السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

النهضة الصناعية في الجزائر.. من مقومات القوة إلى رهان السيادة الاقتصادية

Author
إيمان عبروس 03 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشكل النهضة الصناعية في الجزائر رهانا استراتيجيا حاسما، في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، في وقت تتطلب فيه تحديات التنمية بناء اقتصاد متنوع يرتكز على الصناعة والإنتاج.

وتبرز أهمية هذا التحوّل من خلال ضرورة تطوير الصناعة الوطنية، وتحديث أدوات الإنتاج، وتعزيز الحوكمة الاقتصادية، إلى جانب الاندماج في سلاسل القيمة العالمية والإقليمية، بما يسمح بتحويل الإمكانات المتوفرة إلى قوة صناعية حقيقية ومستدامة.

وأصبحت الصناعة اليوم عنوانا للسيادة الاقتصادية ومحركا رئيسيا للتنمية المستدامة ورافعة أساسية لخلق الثروة ومناصب الشغل.

فالاقتصادات التي نجحت في تحقيق الإقلاع التنموي، اعتمدت على بناء نسيج صناعي متين قادر على إنتاج القيمة المضافة وتطوير التكنولوجيا، وتحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات قابلة للتسويق والمنافسة في الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، يؤكد خبراء الاقتصاد والتنمية أن الجزائر تمتلك من المقومات البشرية والطبيعية واللوجستية ما يؤهلها للانتقال إلى مرحلة صناعية جديدة، ترتكز على الابتكار والرقمنة والتكنولوجيا الحديثة، وتستفيد من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للبلاد ومن الإمكانات الطاقوية الكبيرة التي تزخر بها.

الصناعة.. رافعة استراتيجية لتنويع الاقتصاد

أكد الخبير في الاقتصاد، فارس هباش، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن النهضة الصناعية تمثل خيارا استراتيجيا يتماشى مع تطلعات الجزائر نحو بناء اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

وأوضح أن الصناعة تعد من أهم المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي، بالنظر إلى دورها في خلق الثروة وتعزيز الإنتاج الوطني وتوسيع فرص التشغيل، فضلا عن مساهمتها في دعم الصادرات وتقليص التبعية للأسواق الخارجية.

وأشار إلى أن الجزائر تمتلك مقومات مهمة تؤهلها لتحقيق قفزة نوعية في المجال الصناعي، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي الذي يربط بين إفريقيا وأوروبا، إضافة إلى وفرة الموارد الطبيعية وتوفر قاعدة بشرية شابة وقادرة على اكتساب المهارات اللازمة لمواكبة متطلبات الصناعات الحديثة.

ويرى هباش أن تحقيق الأهداف الاقتصادية الكبرى يمر عبر تعزيز مساهمة القطاع الصناعي في الناتج الوطني، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي بما يسمح بتطوير المنتجات الجزائرية ورفع قدرتها التنافسية داخل الأسواق الوطنية والخارجية.

تحديث أدوات الإنتاج مفتاح التنافسية

ومن بين أبرز الرهانات التي يركز عليها الخبراء، مسألة تحديث أدوات الإنتاج وإدماج التكنولوجيا الحديثة داخل المؤسسات الصناعية، باعتبارها عاملا أساسيا في رفع مستويات الأداء والإنتاجية.

وفي هذا الإطار، أوضح هباش أن اعتماد التقنيات الحديثة من شأنه تحسين جودة المنتجات الوطنية وتقليص تكاليف الإنتاج ورفع مردودية المؤسسات الاقتصادية.

وأضاف أن التحول نحو الصناعة الحديثة يسمح للمؤسسات الجزائرية بمواكبة المعايير الدولية للجودة، ويمنحها فرصا أكبر للولوج إلى الأسواق الخارجية، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة التي تشهدها التجارة العالمية.

كما يساهم تحديث خطوط الإنتاج في تطوير قدرات المؤسسات على الابتكار والاستجابة السريعة لمتطلبات المستهلكين، وهو ما يمثل أحد أهم عناصر النجاح في الاقتصاد المعاصر.

