الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

اليوم العالمي للطفولة.. حين تحتفل الطفولة في مكان وتدفن في مكان آخر

Author
سارة حمدون 01 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في الفاتح من جوان من كل سنة، يحيي العالم اليوم العالمي للطفولة، وهي مناسبة دولية تهدف إلى التذكير بحقوق الطفل الأساسية كما أقرتها الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها الحق في الحياة والصحة والتعليم والحماية من العنف والاستغلال.

غير أن هذه المناسبة رغم طابعها الرمزي، تكشف في كل سنة عن مفارقة إنسانية عميقة: طفولة يُحتفل بها في أماكن، وتُنتزع بالكامل في أماكن أخرى.

طفولة بين الاحتفال والغياب: مفارقة عالمية

في الوقت الذي يشارك فيه ملايين الأطفال حول العالم في أنشطة احتفالية داخل المدارس والحدائق والساحات العامة، يعيش أطفال آخرون واقعا مختلفا تماما، حيث لا مكان للاحتفال بل للبقاء فقط، فبين طفل يحمل حقيبته المدرسية وآخر يحمل جثمان أخيه تتجلى فجوة إنسانية لا يمكن اختصارها في الشعارات أو المناسبات.

وتؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” أن أكثر من 2,4 مليار طفل حول العالم يعيشون اليوم، لكن ليس جميعهم يتمتعون بنفس مستوى الحقوق أو الحماية، خاصة في مناطق النزاع والفقر المدقع، حيث تتحول الطفولة إلى مرحلة هشاشة قصوى.

غزة.. طفولة تكتب بالألم

في غزة، لا تقاس الطفولة بالأعياد أو الهدايا أو المدارس، بل بعدد الغارات التي نجا منها الطفل، وبعدد المرات التي فقد فيها أحد أفراد عائلته، وبمدى قدرته على البقاء حيا وسط حرب مستمرة، حيث تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة الصحة في غزة إلى أن الحرب خلفت أكثر من 21.289 طفلا شهيدا، فيما لا يزال نحو 9500 طفل مفقودين تحت الأنقاض في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية المرتبطة بالأطفال في العصر الحديث.

كما تؤكد اليونيسف أن ما يقارب مليون طفل في قطاع غزة بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي طويل المدى، نتيجة الصدمات المتكررة التي يتعرضون لها يوميا من فقدان ونزوح وخوف دائم وانهيار للبيئة الآمنة، وتشير التقارير الأممية إلى أن أكثر من 1,7 مليون شخص نزحوا داخل القطاع أغلبهم من الأطفال، ما جعل الحياة اليومية غير مستقرة، في ظل انهيار البنية التحتية والخدمات الأساسية.

فقد لا تتوقف معاناة الأطفال في غزة عند حدود الحرب أو فقدان الحياة، بل تمتد إلى عمق نفسي خطير يعيد تشكيل جيل كامل يعيش الحرب قبل أن يعيش طفولته، إذ تؤكد اليونيسف أن الأطفال في غزة يعانون من مستويات غير مسبوقة من الصدمات النفسية، تشمل القلق المزمن اضطرابات النوم فقدان الإحساس بالأمان والخوف الدائم من الأصوات والانفجارات.

وتشير منظمة Save the Children إلى أن أكثر من 80% من الأطفال في مناطق النزاع يعانون من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة  (PTSD)، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على نموهم النفسي والاجتماعي وقدرتهم على التعلم والتفاعل.

وتحذر دراسات نفسية حديثة من أن آثار الحرب النفسية قد تمتد مدى الحياة، لتشمل الاكتئاب والعزلة وصعوبات الاندماج الاجتماعي حتى بعد توقف النزاع.

تصريح من الميدان.. جيل يعيش الحرب قبل الطفولة

لم تقتصر تداعيات العدوان المستمر على قطاع غزة على تدمير البنية التحتية والمساكن، بل امتدت بشكل مباشر إلى استهداف البنية الإنسانية للمجتمع الفلسطيني وفي مقدمتها فئة الأطفال، فبحسب ما صرح به محمد مهنا، صحفي فلسطيني وممثل المنتدى الشبابي لمراسلي العمل الإنساني في غزة، لـ”الأيام نيوز”، فإن ما يعيشه الأطفال اليوم لا يمكن اعتباره مجرد آثار جانبية للحرب، بل هو واقع يومي قاس يمس جوهر الطفولة وحقوقها الأساسية.

