الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الهيدروجين الأخضر.. بوابة الجزائر نحو ريادة أسواق الطاقة النظيفة

Author
إيمان عبروس 17 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يبرز الهيدروجين الأخضر كأحد أبرز البدائل الطاقوية المستقبلية التي يعول عليها العالم في تحقيق التحول نحو الطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات الكربونية، وهو ما يفتح أمام الجزائر آفاقا استراتيجية واعدة لبناء صناعة تنافسية قادرة على تعزيز مكانتها في سوق الطاقة العالمي، وإعادة تموقعها ضمن الدول الفاعلة في هذا المجال.

وفي تصريح خص به “الأيام نيوز”، أكد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف، أن الهيدروجين الأخضر أصبح اليوم أحد أبرز محركات التحول الصناعي العالمي، وأن الجزائر تملك فرصة تاريخية للتموقع ضمن الدول الرائدة في هذا المجال، إذا ما تم استغلال الإمكانات المتاحة ضمن رؤية استراتيجية متكاملة تجمع بين الاستثمار والتكنولوجيا والشراكات الدولية.

الهيدروجين الأخضر في صلب التحول الصناعي العالمي

وأشار عبد الرحمان هادف إلى أن الصناعات الثقيلة، وعلى رأسها الحديد والصلب والأسمدة والبتروكيمياء، تواجه ضغوطا متزايدة لتقليص انبعاثاتها الكربونية، ما يجعل الهيدروجين الأخضر أحد أهم البدائل القادرة على ضمان استمرار النشاط الصناعي مع احترام الالتزامات البيئية الدولية.

وأضاف أن الهيدروجين الأخضر أحد أهم الحلول الطاقوية المستقبلية في سياق التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، إذ لم يعد مجرد خيار بيئي، بل تحول إلى ركيزة أساسية في الاستراتيجيات الصناعية للدول الكبرى، بالنظر إلى قدرته على توفير طاقة مستدامة لمختلف القطاعات وتقليص الانبعاثات الكربونية، خصوصا في المجالات التي يصعب فيها إزالة الكربون بوسائل بديلة.

التمويل.. التحدي الأكبر أمام المشاريع الكبرى

وأكد الخبير أن أحد أبرز المحاور التي استأثرت بالنقاش خلال المؤتمر، تتمثل في آليات تمويل مشاريع الهيدروجين الأخضر، باعتبارها مشاريع ضخمة تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات.

وأوضح أن تطوير محطات الإنتاج والبنية التحتية الخاصة بالنقل والتخزين يحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة واستثمارات طويلة الأجل، وهو ما يفرض البحث عن آليات تمويل مبتكرة تسمح بتقاسم المخاطر بين الحكومات والمؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الخواص.

وفي هذا الإطار، شدد المصرح على أهمية تدخل الحكومات لتوفير الضمانات والحوافز الضرورية التي ترفع جاذبية الاستثمار في هذا القطاع، إلى جانب تعزيز دور البنوك التنموية وصناديق المناخ والمؤسسات المالية الدولية في مرافقة المشاريع الاستراتيجية.

ويرى هادف أن الجزائر تملك فرصة للاستفادة من مختلف آليات التمويل الأخضر الدولية، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد للمؤسسات المالية العالمية بدعم مشاريع الانتقال الطاقوي في الدول النامية.

الإطار التنظيمي مفتاح نجاح السوق

وأشار المستشار الدولي إلى أن نجاح صناعة الهيدروجين الأخضر لا يرتبط فقط بتوفر الموارد الطبيعية أو التمويل، وإنما يعتمد أيضا على وجود بيئة تنظيمية مستقرة وواضحة تمنح المستثمرين رؤية طويلة المدى.

وأوضح أن أهمية وضع سياسات حكومية محفزة تشمل الحوافز الجبائية، وآليات دعم الاستثمار، وتبني استراتيجيات وطنية واضحة لتطوير سوق الهيدروجين.

كما تم التأكيد على أهمية عقود الشراء طويلة الأجل التي تمنح المنتجين ضمانات حول الطلب المستقبلي، وهو عامل أساسي لتسريع اتخاذ قرارات الاستثمار النهائي.

وأضاف أن الجزائر قطعت خطوات مهمة في مجال الانتقال الطاقوي، غير أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الإطار التشريعي والتنظيمي الخاص بالهيدروجين الأخضر من أجل استقطاب المستثمرين المحليين والأجانب وتسريع تنفيذ المشاريع الكبرى.

سلاسل قيمة صناعية جديدة

وأكد هادف أن القيمة الحقيقية للهيدروجين الأخضر لا تكمن فقط في إنتاجه وتصديره، وإنما في قدرته على خلق منظومات صناعية متكاملة تساهم في تنويع الاقتصاد الوطني.

وأوضح أن تطوير صناعة الهيدروجين يفتح المجال أمام إنشاء سلاسل قيمة جديدة تشمل تصنيع المعدات، وإنتاج أجهزة التحليل الكهربائي، وتطوير حلول النقل والتخزين، فضلا عن الصناعات التحويلية المرتبطة باستخدامات الهيدروجين.

كما يمكن أن يشكل هذا المورد قاعدة لتطوير صناعات جديدة ذات قيمة مضافة عالية، ما يسمح بخلق مناصب شغل مؤهلة واستقطاب استثمارات نوعية في مجالات التكنولوجيا والطاقة والصناعة. وأن العديد من الدول تنظر اليوم إلى الهيدروجين الأخضر باعتباره قطاعا صناعيا متكاملا، وليس مجرد مصدر للطاقة، وهو ما يمنح الجزائر فرصة لتعزيز نسيجها الصناعي ورفع مساهمة الصناعة في الاقتصاد الوطني.