الرقمنة.. العمود الفقري للصناعة الحديثة

وحسب المتحدث، تحتل الرقمنة مكانة محورية ضمن مسار التحول الصناعي الذي تسعى الجزائر إلى تحقيقه، حيث أصبحت التكنولوجيا الرقمية عاملا حاسما في تحسين أداء المؤسسات الاقتصادية وتعزيز قدرتها على التكيف مع المتغيرات العالمية.

كما أكد أن الرقمنة تتيح للمؤسسات الصناعية تحسين عمليات التسيير والإنتاج والتسويق، فضلاً عن مساهمتها في تقليص التكاليف ورفع الكفاءة التشغيلية.

ومن جهة أخرى، تسمح التقنيات الرقمية بتطوير أنظمة مراقبة الإنتاج وإدارة الموارد وتحليل البيانات، الأمر الذي يساعد المؤسسات على اتخاذ قرارات أكثر فعالية ودقة.

ويواكب هذا التوجه اهتمام متزايد بالبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، من خلال تشجيع التعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الاقتصادية، بهدف تحويل المعرفة العلمية إلى مشاريع إنتاجية ومؤسسات مبتكرة قادرة على خلق القيمة المضافة.

المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في قلب الديناميكية الصناعية

وتحظى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بمكانة خاصة ضمن الرؤية الاقتصادية الجديدة، بالنظر إلى دورها المحوري في تنشيط الاقتصاد وخلق مناصب العمل.

ويرى الخبير في الاقتصاد أن هذه المؤسسات تشكل إحدى الركائز الأساسية لتطوير القاعدة الصناعية الوطنية، لما تمتلكه من مرونة وقدرة على الابتكار والتكيف مع احتياجات السوق.

وأوضح أن تشجيع الاستثمار وتسهيل الحصول على التمويل وتبسيط الإجراءات الإدارية من شأنها أن تعزز مساهمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الوطني، ويفتح المجال أمام ظهور مشاريع صناعية جديدة قادرة على دعم التنمية المحلية وتحقيق التوازن الاقتصادي بين مختلف مناطق البلاد.

كما يساهم هذا التوجه في تعزيز روح المبادرة لدى الشباب وتشجيعهم على ولوج عالم المقاولاتية والإنتاج.

بنية تحتية داعمة للتحول الصناعي

يعد تطوير البنية التحتية الاقتصادية واللوجستية من بين العوامل الأساسية التي تساهم في تعزيز تنافسية الصناعة الوطنية.

وفي هذا السياق، يشير الخبير الاقتصادي إلى أن الموانئ والطرق السريعة وشبكات النقل والاتصالات تمثل عناصر حيوية لربط مناطق الإنتاج بمختلف الأسواق الوطنية والدولية.

وأن الاستثمار في البنية التحتية يساهم في تسهيل حركة السلع والخدمات وتقليص تكاليف النقل والتوزيع، وهو ما ينعكس إيجاباً على أداء المؤسسات الصناعية وقدرتها على المنافسة.

كما يمنح تطوير المناطق الصناعية ومناطق النشاطات الاقتصادية المستثمرين بيئة أكثر ملاءمة لإنجاز مشاريعهم وتحقيق أهدافهم الإنتاجية.

الجزائر أمام منعطف اقتصادي حاسم

من جهته، أكد عبد الرحمان هادف، المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن الجزائر تقف اليوم عند مفترق طرق اقتصادي تاريخي، يفرض الانتقال إلى نموذج تنموي جديد يجعل الصناعة في صلب المشروع الوطني.

وأوضح أن النهضة الصناعية أصبحت تمثل شرطا أساسيا لضمان السيادة الاقتصادية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي والتغيرات التي تعرفها أسواق الطاقة.

وأشار إلى أن الاقتصاد الجزائري يمتلك قاعدة صناعية قائمة يمكن البناء عليها وتطويرها، بما يسمح بإطلاق مرحلة جديدة من النمو والإنتاج والتصدير.

مقومات حقيقية لبناء قوة صناعية

ويرى هادف أن الجزائر تمتلك رصيدا مهما من الخبرات الصناعية المتراكمة عبر عقود، وقاعدة صناعية يمكن البناء عليها وتطويرها.

وأوضح أن البلاد تزخر بقطاعات صناعية متنوعة تشمل الحديد والصلب والبتروكيمياء والصناعات الغذائية ومواد البناء وغيرها من المجالات الإنتاجية.

