الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

الهجرة إلى سبتة.. هل يصطدم ضغط المخزن بحسابات مدريد الاستراتيجية؟


أعادت التطورات المرتبطة بتدفق آلاف المهاجرين من المغرب نحو مدينة سبتة الإسبانية ملف الهجرة إلى واجهة النقاش الأوروبي، في وقت تتزايد فيه التباينات بين دول الاتحاد بشأن مقاربات التعامل مع الظاهرة وانعكاساتها الأمنية والسياسية.

وفي ضوء هذه التطورات، يعقد وزراء الداخلية في دول الاتحاد الأوروبي اجتماعا طارئا، اليوم الثلاثاء، لبحث سبل تعزيز التعاون، وتقييم تداعيات الأزمة، واستخلاص الدروس المستفادة من الأحداث الأخيرة بهدف تحسين آليات الاستجابة المستقبلية.

ويتفق خبراء حاورتهم “الأيام نيوز” على أن هذه التطورات قد تكشف عن مزيد من الاختلافات داخل المنظومة الأوروبية، غير أنها لا تبدو كافية لإعادة هندسة العلاقات الأمنية الأوروبية أو إحداث تغيير جوهري في السياسة الخارجية الإسبانية، في ظل ارتباط مواقف مدريد بحسابات أوسع تشمل الطاقة والأمن والعلاقات مع دول جنوب المتوسط، إلى جانب مواقفها من القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

فمن جانبه، يرى مصطفى كمال دماني، باحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، أن التطورات الأخيرة التي شهدتها مدريد على خلفية توظيف المغرب لملف الهجرة في الضغط السياسي، انعكست على العلاقات البينية الأوروبية وأربكت فضاء شينغن.

ملف الهجرة يعيد رسم التباينات داخل أوروبا

وأوضح دماني أن ذلك بدا جليا من خلال المواقف الإيطالية والفنلندية والدانماركية تجاه مدريد، وهو ما يعكس حجم التباينات الأوروبية في التعامل مع ظاهرة الهجرة، خاصة أن موجات التدفق السابقة من ليبيا وسوريا لا تزال تلقي بظلالها على صياغة السياسات الأوروبية، بالتزامن مع تصاعد اليمين المتطرف المناهض للهجرة واللاجئين داخل الاتحاد الأوروبي.

وأشار المتحدث إلى أن هذه التباينات تبرز بشكل أكبر في اختلاف المقاربات الأوروبية للتعامل مع ملف الهجرة، معتبرا أن إيطاليا تتصدر الدول التي جعلت القضية أولوية قصوى، خصوصا في ظل التدفقات المتواصلة للمهاجرين على سواحلها، مضيفا أن مدى الانسجام الأوروبي في مواجهة الظاهرة سيبقى مرتبطا بمخرجات القمم الأوروبية المقبلة، وما ستفرزه من آليات ومقاربات مشتركة لمعالجة الملف.

وفيما يتعلق بتداعيات هذه التطورات على الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية، أبرز الباحث أن مدريد تبنت، خلال الفترة الماضية، مسارا تراكميا أقرب إلى دعم القضية الفلسطينية مقارنة بعدد من نظرائها الأوروبيين، غير أن استمرار هذا التوجه سيظل مرتبطا بما ستفرزه الانتخابات المقبلة وأولويات الحكومة الإسبانية القادمة.

إلى جانب مدى قدرتها على تحمّل كلفة هذا الموقف، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية على مدريد، والتي تجسدت في تلويح الرئيس الأمريكي بتعليق العلاقات التجارية معها، فضلا عن تداعيات موقفها الرافض للتعاون مع واشنطن في الانخراط بالتصعيد في الشرق الأوسط، رغم عضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي.

أما بشأن مستقبل العلاقات الإسبانية الجزائرية، فأكد الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية أن الضبابية التي تطبع المشهد الطاقوي العالمي تجعل من غير المرجح أن تتأثر العلاقات بين البلدين بشكل كبير، بالنظر إلى الحاجة الأوروبية عموما والإسبانية خصوصا إلى الطاقة الجزائرية، التي تتميز بالموثوقية والعمل في بيئة آمنة وبعيدة عن بؤر الصراع.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أبرز دماني أن التعاون الجزائري في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية يمثل عاملا إضافيا في الحفاظ على أهمية العلاقات بين الجزائر ومدريد، باعتبار الجزائر بوابة للأمن الأوروبي، مشيرا إلى حاجة إسبانيا إلى الدور الجزائري في الحد من تدفقات الهجرة القادمة من منطقة الساحل، بالنظر إلى الجهود التي تبذلها الجزائر في دعم الاستقرار بالمنطقة، وهو ما من شأنه المساهمة في الحد من الظاهرة التي باتت تؤرق الأمن الأوروبي.

ملف الهجرة لن يغيّر السياسة الخارجية الإسبانية

من جهته، أفاد رابح لعروسي، أستاذ في العلوم السياسية، بأن التطورات الأخيرة المرتبطة بملف الهجرة المغربية نحو مدينة سبتة الإسبانية، والتباين في التصريحات والمواقف بشأن كيفية التعامل معها، تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التطورات ستؤثر في طبيعة العلاقات الإسبانية المغربية أو تدفع نحو مراجعة بعض الملفات العالقة بين الطرفين.

