الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الهيدروجين الأخضر.. رهان استراتيجي يضع الجزائر على خريطة الطاقة النظيفة العالمية

Author
إيمان عبروس 20 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشهد الهيدروجين الأخضر صعودا متسارعا ضمن أولويات التحوّل الطاقوي العالمي، باعتباره أحد أهم الحلول القادرة على دعم الاقتصاد منخفض الانبعاثات وتعزيز أمن الطاقة خلال العقود المقبلة.

وفي خضم هذا التحول، تبرز الجزائر كواحدة من الدول التي تمتلك فرصا استراتيجية لبناء صناعة تنافسية في هذا المجال، بفضل مواردها الطبيعية الهائلة، وخبرتها المتراكمة في قطاع الطاقة، وبنيتها الصناعية المؤهلة لاستيعاب التقنيات الحديثة.

وتؤكد المؤشرات التي كشف عنها تقرير وحدة أبحاث الطاقة، استنادا إلى بيانات وكالة الطاقة الدولية، والذي صنف الجزائر ضمن أبرز الدول الإفريقية المرشحة لإنتاج الهيدروجين الأخضر بأقل التكاليف بحلول عام 2030، مستفيدة من امتلاكها نحو 14 بالمئة من الإمكانات الإقليمية للطاقة المتجددة، أن التحدي الأكثر تأثيرا في المرحلة المقبلة يرتبط بآليات التمويل وتخفيض تكلفة رأس المال، بما يسمح بتحويل الإمكانات الطبيعية إلى مشاريع إنتاجية ذات مردودية اقتصادية عالية.

وفي تصريح خص به “الأيام نيوز” أكد الدكتور مفلاح عيسى، الباحث في مجال الطاقات المتجددة، أن الجزائر تمتلك مختلف المقومات التي تؤهلها لبناء صناعة متكاملة للهيدروجين الأخضر، شريطة تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتعزيز البحث العلمي، وتطوير الإطار التنظيمي والتمويلي الذي يسمح بانتقال هذا المورد من مرحلة الدراسات إلى مرحلة الإنتاج الصناعي الواسع.

ثروة متجددة تمنح الجزائر أفضلية تنافسية

وأوضح عيسى أن امتلاك الجزائر واحدا من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، إلى جانب المساحات الشاسعة القابلة لاستقبال المشاريع الطاقوية الكبرى، يشكل قاعدة استراتيجية لإنتاج الكهرباء المتجددة التي تمثل العنصر الأساسي في تصنيع الهيدروجين الأخضر عبر المحللات الكهربائية.

وتزداد هذه الأفضلية بفضل توفر موارد مهمة من طاقة الرياح في عدد من المناطق، بما يسمح بتحقيق تكامل بين مختلف مصادر الطاقة النظيفة، ورفع عدد ساعات تشغيل المحطات، وهو عامل مؤثر في تخفيض تكلفة الإنتاج وتحسين المردودية الاقتصادية للمشاريع.

وتنسجم هذه الإمكانات الطبيعية مع رؤية وطنية تستهدف توسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة ضمن مزيج الطاقة، بما يضمن توفير كميات مستقرة من الكهرباء النظيفة الموجهة إلى المشاريع الصناعية المستقبلية.

قاعدة صناعية راسخة تدعم انطلاق المشاريع

وأكد الباحث أن خبرة الجزائر في إنتاج الغاز ونقله، إضافة إلى البنية التحتية الخاصة بالتكرير والصناعات الكيميائية، تمثل عناصر جاهزة يمكن توظيفها في الانتقال التدريجي نحو إنتاج الهيدروجين منخفض الانبعاثات، مع الحفاظ على استمرارية النشاط الصناعي ورفع قيمته المضافة.

كما تمتلك البلاد شبكة مهمة لنقل الطاقة وخبرات بشرية تراكمت عبر عقود من العمل في قطاع المحروقات، وهو ما يسهل عملية إدماج التكنولوجيا الجديدة ضمن المنظومة الصناعية الوطنية.

سوق محلية جاهزة لاستيعاب الهيدروجين

وفي هذا السياق، أكد الباحث أن السوق الوطنية تكتسب أهمية كبيرة في مسار تطوير هذه الصناعة، إذ يشير تقرير المراجعة العالمية للهيدروجين لسنة 2026 الصادر عن وكالة الطاقة الدولية إلى أن استهلاك إفريقيا من الهيدروجين بلغ نحو 3,1 ملايين طن خلال سنة 2024، واستحوذت الجزائر على حوالي 20 بالمئة من هذا الطلب، بعد مصر وقبل نيجيريا.

