لا أدري، وأنا أكتبُ هذا المقال، إن كان يحقُّ لي أن يُنشر باسمي، فأنا لا أنفكُّ أرى أمامي كتابًا يلخص طرائق النظر إلى هذه المسألة، مسألة الهوية والتبعية العربية للغرب، وإن كنتَ ستختلف معي - ومع المؤلف - عزيزي القارئ. وإني أدعوك إلى قراءة هذا الكتاب كاملًا، ولك أن تدعو لي، أو عليّ!
بدايةً، يبدأ "أمين معلوف"، الكاتب اللبناني الفرنسي، كتابه "الهويات القاتلة"، بمعاناته المتكررة في إصرار أكثرية من يقابله على معرفة تفضيله في وصف هويته، بين لبنانية وفرنسية. ويعبّر عن رغبته في أن يكبر العالم والإنسان عن هذه التصنيفات، ويقول:
"إنَّ كلَّ من يجاهر بهوية أكثر تعقيدًا يجد نفسه مُهَمَّشًا؛ فالشاب الذي وُلد في فرنسا لأبوين جزائرييَن يحمل في داخله انتماءين بديهيين ويفترض به أن يكون قادرًا على الاضطلاع بهما على السواء. وقد قلت إنهما انتماءان بغية التوضيح، ولكن مكوّنات شخصيته أكثر تعدّدًا، سواء أتعلق الأمر باللغة والمعتقدات وأسلوب العيش والروابط الأسرية والأذواق الفنية أم أنواع المأكل لأن التأثيرات الفرنسية والأوروبية والغربية تمتزج في كيانه بالتأثيرات العربية والبربرية والأفريقية والإسلامية... إنها تجربة غنية ومثمرة لو شعر هذا الشاب بحرية عيشها إلى أقصى حدودها، وبالتشجيع على الاضطلاع بكل أنواعها. وعلى نقيض ذلك، قد يكون مساره صدمة قاسية لو عدّه بعضهم خائنًا بل مُرتَدًّا كلما أكّد هويته الفرنسية، ولّوجد نفسه ضحية التحجّر والريبة أو العداء كلما جاهر بأصوله الجزائرية"، (ص12). إن هذه الحيرة لصعبة، ولا بد لأيّة ثقافة أن تؤثّر في الثقافات الأخرى، لذلك على كل فرد منّا أن يسأل نفسه: "ما الذي في ثقافة البلد المضيف يشكّل جزءًا من الحد الأدنى الذي يفترض بكل شخص الانتماء إليه، وما الذي يمكنه معارضته أو رفضه بصورة مشروعة؟ والسؤال نفسه يصح على الثقافة الأصلية للمهاجرين: ما هي مقومات هذه الثقافة التي تستحق أن تنقل إلى بلد التبني كهبة ثمينة، وما هي العادات والممارسات التي يجب أن تبقى في غرفة الانتظار". (ص55 - 56).
"إننا غالبًا ما نولي الأهمية أكثر مما ينبغي لتأثير الأديان في الشعوب وتاريخها، وليس كفاية لتأثير الشعوب وتاريخها في الأديان. وأنا أعرف أن هذا التأثير متبادل؛ فالمجتمع يصنع الدين الذي بدوره يصنع المجتمع. غير أنني ألاحظ أننا قد اعتدنا رؤية هذا الجانب من الجدلية فحسب مما يشوّه المشهد بصورة غريبة. وعندما يتعلق الأمر بالإسلام، لا يتردد بعضهم قط في تحميله المسؤولية عن كامل المآسي التي عرفتها المجتمعات المسلمة ولا تزال. ولا أنتقد هذه الرؤية لأنها مجحفة فحسب، بل أنتقدها لأنها تجعل أحداث العالم غير مفهومة إطلاقا". (ص82).
إن الحضارة البشرية ليست وليدة اليوم، ولا القرنين الأخيرين، بل هي رحلة تبادلت فيها الحضارات إمساك الدفّة. واليوم "البشرية أصبحت تملك الوسائل التقنية للسيطرة على العالم"، و"نضجت لبروز حضارة عالمية. لقد كانت البويضة جاهزة للتخصيب، وقد قامت أوروبا بتخصيبها". و"هكذا - يكفي أن ننظر حولنا! - نرى الغرب حاضرًا أينما كان. في فلاديفوستوك وسنغافورة على السواء، وفي بوسطن وداكار وطشقند وساو باولو ونومييا والقدس والجزائر العاصمة. فمنذ خمس مائة عام، كل ما يؤثر تأثيرا دائمًا في أفكار البشر أو صحتهم أو بيئتهم أو حياتهم الشخصية هو من صنع الغرب. الرأسمالية والشيوعية والفاشية والتحليل النفسي وعلم البيئة والكهرباء والطائرة والسيارة والقنبلة الذرية والهاتف والتلفاز والمعلوماتية والبنسلين وأقراص منع الحمل وحقوق الإنسان، كذلك غرف الغاز... نعم، كل ذلك، سعادة البشر وتعاستهم، كله جاء من الغرب"، (ص86-87).