ويقول مهنا إن ما يجري في قطاع غزة منذ بداية العدوان يمثل كارثة إنسانية غير مسبوقة تطال بشكل مباشر فئة الأطفال الذين يشكلون الفئة الأكثر تضررا من استمرار الحرب، ويشير إلى أن الأطفال في غزة يواجهون ظروفا معيشية وإنسانية شديدة الصعوبة، حيث تحولت أبسط مقومات الحياة مثل الغذاء والماء والمأوى إلى تحديات يومية محفوفة بالمخاطر، كما أصبح البحث عن الاحتياجات الأساسية في بعض الحالات سبباً مباشرا في تعريض حياة الأطفال للخطر، في ظل انهيار المنظومة الإنسانية واستمرار القصف والنزوح.

ويؤكد المتحدث أن أكثر من 21.289 طفلا استشهدوا منذ بداية العدوان إضافة إلى آلاف المفقودين تحت الأنقاض الذين لم يتم انتشالهم بعد، ويقدر عددهم بنحو 9500 مفقود معظمهم من الأطفال والنساء، وهو ما يعكس حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع، خاصة الأطفال الذين يدفعون الثمن الأكبر للحرب.

ويضيف أن تعطل العملية التعليمية لسنوات متتالية، نتيجة تدمير المدارس والبنية التربوية، حرم الأطفال من حقهم في التعليم، وهو ما انعكس سلبا على تطورهم النفسي والسلوكي والاجتماعي، في غياب أي بيئة تعليمية مستقرة قادرة على احتضانهم أو توجيههم، كما يشير إلى أن ظروف العيش القاسية بما فيها الاكتظاظ في مراكز الإيواء، ونقص المياه الصالحة للشرب وغياب أبسط الخدمات، ساهمت في خلق بيئة ضاغطة أثرت بشكل مباشر على سلوك الأطفال ونمط حياتهم اليومي في ظل فقدان الاستقرار والأمان.

وفيما يتعلق بالجانب النفسي، يشير مهنا إلى أن نحو مليون طفل في قطاع غزة بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي وعصبي مستمر في ظل ظروف حرب قاسية، مع تسجيل مستويات صدمة نفسية لدى نسبة كبيرة من الأطفال نتيجة ما يعيشونه يوميا من فقدان وخوف ونزوح، ويؤكد أن الحرب لم تترك آثارها على المستوى المعيشي فقط، بل امتدت إلى الجوانب الصحية والنفسية، حيث يعاني العديد من الأطفال من سوء التغذية والإرهاق الجسدي والصدمات النفسية الناتجة عن مشاهد العنف والخسارة المتكررة، ما قد يترك آثارا طويلة المدى على صحتهم النفسية والجسدية.

كما يضيف أن الوضع الصحي كارثي أيضا، حيث وثقت وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية ما بين 4500 إلى أكثر من 5000 حالة بتر لأطراف لدى الأطفال في ظروف طبية صعبة، وفي بعض الحالات دون توفر التخدير الكافي نتيجة الضغط الشديد على المنظومة الصحية ونقص الإمكانات.

ويشير مهنا كذلك إلى أن أكثر من 58.000 طفل يعيشون حاليا دون أحد الوالدين أو كليهما، من بينهم ما بين 17.000 و21.000 طفل مصنفين كأطفال منفصلين أو غير مصحوبين، في حين سجلت حالات لأطفال وصفوا بـ”الناجين الوحيدين” بعد فقدان كامل أسرهم.

وفيما يخص سوء التغذية، يؤكد أن أكثر من 50.000 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد والمزمن، من بينهم نحو 10.000 طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد يهدد حياتهم بشكل مباشر، مع استمرار تدهور الوضع الإنساني ونقص الغذاء والدواء.