ويرتبط الجزء الأكبر من هذا الاستهلاك بصناعة الأمونيا والأسمدة وعمليات التكرير، وهو ما يمنح الجزائر فرصة مباشرة لإحلال الهيدروجين منخفض الانبعاثات محل الهيدروجين التقليدي داخل الصناعات الوطنية، بما يساهم في تقليص البصمة الكربونية وتحسين تنافسية المنتجات الجزائرية في الأسواق الدولية.

خارطة طريق وطنية بأهداف واضحة

وأشار الباحث إلى أن الجزائر شرعت في تنفيذ خارطة طريق وطنية للهيدروجين، تتضمن مراحل متدرجة تراعي الجوانب التقنية والاقتصادية والتنظيمية، مع التركيز خلال السنوات الحالية على المشاريع التجريبية التي تسمح باكتساب الخبرة وتقييم مختلف الحلول التكنولوجية.

ووفق الاستراتيجية الوطنية المسجلة لدى وكالة الطاقة الدولية، تستهدف الجزائر إنتاج وتصدير ما بين 30 و40 تيراواط ساعة من الهيدروجين ومشتقاته بحلول سنة 2040، مع تخصيص الفترة الممتدة إلى غاية 2030 لإطلاق المشاريع النموذجية وإعداد البيئة القانونية والاقتصادية اللازمة.

كما دخلت الجزائر المرحلة الثانية من خارطة الطريق الخاصة بالهيدروجين، عبر مشاريع تجريبية تشرف عليها كل من سوناطراك وسونلغاز، تتضمن إنجاز دراسات تقنية لتحديد أفضل الحلول الإنتاجية وأكثرها كفاءة وربحية.

الطاقات المتجددة.. حجر الأساس للنجاح

وفي هذا الإطار، أكد مفلاح أن مستقبل الهيدروجين الأخضر يرتبط مباشرة بوتيرة تطوير مشاريع الطاقات المتجددة، باعتبار أن الكهرباء النظيفة تمثل المكوّن الأساسي في عملية الإنتاج.

وأشار إلى أن الجزائر تعمل على بلوغ قدرة إنتاجية تقدر بـ15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة في أفق سنة 2035، في حين توجد المرحلة الأولى من البرنامج الوطني، بقدرة 3200 ميغاواط، قيد الإنجاز.

كما أكد أن تسريع وتيرة هذه المشاريع سيؤدي إلى توفير كميات أكبر من الكهرباء النظيفة، مع تحسين كفاءة الشبكة الكهربائية الوطنية، وخلق منظومة طاقوية قادرة على تلبية احتياجات الصناعة الجديدة.

التمويل.. الحلقة الأكثر تأثيرًا

ويجمع الخبراء على أن التمويل يمثل العامل الأكثر حسماً في نجاح مشاريع الهيدروجين الأخضر، وهو ما تؤكده مختلف التقارير الدولية.

وأوضح الدكتور مفلاح عيسى أن تكلفة إنتاج الهيدروجين تتأثر بعدة عوامل، من بينها سعر الكهرباء، وتكلفة المحللات الكهربائية، وعدد ساعات التشغيل، غير أن تكلفة رأس المال تبقى صاحبة التأثير الأكبر، لأن الجزء الرئيسي من الاستثمارات ينجز خلال مرحلة الإنشاء.

ويشير تقرير وكالة الطاقة الدولية والبنك الإفريقي للتنمية، حول تمويل الطاقة النظيفة في إفريقيا، إلى أن تكلفة رأس المال الخاصة بالمشاريع الكبرى في القارة تصل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، وهو ما ينعكس مباشرة على سعر الهيدروجين المنتج وقدرته على المنافسة.

كما تستقطب إفريقيا أقل من اثنين بالمئة من الإنفاق العالمي على الطاقة النظيفة، رغم احتضانها خُمس سكان العالم، الأمر الذي يبرز الحاجة إلى آليات تمويل جديدة أكثر مرونة.

أدوات مالية لتسريع المشاريع

ويرى الباحث أن المرحلة المقبلة تستدعي توسيع الاعتماد على التمويل الميسر، والتمويل المختلط، والضمانات الائتمانية، والتأمين ضد المخاطر، إلى جانب عقود الشراء طويلة الأجل، باعتبارها أدوات قادرة على تخفيض تكلفة الاستثمار وتعزيز ثقة المؤسسات المالية.

كما يكتسي التعاون الدولي أهمية خاصة في نقل التكنولوجيا وجذب الاستثمارات، خصوصًا في ظل اهتمام متزايد من الأسواق الأوروبية بتنويع مصادر الطاقة النظيفة وتأمين إمدادات مستقرة من الهيدروجين الأخضر.