كما تمتلك الجزائر موارد بشرية مؤهلة وبنية تحتية طاقوية متطورة وإمكانات كبيرة في مجال الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، وتوفر هذه المقومات أرضية صلبة لإطلاق نهضة صناعية حديثة تستجيب لمتطلبات الاقتصاد العالمي الجديد.

الصناعة 4.0.. التحول نحو المستقبل

ويعتبر هادف أن تحديث الصناعة الجزائرية يمر عبر تبني مفاهيم الصناعة 4.0 التي تقوم على توظيف الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتوائم الرقمية والحلول الذكية لإدارة الإنتاج.

وأوضح أن المؤسسات الصناعية التي تعتمد على البيانات والتقنيات الذكية تتمتع بقدرة أكبر على رفع الإنتاجية وتحسين الجودة وتقليص التكاليف التشغيلية.

وأضاف أن الثورة الصناعية الجديدة أصبحت واقعا عالميا يفرض على مختلف الاقتصادات مواكبة التطورات التكنولوجية من أجل الحفاظ على قدرتها التنافسية.

الحوكمة الاقتصادية أساس النجاح

وفي قراءته لمتطلبات التحول الصناعي، شدد هادف على أهمية إصلاح الحوكمة الاقتصادية باعتبارها أحد الشروط الأساسية لتحقيق الإقلاع الصناعي.

وأوضح أن بيئة الأعمال المحفزة تشجع الاستثمار وتمنح المتعاملين الاقتصاديين الثقة اللازمة لإنجاز مشاريع طويلة المدى.

ويشمل ذلك تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الشفافية، وتوفير العقار الصناعي، وتطوير آليات التمويل الملائمة لطبيعة المشاريع الصناعية.

وأكد أن نجاح أي استراتيجية صناعية يرتبط بمدى قدرة المؤسسات على العمل ضمن مناخ اقتصادي مستقر وواضح المعالم.

الاندماج في سلاسل القيمة العالمية

ويرى الخبير أن تعزيز الحضور الصناعي الجزائري يمر أيضا عبر الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.

وأوضح أن الاقتصاد الحديث يقوم على التكامل بين مختلف الأسواق والفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يستدعي تطوير الشراكات الصناعية والتجارية والاستفادة من فرص التعاون الدولي.

كما أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية ومشاريع الربط اللوجستي والتحولات الجارية داخل الأسواق الأوروبية تمثل فرصاً واعدة أمام الصناعة الجزائرية لتعزيز حضورها الخارجي وتوسيع صادراتها.

التحول الطاقوي فرصة تاريخية

وأكد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية أن التحول الطاقوي العالمي يفتح أمام الجزائر آفاقا واسعة لإعادة التموضع الاقتصادي والصناعي.

وأوضح أن الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها البلاد في مجال الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر تمنحها فرصاً استثنائية لتطوير صناعات جديدة ذات قيمة مضافة عالية.

كما أن الطلب العالمي المتزايد على المنتجات منخفضة الانبعاثات الكربونية، يتيح للجزائر إمكانية بناء منظومة صناعية متطورة تتماشى مع المعايير البيئية الدولية، وتستجيب لمتطلبات الأسواق المستقبلية.

نحو مشروع وطني للصناعة والتنمية

وحسب المصرحين، تمتلك الجزائر اليوم من المقومات ما يسمح لها ببناء قاعدة صناعية قوية وعصرية، تجمع بين التكنولوجيا الحديثة والموارد البشرية المؤهلة والبنية التحتية المتطورة.

وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة مختلف الفاعلين، من مؤسسات وهيئات اقتصادية وجامعات ومراكز بحث ومستثمرين، على العمل ضمن رؤية مشتركة تحوّل الإمكانات المتاحة إلى مشاريع إنتاجية حقيقية.

ومع تسارع التحولات العالمية، تتجه الأنظار نحو الصناعة باعتبارها الرهان الأكبر لبناء اقتصاد وطني متنوع وأكثر تنافسية، قادر على خلق الثروة وتوفير فرص العمل وتعزيز مكانة الجزائر كشريك اقتصادي وصناعي مؤثر على المستويين الإقليمي والدولي، بما يرسخ أسس تنمية مستدامة تستند إلى الإنتاج والابتكار والقيمة المضافة.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي