الخام الجزء الأكبر من الزيادة، كما قدرت المؤسسة المالية حجم النفط المنقول عبر سفن أوقفت أجهزة تحديد المواقع بنحو 5.2 ملايين برميل يوميا خلال سبتمبر، ويعكس هذا التفاوت بين الخام والمنتجات المكررة طبيعة الأضرار التي لحقت بسوق الطاقة خلال الأزمة، فاستعادة القدرة على تصدير النفط الخام لا تعني بالضرورة عودة المصافي وشبكات النقل إلى طاقتها الطبيعية، كما أن المخاطر الأمنية المرتبطة بالملاحة تجعل نقل بعض المنتجات أكثر تعقيدا.

وفي هذا الإطار ، يرى الخبير الطاقوي توفيق حسني أن الحديث عن عودة دول الخليج إلى مستويات صادرات 2025 يجب أن يقرأ في ضوء الأضرار التي لحقت بالقدرات الإنتاجية ووحدات التكرير وخطوط الأنابيب. ويشير في هذا السياق إلى أن السؤال لا يتعلق بالقدرة التقنية وحدها، وإنما أيضا بمدى استمرار إمكانية تصدير النفط في ظل الوضع الأمني والسياسي القائم، وتأتي هذه القراءة في وقت أظهرت فيه بيانات السوق أن الأسعار لم تنخفض بالتوازي مع تحسن الصادرات، فقد ارتفع خام برنت بنحو 14 بالمئة خلال سبتمبر، وأنهى عقد نوفمبر عند 103.50 دولارا للبرميل في 30 سبتمبر مدفوعا باستمرار المخاوف المرتبطة بالمحادثات الأمريكية الإيرانية وتراجع مخزونات بعض المنتجات النفطية.

بين وفرة الإمدادات ومخاطر التصعيد.. أي اتجاه للأسعار؟

من الناحية الاقتصادية، تؤدي عودة كميات أكبر من النفط إلى الأسواق في حال استمرت إلى تخفيف جزء من الضغوط التي رفعت الأسعار خلال فترة الاضطراب، وقد اعتبر غولدمان ساكس أن سوق النفط العالمية كانت متوازنة تقريبا خلال سبتمبر، وأن قدرة إمدادات الشرق الأوسط على التكيف مع اضطرابات النقل إلى جانب استمرار الطلب الصيني، تدعم سيناريو تراجع برنت إلى 85 دولارا للبرميل بنهاية 2026 وإلى 80 دولارا في 2027.

لكن هذا السيناريو يظل مرتبطا بعدة شروط، في مقدمتها عدم حدوث تصعيد جديد يطال البنية التحتية للطاقة أو يعرقل حركة الناقلات، ويشير البنك نفسه إلى أن تجدد التصعيد الذي يلحق أضرارا إضافية بالبنية التحتية النفطية يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار، كما أن تقديرات أخرى للسوق لا تزال أكثر حذرا؛ فقد أظهر استطلاع لرويترز أن محللين رفعوا توقعاتهم لمتوسط سعر برنت في 2026 إلى 89.05 دولارا للبرميل، بسبب استمرار اضطرابات الإمدادات الخليجية والمخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، ويفسر ذلك استمرار ارتفاع الأسعار رغم عودة جزء كبير من التدفقات، فالسوق لا تسعر الكميات المتاحة فقط، وإنما تسعر أيضا احتمال فقدانها، وكلما ارتفعت المخاطر المتعلقة بالممرات البحرية والمنشآت النفطية، ارتفع ما يعرف بعلاوة المخاطر في الأسعار.

ويربط توفيق حسني الاتجاه المستقبلي للأسعار كذلك بتحولات الطلب العالمي، حيث أوضح أن ارتفاع تكلفة النفط والغاز والضغوط الاقتصادية التي تواجهها الدول المستهلكة يمكن أن تدفعها إلى تسريع البحث عن بدائل، خصوصا في قطاع النقل، مع توسع استخدام السيارات الكهربائية، مشيرا إلى أن الصين بوصفها نموذجا مهما في هذا التحول باعتبارها سوقا رئيسية للسيارات الكهربائية وهو ما يمكن أن يؤثر على الطلب على وقود النقل مستقبلا.

وهذه النقطة تفتح بعدا آخر في قراءة سوق النفط، فالتقلبات الحالية لا تحدد الأسعار على المدى القصير فقط، وإنما يمكن أن تؤثر أيضا في قرارات الاستثمار والاستهلاك والتحول نحو مصادر طاقة بديلة على المدى الأطول.

الجزائر.. التأثير يبدأ من السعر قبل الكمية

بالنسبة إلى الجزائر، لا يعني ارتفاع أو انخفاض صادرات الخليج أن حجم النفط الجزائري المصدر سيتغير بالضرورة بالوتيرة نفسها، فالجزائر عضو في منظمة أوبك+، وتحدد مستويات إنتاجها وتصديرها ضمن التزاماتها وإمكاناتها الإنتاجية، وفي سبتمبر، أكدت الدول السبع المعنية ضمن أوبك+ ومنها الجزائر، استمرار التزامها باستقرار السوق مع الإبقاء على مستويات الإنتاج المطلوبة لشهر سبتمبر بالنسبة لإنتاج أكتوبر، لذلك، فإن الرابط الأكثر مباشرة بين تعافي الإمدادات الخليجية والاقتصاد الجزائري يمر عبر السعر أكثر من مروره عبر الكمية.

