الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

“اليامين زروال” رمز المصالحة الوطنية.. الجزائر تودّع بطلها

Author
إيمان مراح 30 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

شكّل رحيل رئيس الجمهورية الأسبق، المجاهد اليامين زروال، لحظة حزن وطني عميق، أعادت إلى الأذهان سيرة رجل ارتبط اسمه بمرحلة دقيقة من تاريخ الجزائر، وبمواقف طبعتها الحكمة والتعقّل ونكران الذات، وبفقدانه، يستحضر الجزائريون حكاية بطل، ترك بصمة واضحة، في مسار الدولة الوطنية، ليس فقط من خلال المناصب التي تقلّدها، بل أيضا عبر السلوك السياسي الهادئ والقرارات التي اتخذها في أوقات كانت البلاد فيها على مفترق طرق.

وألقى رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، أمس الأحد بقصر الشعب بالجزائر العاصمة، النظرة الأخيرة على جثمان رئيس الجمهورية الأسبق، المجاهد اليامين زروال، كما قام بالتوقيع على سجل التعازي، مرفوقا بالوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة. وجاء ذلك في أجواء مهيبة تعكس المكانة التي حظي بها الفقيد في قلوب الجزائريين، وفي مؤسسات الدولة على حد سواء.

وكانت رئاسة الجمهورية قد أعلنت حدادا وطنيا لمدة ثلاثة أيام عبر كامل التراب الوطني، إثر وفاة الراحل، مع تنكيس الأعلام الوطنية داخل الوطن وخارجه، في خطوة تعكس حجم التقدير الذي يكنّه الجزائريون لهذا الرجل الذي ارتبط اسمه بالوطنية والالتزام وخدمة الدولة في أصعب الظروف.

وقد رحل اليامين زروال مساء يوم السبت بالمستشفى العسكري محمد الصغير نقاش بالعاصمة، بعد مسيرة طويلة من العطاء، امتدت من صفوف جيش التحرير الوطني إلى أعلى هرم الدولة، مرورا بمحطات سياسية وعسكرية مفصلية، ظل خلالها محافظا على صورة رجل الدولة المتزن والبعيد عن الحسابات الضيقة.

حزن شعبي واسع وتقدير وطني

وعبّر المواطنون، عبر مختلف ولايات الوطن، عن حزنهم العميق لرحيل الرئيس الأسبق، مشيدين بخصاله الإنسانية ومواقفه الوطنية التي طبعت مسيرته. واستحضر الجزائريون صورة رجل بسيط عاش بينهم، وابتعد عن الأضواء بعد مغادرته الحكم، مفضلا حياة هادئة في مسقط رأسه بباتنة، بعيدا عن الحسابات السياسية والمناصب.

وبحسب شهادات عدة، لم يكن الراحل اليامين زروال بالنسبة للجزائريين مجرد رئيس دولة، بل شخصية وطنية حظيت باحترام واسع وتقدير كبير، تجسّد في إشادتهم بمواقفه وقراراته خلال المراحل المفصلية من تاريخ البلاد.

وفي هذا السياق، عبّر النائب البرلماني زكريا بلخير، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، عن هذه المشاعر، مؤكدا أن “الجزائريين تعلّقوا بالفقيد لأنه أثبت أنه رجل دولة حقيقي ومن العيار الثقيل، تحمّل مسؤوليات جسيمة في مرحلة حساسة من تاريخ الجزائر خلال العشرية السوداء، وبقي صامدا وثابتا في وقت كان فيه الثبات صعبا على كثير من الرجال”.

 

النائب البرلماني زكرياء بلخير

وأضاف بلخير أن الرئيس الراحل “أثبت، في عدة محن وأزمات، أنه يضع مصلحة الوطن فوق أي حسابات أخرى، كما عزّزت تنازلاته المتكررة، واستقالاته، وابتعاده عن الساحة السياسية، وتلبيته للدعوة كلما دعت الحاجة إليه، مكانته لدى الجزائريين”، مشيرا إلى أن هذه المواقف عززت صورته كرجل دولة نزيه لا يتشبث بالسلطة.

كما أبرز المتحدث ذاته أن محبة الجزائريين لزروال نابعة أيضا من تواضعه وأخلاقه واندماجه مع الشعب، قائلا إن “من أبرز الصور التي تجعل الجزائريين يحبونه أكثر وصيته بأن يُدفن في مسقط رأسه ببلديته، حيث أعاد ذلك المشهد إلى الأذهان يوم تسليم المهام، حين استقل سيارته البسيطة، المشابهة لسيارات المواطنين البسطاء، وانطلق بها إلى ولايته ليعيش بين الشعب في تواضع”.

