الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

الهواتف داخل الأقسام.. بين هاجس المنع وضرورة التربية الرقمية

Author
بثينة صايفي 01 أكتوبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

في وقت أصبحت فيه الهواتف الذكية جزءًا لا ينفصل عن حياة التلاميذ اليومية، بدأت هذه الأجهزة تفرض حضورها داخل الأقسام الدراسية، بين تلميذ منشغل بالشاشة، وآخر يوثق ما يحدث داخل الحصة، وثالث يتنقل بين محتويات لا علاقة لها بالدرس.

وبينما تتزايد المخاوف من تأثير الاستخدام المفرط للهواتف على التركيز والتحصيل والسلوك، يبرز السؤال حول الطريقة الأنسب للتعامل مع الظاهرة: هل يكون الحل في المنع والمصادرة، أم في التربية والتوعية وتعليم التلميذ الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا؟ وفي هذا السياق، ترى الخبيرة التربوية زهرة فاسي أن معالجة المشكلة تتطلب مقاربة تربوية تتجاوز الهاتف نفسه، لتصل إلى سلوك التلميذ ودور الأسرة والمدرسة والأستاذ في توجيهه.

 

إدمان الهواتف يتسلل إلى الأقسام ويشتت تركيز التلاميذ

ترى الخبيرة التربوية زهرة فاسي أن استخدام الهواتف النقالة من طرف التلاميذ أصبح ظاهرة واضحة داخل الأقسام الدراسية، ولم يعد مقتصرًا على أوقات الفراغ، بل امتد إلى الحياة اليومية داخل البيوت، خاصة في ظل وجود أولياء يجدون أنفسهم هم أيضًا أسرى لشاشات هواتفهم.

وتؤكد أن التعامل مع الظاهرة يقتضي أولًا الاعتراف بحجمها وفهم أسبابها، بدل الاكتفاء بمنع الهاتف أو مصادرة الجهاز، لأن المشكلة، حسبها، لا تتعلق بالهاتف في حد ذاته، وإنما بطريقة استخدامه ومدى قدرة التلميذ على التحكم فيه.

الهاتف بين أداة للتعلم ومصدر للإلهاء

وتوضح فاسي أن الأولياء يمكن أن يكون لهم دور في توجيه أبنائهم، لكن ليس بالضرورة من خلال منع الهاتف المحمول، وإنما عبر تعليمهم كيفية توظيفه بشكل إيجابي، خاصة في البحوث العلمية والمصادر التعليمية المفيدة التي تدعم البرنامج الدراسي في مختلف المستويات التعليمية.

وترى أن الهاتف يمكن أن يتحول من وسيلة للإلهاء إلى أداة للتعلم، إذا تم توجيه التلميذ نحو المحتوى المفيد وتعويده على الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، بدل تركه فريسة للمحتويات العشوائية التي تستهلك وقته وانتباهه.

التصوير داخل الأقسام.. وجه آخر للمشكلة

وتتوقف الخبيرة التربوية زهرة فاسي عند ظاهرة تصوير التلاميذ لمقاطع فيديو داخل الأقسام الدراسية، ثم تداولها وإرسالها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرة أن الأمر لم يعد مجرد استخدام عابر للهاتف، وإنما سلوك يطرح أسئلة حول احترام حرمة القسم، وخصوصية الأستاذ والتلاميذ، وحدود استخدام الوسائل الرقمية داخل المؤسسة التربوية.

وتشير فاسي إلى أنها سجلت مثل هذه الممارسات في عدد من ولايات الوطن، حيث يتحول بعض التلاميذ من متلقين للدرس إلى موثقين لما يحدث داخل القسم، سواء بهدف التسلية أو المشاركة عبر منصات التواصل، وهو ما قد يؤدي إلى إخراج مواقف تربوية من سياقها وتحويلها إلى محتوى قابل للانتشار والتداول على نطاق واسع.

وترى أن خطورة الظاهرة لا تكمن فقط في عملية التصوير، وإنما أيضًا فيما يترتب عنها بعد نشر المحتوى، خاصة عندما يتعلق الأمر بتصوير الأساتذة أو الزملاء دون علمهم، أو مشاركة مقاطع قد تحمل سخرية أو إساءة أو تعرض أصحابها للتنمر الإلكتروني، لذلك، فإن التعامل مع هذه الممارسات، حسبها، يحتاج إلى توعية التلميذ بأن امتلاكه لهاتف ذكي لا يعني امتلاكه الحق في تصوير الآخرين ونشر صورهم أو مقاطعهم دون مراعاة الضوابط.

وفي المقابل، تؤكد أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقع على عاتق الأولياء وحدهم، لأن المدرسة نفسها مطالبة بأداء دور تربوي واضح في هذا الجانب، فالتلميذ يقضي جزءًا كبيرًا من يومه داخل المؤسسة التربوية، ما يجعلها فضاءً أساسيًا لتصحيح السلوكيات وتعليمه قواعد التعامل المسؤول مع التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي.