أما في هذا السياق، فقد أكد الخبير الاقتصادي أحمد بلجيلالي أن استمرار تعافي صادرات الخليج وعودة المعروض العالمي إلى مستويات أكثر طبيعية من شأنهما الضغط تدريجيا على أسعار النفط، وهو ما سينعكس على الجزائر أساسا من خلال قيمة العائدات المتأتية من الكميات التي تصدرها، وليس بالضرورة من خلال تغير كبير في حجم تلك الصادرات.

وتكتسي هذه النقطة أهمية عند مقارنتها بفرضيات قانون المالية الجزائري لسنة 2026، الذي اعتمد سعرا مرجعيا جبائيا للبرميل عند 60 دولارا وسعرا سوقيا عند 70 دولارا، مع توقع تراجع تدريجي في أحجام صادرات المحروقات خلال الفترة 2026-2028، كما قدرت النفقات الميزانية لعام 2026 بنحو 12.345 تريليون دينار.

إضافة الى ذلك، شرح بلجيلالي أن الاقتراب من السعر المرجعي أو السعر السوقي المعتمد في إعداد الميزانية يقلص الهامش المتاح لتكوين فائض من الجباية البترولية، وهو ما يحد من قدرة الدولة على توجيه موارد إضافية إلى صندوق ضبط الإيرادات، أما انخفاض الأسعار بصورة أكبر، فيمكن أن يوسع فجوة تمويل الميزانية ويزيد الحاجة إلى مصادر أخرى لتمويل العجز.

ولا يتوقف التأثير عند الخزينة العمومية، فتراجع أسعار النفط يعني أيضا انخفاض قيمة الصادرات وبالتالي إمكانية التأثير في احتياطي الصرف والميزان التجاري، وبحسب بلجيلالي، فإن انخفاض احتياطي الصرف يفرض تحديات إضافية على السياسة النقدية وعلى قدرة الاقتصاد على الحفاظ على التوازنات النقدية، ما يجعل صدمة الأسعار النفطية تنتقل من قطاع المحروقات إلى مؤشرات اقتصادية أوسع.

وتكشف هذه العلاقة عن حساسية مستمرة للاقتصاد الجزائري تجاه سوق الطاقة حتى عندما تكون أسعار النفط أعلى من المستويات التي تعتمدها الميزانية في فرضياتها، فالفارق بين السعر المرجعي وسعر السوق يوفر هامشا، لكنه لا يلغي ارتباط الإيرادات العمومية بتقلبات السوق الدولية.

التعافي الخليجي اختبار جديد للاقتصاد الجزائري

إذا استمرت صادرات الخليج في التعافي واستقرت حركة الملاحة وعاد جزء أكبر من الإنتاج إلى الأسواق، فإن زيادة المعروض قد تدفع الأسعار نحو مستويات أقل من الارتفاعات التي سجلتها خلال الأزمة، وفي هذه الحالة، ستكون الجزائر أمام اختبار يتعلق بقدرتها على حماية توازناتها المالية في بيئة نفطية أقل سخاء، أما إذا عاد التصعيد الجيوسياسي وأدى إلى تعطيل الإمدادات أو إلحاق أضرار جديدة بالمنشآت، فقد تتجدد الضغوط الصعودية على الأسعار، وفي هذه الحالة يمكن للجزائر أن تستفيد من ارتفاع قيمة البرميل، غير أن الاستفادة لن تكون مفتوحة بلا حدود لأن قدرة البلاد على زيادة الكميات المصدرة في الأجل القصير تظل مرتبطة بمستويات الإنتاج والتزامات أوبك+ والبنية التحتية المتاحة.

ولهذا يفيد بلجيلالي أن فترات ارتفاع أسعار النفط ينبغي أن تتحول إلى فرصة لتمويل استثمارات في قطاعات أخرى قادرة على إنتاج قيمة مضافة خارج المحروقات، مع التركيز على المجالات التي تمتلك فيها الجزائر مزايا تنافسية، حتى لا تبقى عائدات النفط المصدر الأساسي لتمويل الميزانية وتوفير العملة الأجنبية.

وبذلك لا تكمن المسألة بالنسبة للجزائر في معرفة ما إذا كان سعر البرميل سيصعد أو ينخفض فقط، وإنما في مدى قدرة الاقتصاد على امتصاص التقلبات في الحالتين، فتعافي إمدادات الخليج قد يخفض علاوة المخاطر ويدفع الأسعار نحو مستويات أكثر اعتدالا، بينما يمكن لأي تصعيد جديد أن يعيد رفعها بسرعة، وبين السيناريوهين يبقى التحدي الجزائري ثابتا: تحويل الإيرادات النفطية المرتفعة عندما تتوافر إلى قاعدة إنتاجية أوسع، حتى لا يتحول كل تغير في سوق النفط العالمية إلى تغير مباشر في قدرة الدولة على تمويل إنفاقها والحفاظ على توازناتها الخارجية.

Author سارة حمدون
صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي
↑