ولفت بلخير إلى أن مواقف الراحل لم تكن مجرد قرارات سياسية، بل سلوك متكامل يعكس شخصية وطنية متجذرة، مشيرا إلى أن “الجزائريين لن ينسوا أنه كان السبّاق في وضع اللبنة الأولى لقانون الرحمة، الذي بفضله استطاعت الجزائر طي صفحة مؤلمة من تاريخها”. وللإشارة، فإن قانون الرحمة الذي أصدره زروال في 25 فبراير 1995، أسهم في استسلام عدد من عناصر الجماعات المسلحة ووقف نشاطهم، واعتُبر لاحقا خطوة أولى نحو المصالحة الوطنية.

المواقف تتحدّث.. شهادة عميمور

بدوره، استذكر الوزير السابق للإعلام والثقافة، الدكتور محي الدين عميمور، مواقف جمعته بالرئيس الراحل، مؤكدا أنه “كان مجاهدا في سبيل الله والوطن، حريصا على كرامة بلاده وأمن مواطنيه”.

وأضاف أن زروال جسّد في سلوكه معنى رجل الدولة الذي يضع كرامة الوطن فوق كل اعتبار.

 

وتحدث عميمور عن إحدى الوقائع التي تعكس شخصية زروال، حين رفض لقاء سريا مع الرئيس الفرنسي، قائلا: “سأقبل لقاءه يوم تكون له شجاعة اللقاء العلني”، في موقف يعكس تمسكه بالسيادة الوطنية ورفضه لأي مساومات سياسية، كما أشار إلى أن إطلاق قانون الرحمة شكل قاعدة أساسية للمصالحة الوطنية التي ساهمت في إخراج الجزائر من أزمتها خلال تسعينيات القرن الماضي.

ولد اليامين زروال في 3 جويلية 1941 بولاية باتنة، والتحق بصفوف جيش التحرير الوطني وهو في سن السادسة عشرة، حيث شارك في الثورة التحريرية منذ عام 1957. وبعد الاستقلال، واصل تكوينه العسكري في عدة دول، من بينها العراق والاتحاد السوفياتي وفرنسا، ما ساهم في صقل خبرته العسكرية.

تدرج زروال في عدة مناصب عسكرية، حيث شغل منصب قائد المدرسة العسكرية بباتنة، ثم قائد الأكاديمية العسكرية بشرشال، كما تولى قيادة عدد من النواحي العسكرية، قبل أن يُعيَّن قائدا للقوات البرية بقيادة أركان الجيش الوطني الشعبي، ليصبح أحد أبرز القيادات العسكرية في البلاد.

وفي مرحلة حرجة من تاريخ الجزائر، دخل زروال الحياة السياسية، حيث شغل منصب وزير الدفاع الوطني في جويلية 1993، قبل أن يُعيَّن رئيسا للدولة في جانفي 1994، ثم يُنتخب رئيسا للجمهورية في نوفمبر 1995.

قيادة البلاد في أصعب الظروف

وجاء تولي زروال رئاسة الجمهورية في ظل العشرية السوداء، حيث كانت البلاد تواجه تحديات أمنية خطيرة. وقد وضع الرئيس الراحل ضمن أولوياته استعادة الأمن وترسيخ الشرعية الدستورية، وهو ما تُوّج بتنظيم الاستفتاء على دستور 1996.

كما أظهر زروال شجاعة سياسية عندما أعلن في سبتمبر 1998، تقليص عهدته الرئاسية وتنظيم انتخابات مسبقة، قبل أن يغادر السلطة في أفريل 1999، في خطوة اعتُبرت آنذاك سابقة في المشهد السياسي الجزائري، وعززت صورته كرئيس يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

بعد مغادرته الحكم، اختار اليامين زروال الابتعاد عن الأضواء، مفضلا حياة بسيطة في مسقط رأسه بباتنة، حيث عاش بين المواطنين بعيدا عن السياسة، رغم الدعوات المتكررة لعودته، وقد عزز هذا الموقف تعلق الجزائريين به، وكرّس صورته كرجل دولة نزيه.

وبقي اسم اليامين زروال مرتبطا في الذاكرة الشعبية الجزائرية بالقائد الذي جمع بين الانضباط العسكري والحكمة السياسية والنزاهة الشخصية، كما استذكر الجزائريون خطاباته التي ما يزال البعض يحفظها، ومنها دعوته للشباب الذين انخرطوا في العنف إلى العودة لبناء الوطن بدل تخريبه.

برحيل اليامين زروال، تفقد الجزائر رجلا من طينة الكبار، ساهم في الحفاظ على استقرار البلاد خلال واحدة من أصعب مراحلها، وترك بصمة سياسية وإنسانية لا تُنسى، فقد كان رمزا للحكمة والتعقل، ورجل دولة تحمّل المسؤولية في أحلك الظروف، وأسهم في الحفاظ على وحدة الجزائر واستقرارها.