ومن الأمثلة حالة واضحة، "إن ما تظهره حالة محمد علي هو أن التحديث في العالم العربي اعتبر، في مرحلة مبكرة جدا، ضرورة بل حاجة ماسة [...] في حين كانت أوروبا قد أخذت في الحسبان أثقالها الثقافية والاجتماعية والدينية؛ بل، وبالإضافة إلى ذلك، اعتماد التغريب، وفي الوقت نفسه، الاحتماء من غرب في أوج ازدهاره، يتميز بمطامع لا حدود لها، وغالبا ما يزدري الآخرين"، (ص95).
انتقل "معلوف" بين عناوين أربعة، بنى عليها كتابه المتسلسل في الأفكار والأمثلة، فبعد فصل "هويتي انتماءاتي"، انتقل إلى "عندما تأتي الحداثة من عند الآخر"، وصل إلى "زمن القبائل الكونية". وكان من الطبيعي أن يكون فصله الأخير مرتبطًا بالمجتمع الخاضع للتغيير؛ إنّه "ترويض الفهد".
"لماذا الفهد؟ لأنه يَقتل إذا ما تعرض للاضطهاد، ويَقتل إذا ما سنحت له الفرصة، والأسوأ هو إطلاق سراحه بعد إصابته، ولأنه قابل للترويض تحديدا"، (ص167). "يجب أن يحظى كل منا بالتشجيع على اعتبار هويته حصيلة لانتماءاته العديدة بدلًا من حصرها في انتماء واحد يرفعه إلى مستوى الانتماء الأسمى، وأداة للاستعباد، وأحيانا أداة للحرب.."، (ص185).
لقد ألّف "معلوف" كتابًا كاملًا للدفاع عن فكرة الهوية، ومعرفتها، وحق التمسك كلٌّ في هويته الخاصة. فما دور المثقف غير التشجيع على هذه الأفكار البناءة، ليس عن طريق الكتابة عنها فحسب، بل عن طريق التصرف بالسلوك الذي يتوافق مع انفراد كل شخص بهويته، وبحق كل مجتمع بالتمتّع بثقافته الخاصة، التي لا بأس إن تلاقحت مع ثقافات أخرى قد تجد فيها استكمالًا لما قد ينقصها، مع التأكيد على الابتعاد عن كل ما يحوّل هذه الثقافة إلى مجتمع محض تابع، مستسلم، مُبعَد عن المشاركة في بناء "القبيلة الكونية الواحدة".
وبما هو من أجمل خاتمات الكتب، ختم "أمين معلوف" كتابه "الهويات القاتلة" بتمنٍّ جميلٍ؛ وهو أن يقرأ حفيده هذا الكتاب، مستغربًا ما قد يدفع جدّه إلى تأليفه، والدفاع عن أفكار أصبحت في زمنه محض مسلمات.
وإنّي أرى، أنَّ في أفكار "معلوف" - على دقتها وحسن استشرافها - مبالغةً في تلطيف نوايا الغرب، فمن يعلم ما بعقول الغربيين المسيطرين، والفرحين من تبعية الشرق لهم - خاصةً العرب - من أفكار قد تكون جهنمية، بكل ما قد تحمله هذه الكلمة من معانٍ ونوايا خفيّة، في ظل ابتعاد المجتمع العربي عن فهم مقصده في تركيب الهوية..
وختامًا، عزيزي القارئ، إن لك هويّتك الخاصة التي لا يشاركك فيها غيرك، حتى توأمك الأصلي، إن الهوية لَأعلى من أن تُحَدَّ في انتماء واحد، أو فكرة واحدة، أو ميل واحد. إنّها أنت، وأنت فقط، فإني -مُتَّفِقًا مع معلوف وشاكرًا له على توضيحه - أرى الهويات على عدد الخلائق.
المرجع: معلوف، أمين (2016). الهويات القاتلة (ط 4)، تر. نهلة بيضون، بيروت: دار الفارابي.