وأوضح لعروسي في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن التحركات المرتبطة بملف الهجرة يمكن قراءتها في سياق الضغوط الممارسة على الحكومة الإسبانية، خاصة في ظل مواقفها من عدد من القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وأبرز المتحدث أن مدريد اتخذت مواقف واضحة تجاه العدوان على قطاع غزة، من بينها منع مرور سفن محملة بالأسلحة المتجهة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب مواقفها الرافضة للحرب على إيران، وهو ما انعكس أيضا على طبيعة التوترات التي طبعت علاقاتها مع الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب.

واعتبر أستاذ العلوم السياسية أن هذه التطورات تعكس محاولة للضغط على الحكومة الإسبانية من أجل التأثير في مواقفها الخارجية، غير أن ذلك لن يقود بالضرورة إلى تغيير جوهري في توجهاتها، خصوصا أن الموقف الإسباني من عدد من القضايا الإقليمية والدولية أصبح أكثر وضوحا واستقلالية داخل المنظومة الأوروبية.

وأشار لعروسي إلى أن عودة العلاقات الجزائرية الإسبانية إلى طبيعتها، وما رافقها من تعاون في مجالات عدة، على غرار الطاقة، تعكس أيضا طبيعة التحولات التي تشهدها العلاقات في منطقة المتوسط، مضيفا أن هذه الديناميكية قد تكون مصدر تذمر لدى أطراف كانت تراهن على استمرار القطيعة أو تعثر مسار تطبيع العلاقات بين الجزائر ومدريد.

وفيما يتعلق بإمكانية تأثير أزمة الهجرة على العلاقات الأوروبية، أكد محدثنا أن التطورات الأخيرة لن تؤدي إلى إعادة هندسة العلاقات الأمنية الأوروبية، باعتبار أن المواقف الأوروبية تجاه ملفات الهجرة والأمن والتعاون مع دول جنوب المتوسط تشكلت على مدى سنوات، مشيرا إلى أن ما قد يتغير هو طبيعة الملفات التي ستطرح على طاولة الحوار بين المغرب وإسبانيا، خاصة ما تعلق بالحدود والهجرة والتنمية والتعاون الثنائي.

وأبرز أن التجارب السابقة في الشراكات بين الاتحاد الأوروبي ودول شمال إفريقيا أظهرت وجود اختلالات في توازن المصالح، وهو ما يفرض فتح نقاش جديد حول أسس هذه الشراكات وآليات إعادة بنائها على قاعدة المنفعة المتبادلة، موضحا أن دول جنوب المتوسط، ومن بينها الجزائر، مطالبة بالاستثمار في الملفات ذات الأهمية الاستراتيجية، خاصة التنمية والطاقة والأمن، بما يسمح بإعادة صياغة العلاقات بين ضفتي المتوسط وفق مصالح أكثر توازنا.

وأضاف أن الملفات الأمنية ستظل من أبرز محاور التعاون بين الدول الأوروبية ودول شمال إفريقيا، إلى جانب التنمية والحوار الثنائي، غير أن المرحلة المقبلة تفرض البحث عن صيغ جديدة للشراكة تقوم على الندية والمصلحة المتبادلة، بدلا من الشراكات الهشة أو الوعود التي لم تحقق النتائج المرجوة.

وفي السياق ذاته، استبعد لعروسي أن تؤدي الضغوط المرتبطة بملف الهجرة إلى تغيير جوهري في السياسة الخارجية الإسبانية، لافتا إلى أن حكومة بيدرو سانشيز تمكنت من الصمود أمام التعقيدات السياسية الداخلية، بالتوازي مع تسجيل أداء اقتصادي لافت داخل الاتحاد الأوروبي، فضلا عن أهمية موقع إسبانيا في ملف الطاقة.

وأكد أن مدريد باتت تعتمد بصورة أكبر على منطق المصالح والمنفعة المتبادلة في علاقاتها الخارجية، وهو ما يجعل تغيير مواقفها الاستراتيجية أمرا غير مرتبط فقط بالضغوط الظرفية الناجمة عن ملف الهجرة.

كما لفت محدثنا إلى أن هذه التطورات تتزامن مع نقاش أوسع داخل الاتحاد الأوروبي بشأن طبيعة علاقته بالولايات المتحدة، خاصة بعد التحولات التي طرأت على السياسة الأمريكية تجاه الشركاء الأوروبيين، موضحا أن تباين المصالح بين ضفتي الأطلسي أعاد إلى الواجهة النقاش حول مدى جدوى استمرار التبعية الأوروبية للسياسات الأمريكية، وهو ما قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز هامش استقلاليته في القضايا الدولية.

خِتاماً، أشار رابح لعروسي إلى أن ملفات الأمن والتنمية والطاقة والحوار الثنائي ستظل حاضرة في العلاقات بين أوروبا ودول جنوب المتوسط، غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في إعادة بناء هذه الشراكات على أسس أكثر توازنا، واستثمار الملفات الاستراتيجية، ومنها الهجرة والطاقة والأمن والتنمية، لتحقيق مصالح متبادلة بين ضفتي المتوسط.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.