إزالة الكربون وتعزيز التنافسية الصناعية

ومن بين أبرز المكاسب التي يوفرها الهيدروجين الأخضر، بحسب هادف، مساهمته في تحسين تنافسية المنتجات الصناعية الجزائرية في الأسواق الدولية.

وأوضح أن العديد من الأسواق العالمية، خاصة الأوروبية، تتجه نحو تشديد المعايير البيئية وفرض رسوم مرتبطة بالبصمة الكربونية للمنتجات المستوردة، وهو ما يجعل اعتماد الطاقات النظيفة عاملا أساسيا للحفاظ على القدرة التنافسية للصادرات الصناعية.

وأشار إلى أن إنتاج الحديد والصلب والأمونيا والأسمدة بالاعتماد على الهيدروجين الأخضر يمكن أن يمنح المنتجات الجزائرية ميزة إضافية في الأسواق الخارجية، ويعزز فرص النفاذ إلى الأسواق التي تعتمد معايير بيئية صارمة.

مشروع الممر الجنوبي للهيدروجين

كما تطرق المتحدث إلى مشروع “الممر الجنوبي للهيدروجين”، الذي يُصنف ضمن أبرز المشاريع الاستراتيجية المطروحة على المستوى الدولي، موضحا أنه يهدف إلى ربط شمال إفريقيا بأوروبا عبر شبكة مخصصة لنقل الهيدروجين الأخضر، بطاقة قد تصل إلى نحو أربعة ملايين طن سنويا، بما يعزز التكامل الطاقوي بين الضفتين ويدعم مسار التحول نحو الطاقة النظيفة.

واعتبر هادف أن هذا المشروع يمنح الجزائر فرصة استثنائية للتحول إلى مورد رئيسي للطاقة النظيفة نحو أوروبا، خاصة في ظل الطلب الأوروبي المتزايد على مصادر الطاقة منخفضة الكربون.

كما يسمح المشروع بتعزيز مكانة الجزائر ضمن الخريطة العالمية للطاقة، مستفيدة من بنيتها التحتية الطاقوية وخبرتها الطويلة في مجال تصدير الطاقة نحو الأسواق الأوروبية.

الجزائر ومشاريع الهيدروجين الإقليمية

وأشار هادف إلى أن مشاركة الجزائر في مشاريع استراتيجية على غرار مشروع ” SouthH2 Corridor” ومشروع ” T-MED” يعكس الإرادة الوطنية للتموقع ضمن الدول الرائدة في سوق الهيدروجين الأخضر.

وأوضح أن هذه المبادرات تمنح الجزائر فرصة لتطوير قدراتها الإنتاجية وتوسيع شبكة الشراكات الدولية والاستفادة من نقل التكنولوجيا والخبرات العالمية.

كما تفتح المجال أمام استقطاب استثمارات أجنبية مباشرة في مجالات الطاقة النظيفة والبنية التحتية والصناعات المرتبطة بالهيدروجين.

نحو قطب صناعي أخضر

وأكد المتحدث أن الجزائر تمتلك كل المقومات اللازمة للتحول إلى قطب صناعي أخضر في المنطقة، بفضل المساحات الشاسعة المخصصة لمشاريع الطاقة الشمسية، والموارد الطبيعية المتوفرة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي.

وأضاف أن استغلال هذه الإمكانات يتطلب رؤية شاملة تقوم على تطوير البنية التحتية، وتعزيز البحث العلمي، وتكوين الكفاءات، وتشجيع الابتكار في مجالات الطاقة النظيفة.

كما شدد على أهمية بناء شراكات قوية مع المؤسسات الدولية والشركات العالمية المتخصصة من أجل تسريع نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الوطنية.

رهان اقتصادي لمستقبل الجزائر

ويعتبر هادف أن الهيدروجين الأخضر يمثل أكثر من مجرد مشروع طاقوي، فهو مشروع اقتصادي وصناعي واستراتيجي قادر على المساهمة في تنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز السيادة الاقتصادية.

وأوضح أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة ستقاس فيها قوة الدول بقدرتها على التحكم في مصادر الطاقة النظيفة والتكنولوجيات المرتبطة بها، وهو ما يفرض على الجزائر اغتنام الفرص المتاحة لتثبيت موقعها ضمن الفاعلين الرئيسيين في هذا المجال.

بوابة نحو اقتصاد المستقبل

وفي ختام تصريحه، أكد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية أن الهيدروجين الأخضر يمثل أحد أهم الرهانات الاستراتيجية التي من شأنها أن تفتح أمام الجزائر آفاقا واسعة للتنمية الاقتصادية والصناعية خلال العقود المقبلة. فإلى جانب مساهمته في تحقيق أهداف الانتقال الطاقوي وخفض الانبعاثات الكربونية، يشكل هذا المورد فرصة واعدة لبناء صناعات جديدة، وتعزيز الصادرات، واستقطاب الاستثمارات النوعية.

وأضاف أن تسارع وتيرة المشاريع الإقليمية الكبرى وتزايد الطلب العالمي على الطاقة النظيفة يضع الجزائر أمام فرصة تاريخية للانتقال من موقع المنتج التقليدي للطاقة إلى فاعل رئيسي في اقتصاد الهيدروجين العالمي، بما يعزز مكانتها الاقتصادية ويرفع من تنافسيتها الصناعية، ويمهّد لمرحلة جديدة من التنمية المستدامة القائمة على الابتكار والمعرفة والطاقة النظيفة.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.