ويحرص الصحفي محمد مهنا، في تصريحه، على التأكيد أن ما يحدث في غزة يمثل انتهاكاً واسعا لحقوق الطفل، وأن الأرقام الموثقة من قبل المنظمات الدولية تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الأطفال سواء من حيث القتل المباشر أو الحرمان الممنهج من الغذاء والرعاية الصحية والحماية، مشددا على أن هذه الأرقام تبقى مرشحة للارتفاع بشكل يومي في ظل استمرار الحرب، ما يجعل من قطاع غزة واحدا من أخطر البيئات في العالم على حياة الأطفال وحقوقهم الأساسية.

المجاعة وسوء التغذية.. ملايين الأطفال مهددون حول العالم

وإذا كانت الحرب تحصد أرواح الأطفال بشكل مباشر في مناطق النزاع، فإن الجوع وسوء التغذية أيضا يواصلان حصد أرواح الملايين منهم بصمت في مختلف أنحاء العالم. فبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” ومنظمة الصحة العالمية، ما يزال سوء التغذية أحد أبرز أسباب وفيات الأطفال دون سن الخامسة، خاصة في الدول الفقيرة والمناطق المتأثرة بالأزمات الإنسانية والكوارث والنزاعات المسلحة.

وتشير التقديرات الدولية إلى أن ملايين الأطفال يعانون من أشكال مختلفة من سوء التغذية، سواء بسبب نقص الغذاء أو ضعف جودته أو صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية اللازمة، كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن سوء التغذية مسؤول عن نحو 45 بالمائة من وفيات الأطفال دون سن الخامسة عالميا.

وفي مناطق عديدة من إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، يواجه الأطفال خطر الجوع بشكل يومي، بينما تتفاقم الأزمة في مناطق النزاعات مثل غزة والسودان واليمن، حيث يؤدي انعدام الأمن الغذائي ونقص المساعدات الإنسانية إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال.

كما تشير دراسة منشورة في مجلة The Lancet إلى أن الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الشديد أكثر عرضة للوفاة بثلاث مرات مقارنة بغيرهم، فضلا عن الآثار طويلة المدى التي تمس النمو الجسدي والعقلي والقدرات التعليمية.

الأمراض وضعف الرعاية الصحية.. خطر يهدد الطفولة

ولا تقتصر معاناة الأطفال حول العالم على الحروب أو المجاعة فقط، بل تمتد إلى الأمراض التي ما تزال تحصد أرواح الملايين بسبب غياب الرعاية الصحية الكافية وضعف التغطية الطبية في العديد من الدول. فوفق تقرير مشترك صادر عن منظمة الصحة العالمية واليونيسف والبنك الدولي والأمم المتحدة، توفي نحو 4,9 ملايين طفل دون سن الخامسة، خلال سنة 2024، من بينهم 2,3 مليون مولود حديث الولادة، وغالبية هذه الوفيات كانت لأسباب يمكن الوقاية منها أو علاجها من خلال الرعاية الصحية الأساسية والتلقيح والتغذية السليمة. كما يؤكد التقرير أن أكثر من 14,3 مليون طفل حول العالم لم يتلقوا أي جرعة من اللقاحات الأساسية، ما يجعلهم عرضة لأمراض خطيرة يمكن تفاديها بسهولة، وفي مناطق النزاع، وعلى رأسها غزة، تتضاعف هذه المخاطر نتيجة انهيار المنظومات الصحية ونقص الأدوية والمعدات الطبية، ما يجعل الظروف العلاجية بالغة الصعوبة.

طفولة غير متساوية في عالم واحد

رغم أن اليوم العالمي للطفولة جاء ليؤكد على حقوق الأطفال في الحياة والحماية والتعليم، إلا أن الواقع يكشف أن هذه الحقوق ليست موزعة بالتساوي، فبين طفل يحتفل بطفولته في بيئة آمنة، وآخر يبحث عن لقمة عيش تحت القصف، تتجلى واحدة من أقسى المفارقات الإنسانية في العصر الحديث: الطفولة ليست واحدة والنجاة ليست مضمونة.

ويبقى هذا اليوم مناسبة لتذكير العالم بأن الطفولة ليست امتيازا، بل حق أساسي، وأن حماية الأطفال ليست خيارا بل مسؤولية إنسانية عاجلة.

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي