الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

الوثيقة الجزائرية تعبر الحدود بإجراءات أقل.. أولى شهادات “الأبوستيل” ترى النور اليوم

Author
علي مغازي 09 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يمثل اعتماد شهادة “الأبوستيل” – ابتداء من اليوم الخميس محطة – جديدة في مسار تحديث الإدارة الجزائرية، بالنظر إلى ما يتيحه هذا النظام من تبسيط لإجراءات التصديق على الوثائق العمومية الموجهة للاستعمال خارج الوطن، وتقليص المسار الإداري الذي كان يفرض المرور بعدة مصالح قبل الاعتراف بالوثيقة في الخارج.

ويأتي هذا الإجراء تنفيذا لما أعلنته وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل، التي أوضحت أن النظام يشمل في مرحلته الأولى وثائق الحالة المدنية، إلى جانب الشهادات والوثائق البيداغوجية الصادرة عن المؤسسات التكوينية التابعة للقطاع، والموجهة إلى الدول الأطراف في اتفاقية لاهاي المؤرخة في 5 أكتوبر 1961.

وأوضحت الوزارة أن المواطنين يستطيعون، ابتداء من 9 جويلية 2026، تقديم طلبات الحصول على شهادة “الأبوستيل” عبر المنصة الوطنية المخصصة لهذا الغرض، ثم استكمال الإجراءات على مستوى الدوائر الإدارية لولاية الجزائر والدوائر مقر الولايات بالنسبة لبقية ولايات الوطن، كل حسب اختصاصه الإقليمي في إصدار الشهادة الخاصة بوثائق الحالة المدنية الصادرة عن البلديات التابعة له.

ويتزامن دخول النظام الجديد حيز التنفيذ مع إعادة تنظيم مسار التصديق على الوثائق العمومية. وبموجب هذا التحول، تتوقف مصالح الحالة المدنية التابعة للوزارة وملحقاتها الجهوية في قسنطينة ووهران وورقلة، ابتداء من اليوم، عن التصديق على الوثائق العمومية الصادرة عن وزارات الداخلية والجماعات المحلية والنقل، والعدل، والتعليم العالي والبحث العلمي، والتربية الوطنية، والتكوين والتعليم المهنيين، والموجهة إلى الدول المنضمة إلى اتفاقية لاهاي. وتستهدف السلطات توسيع نطاق التطبيق تدريجيا ليشمل بقية القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية قبل نهاية السنة الجارية.

ويعكس هذا التوجه رغبة السلطات في بناء منظومة إدارية أكثر سرعة ومرونة، تعتمد الحلول الرقمية وتخفف الأعباء التي كانت ترافق المواطنين عند استكمال ملفاتهم الموجهة إلى الخارج، سواء لأغراض الدراسة أو العمل أو الاستثمار أو المعاملات القانونية.

شهادة واحدة بدل سلسلة من التصديقات

وفي هذا السياق، يعتبر خبير القانون الدولي، ميخائيل ماهر، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن اعتماد شهادة “الأبوستيل” يمثل تحولا قانونيا وإداريا مهما، لأنه ينقل إجراءات التصديق على الوثائق الرسمية إلى مستوى أكثر انسجاما مع المعايير الدولية. ويوضح أن هذه الشهادة تستند إلى اتفاقية لاهاي لسنة 1961، التي أرست آلية موحدة تمنح الوثائق العمومية الصادرة في إحدى الدول الأطراف اعترافا قانونيا لدى بقية الدول المنضمة إلى الاتفاقية، دون المرور عبر مسار التصديق القنصلي والدبلوماسي الذي كان يستهلك وقتا وجهدا أكبر.

ميخائيل ماهر، خبير في القانون الدولي

ويشرح الخبير أن شهادة “الأبوستيل” تؤدي وظيفة قانونية تتجاوز الجانب الإداري، لأنها تمنح الوثيقة العمومية قوة إثبات معترفا بها لدى السلطات الأجنبية، وتوفر وسيلة موحدة للتحقق من صحة الوثيقة ومصدرها. ويرى أن هذا التطور يختصر مراحل إنجاز الملفات، ويمنح الأفراد والمؤسسات إجراءات أكثر وضوحا وسرعة عند استعمال الوثائق الجزائرية خارج الوطن.

ويشير ماهر إلى أن الفئات التي ستستفيد بصورة مباشرة من هذا النظام تشمل الطلبة الراغبين في متابعة الدراسة بالخارج، والباحثين، والمستثمرين، وأفراد الجالية الجزائرية، بالنظر إلى اعتمادهم المتكرر على وثائق الحالة المدنية والشهادات الدراسية وغيرها من الوثائق الرسمية في تعاملاتهم مع الجامعات والإدارات والهيئات الأجنبية. ويؤكد أن اختصار الإجراءات سينعكس على تقليص المدة الزمنية اللازمة لاستكمال الملفات، ويخفض التكاليف المرتبطة بعمليات التصديق.

ويستعرض الخبير البعد القانوني لهذا الإصلاح، موضحا أن نظام “الأبوستيل” يعزز الأمن القانوني للمعاملات الدولية، لأنه يمنح الإدارات الأجنبية ضمانات أوضح بشأن أصالة الوثائق الجزائرية، ويحد من احتمالات الاعتراض على حجيتها أو التشكيك في صحتها. ويرى أن توحيد إجراءات التصديق يرفع مستوى الثقة في الوثيقة الجزائرية، وييسر انتقالها بين الدول المنضمة إلى الاتفاقية.

ويبرز أيضا أن اعتماد هذا النظام يعكس توجها نحو مواءمة الإجراءات الإدارية الوطنية مع الالتزامات الدولية التي انضمت إليها الجزائر، الأمر الذي يسهل حركة الوثائق الرسمية عبر الحدود، ويعزز اندماج الإدارة الجزائرية ضمن المنظومة القانونية الدولية التي تعتمد آليات موحدة لتبادل الوثائق.

ويتقاطع هذا التحول مع ما سبق أن أوضحه كاتب الدولة لدى وزير الخارجية، المكلف بالجالية الوطنية بالخارج، سفيان شايب، الذي أشار إلى أن إطلاق الخدمة جاء بعد استكمال المسار القانوني الخاص بانضمام الجزائر إلى اتفاقية لاهاي، موضحا أن هذا الانضمام سيغير إجراءات التصديق على الوثائق العمومية الموجهة للاستعمال خارج الوطن، ويجعلها أكثر بساطة وسهولة بالنسبة إلى المواطنين.

وأوضح شايب أن المنصة الرقمية الجديدة تسمح لطالب الخدمة بإدراج جميع المعلومات الخاصة بالوثيقة المطلوب التصديق عليها، إلى جانب بياناته الشخصية، قبل التوجه إلى الإدارة المحلية المختصة لاستكمال إصدار قسيمة “الأبوستيل”. وأشار أيضا إلى أن هذه القسيمة ستكون متوفرة عبر مختلف مكاتب بريد الجزائر، وهو ما يسهل الحصول عليها ويختصر مراحل الإنجاز.

ويتوقف ماهر عند أهمية الرقمنة في نجاح هذا الإصلاح، موضحا أن رقمنة مختلف مراحل إصدار شهادة “الأبوستيل” تمثل أحد أهم عناصر نجاح التجربة، لأنها تمنح المواطن إمكانية إنجاز جزء كبير من إجراءاته عن بعد، وتحد من التنقل بين الإدارات، وترفع جودة الخدمة العمومية.

ويؤكد أن الإدارة تحتاج أيضا إلى الاستثمار في تكوين الموظفين المكلفين بإصدار هذه الشهادات، حتى يكتسبوا معرفة دقيقة بأحكام اتفاقية لاهاي والإجراءات القانونية والتقنية المرتبطة بتطبيقها. ويعتبر أن التكوين المستمر يضمن توحيد الممارسات الإدارية، ويرفع مستوى الأداء داخل المصالح المكلفة بهذه الخدمة.

ومن جانبها، كانت الوزيرة، المحافظة السامية للرقمنة، مريم بن مولود، قد أوضحت، أن منصة “الأبوستيل” تعد الأولى من نوعها في الجزائر، ووجهتها الدولة إلى جميع طالبي التصديق على الوثائق الإدارية والعمومية الموجهة للاستعمال في الخارج. وبينت أن المنصة تقلص تنقلات المواطنين، وتسهل مختلف مراحل طلب شهادة “الأبوستيل”، اعتمادا على معالجة رقمية متكاملة للملفات.

وأشارت الوزيرة إلى أن فرق التطوير صممت المنصة وفق مبدأ الفصل الفيزيائي الكامل بين البيئة المخصصة للمواطنين عبر شبكة الإنترنت، والبيئة الخاصة بالإدارات والهيئات المعنية عبر الشبكة السيادية المؤمنة، بهدف تعزيز أمن المعلومات وحماية البيانات الحساسة. ولفتت إلى أن المنصة تتيح إيداع الطلبات، ومعالجتها، ومتابعتها عن بعد، مع تمكين أصحاب الملفات من الاطلاع الفوري على وضعيتها واستلام الإشعارات بصورة آلية.

نجاح “الأبوستيل” يبدأ من التطبيق الرقمي

ويتناول خبير القانون الدولي هذا الجانب، داعيا إلى توفير آليات تحقق إلكترونية تسمح للهيئات والإدارات الأجنبية بالتأكد من صحة شهادات “الأبوستيل” الصادرة في الجزائر، لأن هذه الخدمة تعزز مصداقية النظام، وترفع مستوى الثقة في الوثيقة الجزائرية، وتنسجم مع الممارسات المعتمدة داخل الدول المنضمة إلى الاتفاقية.

ويشدد أيضا على أهمية مرافقة دخول النظام الجديد بحملة إعلامية واسعة تعرف المواطنين بالفئات المعنية، والوثائق التي يشملها الإجراء، وكيفية تقديم الطلبات واستكمال الملفات، لأن وضوح المعلومات وسهولة الوصول إليها يرفعان نسبة الاستفادة من الخدمة، ويقللان من الأخطاء الإدارية.

ويرى ماهر أن المرحلة المقبلة تستدعي توسيع نطاق تطبيق شهادة “الأبوستيل” ليشمل أصنافا إضافية من الوثائق الإدارية والقضائية والتجارية التي تدخل ضمن أحكام اتفاقية لاهاي، حتى تستفيد المؤسسات الاقتصادية والمتعاملون القانونيون من التسهيلات نفسها، وهو ما سيدعم حركة الاستثمار والتبادل التجاري والتعاون الدولي.

ويتزامن إطلاق الخدمة مع استمرار العمل بإجراءات التصديق التقليدية بالنسبة إلى الوثائق غير المشمولة بالنظام الجديد. وفي هذا الإطار، ستخصص وزارة الشؤون الخارجية نظاما إلكترونيا لحجز المواعيد يقتصر على الوثائق الموجهة إلى الدول غير الأعضاء في اتفاقية لاهاي، إلى جانب الوثائق الصادرة عن القطاعات الوزارية التي لم تلتحق بعد بمنظومة “الأبوستيل”، إلى غاية استكمال تعميمها.

ويخلص ميخائيل ماهر إلى أن اعتماد شهادة “الأبوستيل” يمثل مكسبا قانونيا وإداريا يعزز انفتاح الجزائر على محيطها الدولي، ويرفع مستوى الثقة في الوثيقة الجزائرية، ويختصر الإجراءات التي كانت ترافق عمليات التصديق. ويرى أن نجاح هذه الخطوة سيرتبط بقدرة الإدارة على تقديم خدمة رقمية فعالة وسريعة، وتوسيع نطاق الاستفادة منها تدريجيا، حتى تتحول إلى أحد النماذج العملية التي تعكس مسار تحديث الإدارة وتبسيط الخدمات العمومية بما يستجيب لمتطلبات المواطنين والتعاملات الدولية الحديثة.