وتدعو فاسي إلى أن تكون التوعية جزءًا من الحياة المدرسية اليومية، من خلال شرح مخاطر التصوير غير المسؤول، وآثار نشر المحتويات المتعلقة بالحياة المدرسية، وتعزيز احترام الخصوصية والآخرين، بدل الاكتفاء برد الفعل بعد انتشار المقاطع على مواقع التواصل.

الهاتف يسرق التركيز ويُدخل التلميذ في فضاء افتراضي بلا حدود

وتحذر فاسي من أن الإفراط في استخدام الهاتف ومتابعة محتوياته أثناء الدراسة يؤدي إلى فقدان التركيز وتشتت الأفكار، خاصة عندما لا يكون لدى التلميذ هدف واضح من استخدامه.

وتشير إلى أن الإنترنت والشاشات توفر مساحة واسعة من الإلهاء والتسلية، الأمر الذي قد يجعل التلميذ يبتعد تدريجيًا عن واقعه التربوي والاجتماعي، وينغمس في فضاءات افتراضية واسعة يصعب عليه الخروج منها، خصوصًا إذا غابت الرقابة والتوجيه والتوعية.

منع الهاتف ليس الحل

وفيما يتعلق بالحلول، ترى الخبيرة التربوية أن المنع الكامل للهواتف الذكية داخل المؤسسات التعليمية قد لا يكون الخيار الأنسب، محذرة من أن التعامل مع الهاتف باعتباره المشكلة في حد ذاته قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

وتقترح بدلًا من ذلك اعتماد سياسة تربوية تقوم على تعليم التلميذ كيفية استخدام الهاتف ومتى يستخدمه، مع وضع ضوابط واضحة داخل المؤسسات التعليمية، بما يسمح بالاستفادة من التكنولوجيا دون أن تتحول إلى وسيلة لتعطيل الدراسة.

التربية قبل التعليم.. والحاجة إلى حصص للتوعية

وتشدد فاسي على أن اسم الوزارة هو «وزارة التربية والتعليم»، معتبرة أن التربية تسبق التعليم، وأن معالجة السلوكيات المرتبطة بالهواتف تحتاج إلى ترسيخ الوازع الأخلاقي والمسؤولية لدى التلميذ.

وفي هذا السياق، تقترح العودة إلى حصص التوعية والتوجيه التي كانت تُقدم بشكل منتظم، مستحضرة ما كان يعرف بـ “Les leçons de morale”، والتي كانت تخصص دقائق يومية لغرس بعض القيم والسلوكيات.

وترى أن مثل هذه الحصص يمكن أن تُستثمر اليوم في توعية التلاميذ بمخاطر الاستخدام غير المسؤول للهواتف، وآثار التصوير داخل الأقسام، ونشر المحتويات دون إذن، إضافة إلى مخاطر الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي.

المؤسسة التربوية تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية

وترى الخبيرة أن الاعتماد الكلي على الأولياء في معالجة المشكلة غير واقعي، خصوصًا أن بعض الأسر نفسها تواجه صعوبة في التحكم في استعمال أفرادها للهواتف.

وتقول في هذا السياق إن تحميل الأولياء وحدهم مسؤولية الظاهرة لا يكفي، لأن المشكلة أصبحت مرتبطة بالمدرسة والمجتمع والأسرة والبيئة الرقمية في آن واحد، ما يستدعي مقاربة مشتركة تشارك فيها المؤسسات التربوية والأساتذة والأولياء.

الأستاذ قدوة قبل أن يكون موجها

وتوجه فاسي رسالة إلى بعض الأساتذة والأستاذات بضرورة الانتباه إلى طريقة استعمالهم للهواتف داخل الأقسام، لأن سلوك الأستاذ قد يتحول، بحسبها، إلى نموذج يقلده التلميذ.

وتستشهد بقول أحد التلاميذ لها”وعلاش الأستاذ يكونيكتِي كي نحلوا التمارين وأنا لا؟“، معتبرة أن مثل هذه المواقف تكشف أهمية القدوة داخل القسم، وأن مطالبة التلميذ بالالتزام بقواعد معينة تصبح أكثر إقناعًا عندما يلتزم بها الأستاذ نفسه.

مناهج جديدة لمواجهة مصيدة التكنولوجيا

وفي الأخير، تدعو الخبيرة التربوية إلى إعادة النظر في البرامج والمناهج بما يسمح بإدماج قضايا الأخلاق والسلوك الرقمي والتعامل مع التكنولوجيا الحديثة ضمن العملية التعليمية.

وترى أن الجيل الحالي يعيش في بيئة رقمية مختلفة جذريًا عن الأجيال السابقة، وبالتالي فإن المدرسة مطالبة بفهم هذه البيئة بدل الاكتفاء بمحاولة عزل التلميذ عنها، مع تعليمه كيفية اكتشاف “مصيدة التكنولوجيا” والتحكم في استخدامها، حتى تتحول التكنولوجيا من مصدر للتشتت إلى وسيلة للتعلم والمعرفة.

↑