الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

“الوكيل والقلعة”: قراءة مبسّطة في تحولات الهيمنة الأمريكية ومصير الكيان في ظل عقيدة ترامب

Author
نورالدين عويمر 09 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

 مقدمة: العزلة التي كُسرت بوعود خفية

لم يكن خروج الولايات المتحدة من عزلتها خلال الحرب العالمية الثانية نتيجةً مباشرة لشعارات الدفاع عن الديمقراطية فقط، بل كان تعبيراً عن تداخل مصالح استراتيجية عميقة. ففي هذا السياق، برزت الحاجة إلى قوة قادرة على تحويل وعد بلفور من مشروع سياسي مؤجل إلى واقع فعلي. ومنذ تلك اللحظة، تشكّل ارتباط عضوي بين الهيمنة الأمريكية ووجود “الكيان”  في الشرق الأوسط، باعتباره قاعدة متقدمة تخدم التحكم في الموارد والممرات الحيوية.

أمريكا: الأداة في قبضة النخبة

تكشف القراءة المتأنية أن الولايات المتحدة، رغم قوتها الظاهرة، لم تكن دائماً تعبر عن إرادة مجتمعها بقدر ما عكست مصالح “النخبة الحاكمة”. هذه النخبة، المرتبطة بشبكات مالية ولوبيات عابرة للحدود، نجحت في توجيه القرار السياسي عبر ما يُعرف بـ”الدولة العميقة”. وبهذا المعنى، تبدو أمريكا وكأنها “الأداة” التنفيذية لمشاريع أكبر، بينما يتحمل المواطن الأمريكي كلفة هذه السياسات من حيث الاقتصاد والأمن الاجتماعي.

عقيدة ترامب: الدعم كاستراتيجية تصفية

مع صعود دونالد ترامب، برزت مقاربة مختلفة تقوم على تقليص الأعباء الخارجية دون التخلي عن النفوذ. فسياسة “الدعم” التي انتهجها تجاه الكيان—سواء في القدس أو الجولان أو عبر الاتفاقيات الإبراهيمية—يمكن فهمها ليس فقط كدعم تقليدي، بل كآلية لإعادة ترتيب الأدوار.
فمن خلال منح الكيان كل ما يطلبه، يُدفع تدريجياً نحو الاعتماد على ذاته، وهو ما قد يقوده إلى خيارات أكثر حدة مع محيطه، دون ضمان تدخل أمريكي مباشر. وهنا يتحول “الدعم” من حماية مطلقة إلى شكل غير مباشر من “التصفية الاستراتيجية” للأعباء.

نموذج الحوثيين: العجز الأمريكي المتعمّد

تُظهر تطورات البحر الأحمر، خاصة في ظل تصاعد دور حركة أنصار الله، ملامح هذا التحول. إذ يبدو أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة للانخراط الكامل في مواجهات طويلة ومكلفة، خصوصاً تلك التي قد تتحول إلى حروب استنزاف.

هذا التراجع لا يعني غياب الدور، بل يعكس إعادة تموضع، حيث تفضل واشنطن إدارة الأزمات عن بُعد، مع الاكتفاء بالدعم غير المباشر. ويمكن أن يمتد هذا المنطق إلى ملفات أكبر، مثل التوتر مع إيران، حيث قد يُترك “الكيان” ليواجه تحدياته ضمن معادلة أكثر استقلالية.

 الخاتمة: نحو القلعة الأمريكية

تشير هذه التحولات إلى أن الهيمنة الأمريكية لم تعد تُمارس بالطريقة التقليدية نفسها، بل تتجه نحو إعادة تعريف دورها العالمي. فإذا فقد “الكيان” وظيفته كـ”وكيل” استراتيجي، أو عجز عن الاستمرار في أداء هذا الدور، فقد تجد الولايات المتحدة مبرراً للانسحاب التدريجي، والعودة إلى نمط “القلعة الأمريكية.”

وفي هذا الإطار، يبدو العالم متجهاً نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها الأحادية القطبية، وتبرز فيها قوى متعددة، بما يعيد تشكيل النظام الدولي وفق توازنات أكثر تعقيداً وأقل اعتماداً على “وكلاء” تقليديين.