ويؤكد أن نجاح المشاريع يرتبط أيضًا بتوفير بيئة تنظيمية واضحة تمنح المستثمرين رؤية طويلة المدى وتشجع على ضخ رؤوس الأموال في هذا القطاع الواعد.

صناعة متكاملة تحقق قيمة مضافة

ويؤكد الدكتور مفلاح عيسى أن الرهان الحقيقي يتجاوز إنتاج الهيدروجين الخام، ليرتكز على بناء سلسلة صناعية متكاملة تشمل إنتاج الكهرباء المتجددة، والتحليل الكهربائي، والتخزين، والنقل، ثم تحويل الهيدروجين إلى أمونيا وأسمدة ووقود صناعي ومنتجات ذات قيمة مضافة.

وتبرز أهمية هذا التوجه في ضوء معطيات وكالة الطاقة الدولية التي تشير إلى أن إنتاج الأمونيا يستحوذ على نحو ثلاثة أرباع الطلب الإفريقي الحالي على الهيدروجين، مع توقعات بارتفاع الطلب مستقبلًا بالتزامن مع توسع استخدام الأسمدة في القارة.

ويمثل ذلك فرصة مهمة أمام الجزائر لتعزيز مكانتها في الصناعات الكيميائية، ورفع تنافسية صادراتها، وتوسيع مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج الوطني.

البحث العلمي شريك أساسي في بناء الصناعة

ويضع الباحث البحث العلمي في صميم معادلة النجاح، مؤكدًا أن الجامعات ومراكز البحث مطالبة بأداء دور محوري في تطوير الحلول التقنية الملائمة للظروف المناخية الجزائرية.

ويشمل ذلك تحسين كفاءة المحللات الكهربائية، وتطوير تقنيات تحلية المياه بالطاقات المتجددة، ودراسة حلول التخزين والنقل، وتطوير أدوات التنبؤ بالإنتاج الشمسي والريحي باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

كما يسهم إشراك الباحثين والمهندسين في مختلف مراحل التصميم والتطوير والتصنيع في تكوين كفاءات وطنية عالية التأهيل، وتعزيز التصنيع المحلي، وخلق فرص عمل نوعية في المجالات العلمية والهندسية والصناعية.

موقع استراتيجي يفتح آفاق التصدير

وتشكل المكانة الجغرافية للجزائر عنصرًا إضافيًا يعزز فرصها في سوق الهيدروجين العالمية، بالنظر إلى قربها من أوروبا، وامتلاكها شبكة واسعة من منشآت نقل الغاز، إضافة إلى الموانئ والبنية اللوجستية التي يمكن تطويرها لاستقبال الصناعات الجديدة.

وتوصي وكالة الطاقة الدولية بإنشاء أقطاب صناعية بالقرب من الموانئ ومراكز الطلب، مع تطوير شهادات المنشأ الخاصة بالهيدروجين، بما يسمح بتعزيز الثقة في المنتجات الموجهة للتصدير، ورفع قدرتها على المنافسة في الأسواق الدولية.

ويرى الدكتور مفلاح عيسى أن تحقيق التوازن بين تلبية احتياجات الصناعة الوطنية وتطوير الصادرات سيمثل أحد أهم عوامل نجاح الاستراتيجية الجزائرية خلال السنوات المقبلة.

رؤية اقتصادية لمستقبل أكثر استدامة

ويؤكد الباحث أن تطوير الهيدروجين الأخضر يتجاوز البعد الطاقوي ليصبح مشروعًا اقتصاديًا وصناعيًا متكاملاً، يساهم في تنويع مصادر الدخل الوطني، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز الأمن الطاقوي، وخلق مناصب شغل عالية التأهيل.

كما يفتح هذا القطاع المجال أمام استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير المؤسسات الناشئة المتخصصة في التكنولوجيا النظيفة، ورفع مستوى الابتكار الصناعي، بما ينسجم مع التحوّلات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر.

وفي ختام تصريحه لـ”الأيام نيوز”، أكد الدكتور مفلاح عيسى أن الجزائر تمتلك كل المقومات الطبيعية والصناعية والعلمية التي تؤهلها لتكون أحد أبرز الفاعلين في سوق الهيدروجين الأخضر، وأن المرحلة الحالية تقتضي تسريع وتيرة الاستثمار، وتعزيز البحث العلمي، وتطوير آليات التمويل، بما يسمح بتحويل الإمكانات الكبيرة إلى مشاريع إنتاجية تحقق قيمة اقتصادية مستدامة، وتدعم مكانة الجزائر ضمن خريطة الطاقة النظيفة العالمية خلال العقود القادمة.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.