2025.01.13
أنا وابن نظيرة ولعبة الدّاما.. مقالات رأي

أنا وابن نظيرة ولعبة الدّاما..


وحيد حمود
04 ديسمبر 2025

نشأت في حيٍّ شعبي، أذكر المبنى جيّدًا، مدخلٌ واسعٌ من الباطون مستطيل الشكل، تكسر الأعشاب بعض زواياه فتعضّ على أوجاعها ووحدتها وتسكت، منتظرةً رشّة ماءٍ من ولدٍ شقيّ فتحيا إلى حين، أو منتحرةً تحت مؤخّرة شقيٍّ آخر أتعبه الهرب من جارتنا "نظيرة".

وكنّا - نحن الأطفال الأشقياء - نحيا مثل هذه الأعشاب، بين حياةٍ وموت، أو قُل بين حياةٍ صاخبة وأُخرى مكبّلة من الأهل والجيران و"نظيرة". تذكّروا "نظيرة" جيّدًا، إذ لم يكن لـ"نظيرة" نظير، وأنا الآن أتذكّر شعرها المرمي فوق رأسها كالعهن المنفوش، ونظرتها الحادّة.

كانت "نظيرة" تملك مقهى، سقفه عريشة نبات الليف، ويقع مقهاها هذا بقرب دكّانة "أبو صالح". ولا بدّ أن أذكر أنّ ذاك المقهى كان يتحوّل إلى حانة لبيع الخمور ليلًا، إذ إنّه ومنذ ذاك العهد كان حديث الليل يمحوه النهار، وتفرك جسده ليفة تلك العريشة.

أين أنا من كلّ هذا؟ نسيت أن أذكر دوري في هذا المشهد. كنت أنا و"فؤاد" ابن "نظيرة" صديقَين مقرّبَين مع فارقٍ بسيط، هو أنّ "فؤاد" كان غنّيًا وكنت مُعدَمًا.

تحدّاني "فؤاد" ذات يوم في لعبة "الداما"، وهي لعبةٌ تشبه الشطرنج، لكنّنا كنّا - نحن المُعدَمون - نفصّلها من خشبةٍ مرميّة، نضع خطوطًا في الطول وأخرى في العرض، لتتشكّل مربّعات يتّسع كلّ مربّعٍ منها لسدّة قنينة بيبسي.

كنت بارعًا في اللعبة، وحين تحدّاني "فؤاد" سرَت في روحي فرحةٌ لا مثيل لها، إذ إنّ نزول الأغنياء عن عرشهم للحظات كافٍ لخلق مساحةٍ من السّعادة للفقراء المُعدَمين. تجمهر الرّفاق حولنا وبدأت اللعبة، وكنت متأكّدًا من أنّ سعادتي ستتضاعف إثر فوزي على فؤاد. لكنّني خسرت، فاز عليّ فؤاد فوزًا كاسحًا، أكل أحجاري الستة عشر كلها بحجرين منه. وقد تحمّلت خسارتي الفادحة تلك أمام مرأى من الرفاق الذين كانوا يرونني عبقريّ الداما. وظلّت شماتة هؤلاء "الكلاب" ترافقني لسنةٍ على ما أذكر.

تمرّنت خلال سنةٍ أكثر، وكان فؤاد يسخر منّي إثر خسارتي أمامه كلّما التقينا، فازداد في صدري الإصرار على رد الصاع صاعين، ولم أكن أخبره بتمريناتي الخفيّة. بعد عامٍ أوحيت إلى صديقٍ لي أن يستفزّ فؤاد لكي يطلب مواجهتي مرة ثانية، وحدث ما أردت، وامتلأت غبطةً وسعادة، ودعوتُ الجميع مجدّدًا لرؤية المواجهة التي ستردّ لي اعتباري، بدأنا في اللعب، وكان أن أكل فؤاد أحجاري كلها بحجرٍ واحدٍ تلك المرّة. يا للهول! ظننتم أنّي سأفوز لأنّني أمتلك الإصرار والعزيمة أليس كذلك؟ أقسم أنّكم ظننتم هكذا، لكنّني خسرت وضحك عليّ ابن نظيرة ونظيرة وكلّ الرّفاق، فاعتزلت اللعب بالداما.

لعبة الداما، كانت أحجارًا من تنك، نضع ستَّ عشرة سدّة في الشرق وستَّ عشرة سدّة في الغرب، وتبدأ اللعبة، هذا يحرّك أحجاره وذاك يحرّك أحجاره ويفوز في نهاية الأمر من يمتلك الرؤية الأقوى والذكاء الأكبر. لم يكن من مكانٍ للحظّ فيها، ولا حتّى للعزيمة والإصرار، أو للصدفة، من يفكّر أفضل لا محالة يفُز.

أيقنت مع الوقت شيئًا مهمًّا، وهو أنّ من يملك ذهنًا مشتّتًا ومعدةً خاوية لن يستطيع الفوز على من يملك ذهنًا مرتاح البال ومعدةً ملأى. كما أدركت أنّ أحجاري الصّدئة التي وضعتها في الشرق لن تصلح في أن تجابه الأحجار نفسها إن وُضعت في الغرب بيد من هو أقوى منّي، فالمشكلة لم تكن في أن يصبح فؤاد مثلي أو أصبح مثله، بل أن أفكّر بذهنٍ صافٍ لا يأكله الجوع والفقر والبؤس، وأنّ فؤاد هو فؤاد لن يتغيّر، وأنّني حين تخلّيت عن فكرة أن أكون مثله أو أجعله مثلي سأفوز عليه.

التقينا منذ مدّة يسيرة أنا وفؤاد، صديقي القديم، تعانقنا إذ إنّنا لم نكن قد التقينا منذ الطفولة، ودعاني إلى لعبة داما جديدة، لم يكن بيننا جمهور هذه المرّة، إذ إنّ الرفاق سرقتهم الغربة، جلسنا، احتسينا فنجانين من القهوة، لعبنا الداما سويًّا، وخسرت أيضًا. قال لي فؤاد مقهقهًا: المشكلة أنّك لم تتخلّ بعد عن فكرة أنّك عبقريّ الداما، تخلَّ عنها، اخلعها عنك، وفي المرّة المقبلة ستفوز، حتمًا ستفوز.

ما زلت أشكّ في ذلك، لكنّني اقتنعت بما قاله.