الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الوكالة الوطنية للآثار.. رهان جديد لحماية الذاكرة الوطنية وتثمين الثروة الحضارية

Author
إيمان عبروس 23 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يمثل التراث الأثري أحد أبرز الشواهد الحية على عمق التاريخ الجزائري وتنوع الحضارات التي تعاقبت على هذه الأرض عبر آلاف السنين، وهو ما يجعل حمايته وتثمينه من بين التحديات الاستراتيجية المطروحة أمام المؤسسات المختصة.

وفي هذا السياق، جاء قرار رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، بإنشاء الوكالة الوطنية للآثار ووضعها تحت الوصاية المباشرة لرئاسة الجمهورية، ليعكس توجها جديدا في التعاطي مع ملف التراث الوطني، من خلال إرساء آليات أكثر فعالية لحماية المواقع الأثرية وتعزيز البحث والاستكشاف وتثمين الثروة الحضارية بما يخدم التنمية الثقافية والعلمية والاقتصادية.

ويحمل هذا القرار أبعادا تتجاوز الجانب الإداري والتنظيمي، ليؤسس لمرحلة جديدة في مسار حماية الذاكرة الوطنية، خاصة في ظل ما تزخر به الجزائر من مواقع أثرية ومكتشفات تاريخية جعلتها من بين أغنى الدول في المنطقة من حيث التنوع الحضاري والرصيد الثقافي.

كما يفتح المجال أمام إعادة بعث ديناميكية جديدة في مجال البحث الأثري والتنقيب العلمي، بما يسمح بالكشف عن المزيد من الشواهد التاريخية التي ما تزال مطمورة وتنتظر الدراسة والتوثيق.

ديناميكية جديدة للبحث الأثري

وفي قراءته لأبعاد القرار، أكد رئيس الأكاديمية الجزائرية للشباب وإحياء التراث، سرايش صدام حسين، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن إنشاء الوكالة الوطنية للآثار يشكل مكسبا وطنيا مهما وخطوة استراتيجية من شأنها إعادة الحيوية إلى قطاع البحث الأثري في الجزائر.

وأوضح المتحدث أن الجزائر تمتلك مخزونا حضاريا ضخماً لا يزال جزء معتبر منه بحاجة إلى المزيد من الدراسات والأبحاث الميدانية، مشيراً إلى أن الوكالة الجديدة ستوفر إطارا أكثر فعالية يسمح بتوسيع عمليات الاستكشاف والتنقيب، ويفتح المجال أمام الباحثين والعلماء الجزائريين للمساهمة بشكل أكبر في كشف مختلف المحطات التاريخية التي عرفتها البلاد.

وأضاف أن الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها الممتد عبر آلاف السنين، تحتضن آثارا تعود إلى فترات وحضارات متعددة، من عصور ما قبل التاريخ إلى الحضارات النوميدية والرومانية والإسلامية والعثمانية وغيرها، وهو ما يجعل من البحث الأثري ورشة مفتوحة تحتاج إلى إمكانات أكبر وإلى رؤية طويلة المدى قادرة على استثمار هذا الرصيد الاستثنائي.

الوصاية الرئاسية.. تأكيد على البعد السيادي للتراث

ويرى سرايش أن وضع الوكالة الوطنية للآثار تحت الوصاية المباشرة لرئاسة الجمهورية يحمل دلالات مهمة، تعكس المكانة التي أصبح يحتلها ملف التراث ضمن أولويات الدولة. فالتراث لم يعد مجرد موروث ثقافي أو تاريخي، بل أصبح جزءا من عناصر السيادة الوطنية والذاكرة الجماعية التي تتطلب حماية دائمة ومتابعة مستمرة.

وفي هذا الإطار، اعتبر المتحدث أن القرار يعكس إرادة سياسية واضحة لترقية قطاع الآثار ومنحه مكانة تتناسب مع أهميته الحضارية والثقافية، مؤكدا أن الرعاية المباشرة من أعلى هرم السلطة من شأنها أن تمنح المشاريع المتعلقة بالبحث والحماية والتثمين زخماً أكبر وقدرة أفضل على التجسيد.

كما أشار إلى أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات المتدخلة في مجال حماية التراث، بما يسمح بمواجهة التحديات المرتبطة بالحفاظ على المواقع الأثرية وصيانتها وتثمينها وفق المعايير العلمية المعتمدة دوليا.

حماية المواقع الأثرية من مختلف التهديدات

وتكتسي مسألة حماية المواقع الأثرية أهمية خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجهها هذه المواقع، سواء بفعل العوامل الطبيعية أو بعض الممارسات التي قد تؤثر على سلامتها واستمراريتها. فالموروث الأثري يمثل ثروة غير قابلة للتعويض، ما يجعل الحفاظ عليه مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين.

وفي هذا الصدد، أشار المتحدث إلى أن الوكالة الوطنية للآثار يمكن أن تؤدي دورا محوريا في تعزيز آليات المراقبة والمتابعة الميدانية، ووضع استراتيجيات أكثر نجاعة لحماية المواقع المصنفة وغير المصنفة، إلى جانب تشجيع عمليات الجرد والتوثيق والرقمنة التي أصبحت اليوم من الأدوات الأساسية في حفظ التراث.

كما أن تطوير قواعد البيانات الخاصة بالمواقع الأثرية واعتماد التكنولوجيا الحديثة في عمليات المسح والاستكشاف، من شأنه أن يساهم في رفع مستوى الحماية وتحسين أساليب إدارة الممتلكات الثقافية.

تثمين اقتصادي للثروة الحضارية

ولا تقتصر أهمية الآثار على بعدها التاريخي والثقافي فقط، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وتنموية متزايدة الأهمية. فالعديد من دول العالم نجحت في تحويل مواقعها الأثرية إلى رافد اقتصادي مهم من خلال تطوير السياحة الثقافية واستقطاب الزوار والباحثين من مختلف أنحاء العالم.

وفي هذا السياق، أكد سرايش أن الجزائر تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون وجهة بارزة في مجال السياحة الثقافية والأثرية، بالنظر إلى ثراء وتنوع مواقعها التاريخية المنتشرة عبر مختلف ولايات الوطن، وأن السياحة الثقافية تعد من أسرع الأنشطة السياحية نمواً على المستوى العالمي، ما يمنح الجزائر فرصة حقيقية لتحويل رصيدها الأثري إلى مصدر إضافي للتنمية الاقتصادية، ودعم النشاط السياحي، وخلق مناصب شغل جديدة، خاصة في المناطق التي تحتضن مواقع أثرية كبرى.

كما أن تثمين التراث لا يقتصر على استغلاله سياحيا، بل يشمل أيضا تطوير البحث العلمي، وتشجيع الصناعات الثقافية، وتعزيز حضور الجزائر في مختلف التظاهرات الدولية ذات الصلة بالتراث والحضارات الإنسانية.

نحو مرحلة جديدة في مسار حماية الذاكرة الوطنية

كما أكد صدام على أن إنشاء الوكالة الوطنية للآثار يمثل محطة مفصلية في مسار حماية التراث الثقافي الجزائري، بالنظر إلى ما يحمله من آفاق جديدة لتعزيز البحث العلمي وتطوير عمليات الاستكشاف والحماية والتثمين.

وفي ختام تصريحه، أكد رئيس الأكاديمية الجزائرية للشباب وإحياء التراث، أن القرار الرئاسي يشكل خطوة استراتيجية تعكس وعيا متزايدا بأهمية الاستثمار في الذاكرة الوطنية، باعتبارها أحد مقومات الهوية والسيادة الثقافية.

وأضاف أن نجاح الوكالة الجديدة سيعتمد على قدرتها على مرافقة الباحثين والخبراء، وتوفير الظروف الملائمة لتطوير الدراسات الأثرية، وتحويل الثروة الحضارية الجزائرية إلى قوة ناعمة تساهم في تعزيز صورة الجزائر وإشعاعها الحضاري على المستويين الإقليمي والدولي.

وبذلك، تبدو الوكالة الوطنية للآثار أكثر من مجرد هيئة جديدة، فهي مشروع وطني يراهن على حماية الماضي من أجل خدمة الحاضر وبناء المستقبل، عبر جعل التراث الثقافي رافعة للمعرفة والتنمية والإشعاع الحضاري.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.