انتخاباتُ ليبيا.. واقعُ التّجميدِ وحلم التّجْسِيد

قُبيْل عشرة أيّام عن إجراء الانتخابات الرئاسيّة في ليبيا لم تتمكّن المفوضيّة العليا للانتخابات من عرض القائمة النهائيّة للمترشّحين الذين سيتسابقون في هذا الاقتراع الرّئاسي، الذي تقرّر تنظيمه يوم الرابع والعشرين من الشهر الجاري.

لم يكن مفاجئا أن تعرف الانتخابات الليبية تعثرات وعقبات حقيقية أمام إنجازها في ظل حالة التنازع الدولي بالوكالة على أراضيها، ولكن المفاجئ أن الحديث عن الانتخابات وعن موعد إجرائها صوته مرتفع أكثر من الحديث عن تلك المعوقات التي يتطلب تجاوزها ، ضرورة الاعتراف بوجودها أولا.

 ليس من السهل إجراء الانتخابات في ليبيا التي مزقتها الحروب والفتن الداخلية عبر الاعتماد فقط على توفر نوع من الإرادة الداخلية المسنودة بالملل من وضع اللا منتصر واللا مهزوم بمنطق السلاح أو على بعض الضغوط الدولية الخجولة التي تدفع نحو ضرورة إجراء الانتخابات.

فمن المهم الاعتراف بأن بحر الدماء الذي سال في ليبيا والأذى النفسي والمعنوي الذي لم يستثن بيتا ليبيا دون أن تطاله شظاياه، لا يمكن تخطيه بالخطابات والأمنيات وإنما عبر مواجهة الحقائق وطي صفحة المآسي والألم المثقلة بكل حالات التوجس وعدم الثقة، وحتمية الاعتراف بأن الجميع مطالب بأن يصفح وأن ينسى ويتنازل بالقدر الذي يسمح بالسير إلى الأمام وعدم الالتفات إلى الوراء، سوى بالقدر الذي يتيح الاستفادة من الماضي من أجل صنع المستقبل. 

لا يمكن تجاوز العديد من المؤشرات السلبية التي ترسلها مفوضية الانتخابات الليبية حول تنظيم موعد انتخابيّ حاسم بهذا المستوى في بلد لازال يعيش أزمة أمنيّة وسياسيّة طاحنة، إذ أنه على مرمى حجر من تاريخ الانتخابات لا زال الناخب الليبي يجهل أسماء المترشحين الّذين سيشاركون في هذا السباق، فما بالك بطبيعة البرامج الانتخابيّة التي حضّروها لهذا الحدث الذي كان من المفترض أن يكون عرسا انتخابيا بامتياز نظرا لصعوبة وقساوة المرحلة التي مرت بها ليبيا من تناحر وحالة عدم استقرار.

مشهد سياسيّ بائس وباهت عشيّة موعد انتخابي تُعلَّق عليه آمال كبيرة، فلا حملة انتخابيّة ولا أجواء تدل على سباق انتخابي سوى إصرار المفوضية العليا للانتخابات على التأكيد بأن الانتخابات سوف تجري في وقتها.

على الرّغم من حالة التّعقيد الشّديد التي تطبعُ الوضع الليّبيّ الذي تزيده ضبابية المشهد الانتخابي غموضا، من حقّ المواطن اللّيبي أن يطرح تساؤلات عن مصيرِ هذه الانتخابات وحقيقةِ دور المفوّضيّة العليا للانتخابات وطبيعةِ العراقيل التي حالت دون تجسيد خارطة الطريق المتّفق عليها في مؤتمر برلين اثنان، التساؤلات كثيرةٌ وتنتظر إجابات حاسمة ومقنعة للرأي العام اللّيبي وحتّى للرأي العام العالمي، ذلك أنّ آمال عدد من الدول الداعمة للمسار الانتخابي في ليبيا كمخرج وحيد للأزمة و ضامن للوحدة الترابيّة لهذا البلد المغاربيّ بدأت تتلاشى أو على الأقلّ تتضاءل.

المسار الانتخابي الوليد عن مُخْرَجات مؤتمر برلين حظيَ بدعم صريح من قبل عدة دول  مثل الجزائر التي حافظت على نفس المسافة من جميع أطراف الأزمة، ورفضت التدخل الخارجي وعسكرة الحلّ في ليبيا، المسار نفسه تعرّض لمطبّات وعراقيل من قبَلِ دول وقوىً لها أذرعها في الداخل الليبيّ، نصبت الفخاخ وحفرت الحفر ليسقط أيّ حلّ سياسيّ يعيد للّيبييّن كلمتهم وسلطتهم على بلادهم وثرواتهم التي تتنازعها هذه القوى.

هي قوى الشرّ التي تتوجّس خيفةَ من مسار تشكيل سلطة موحّدةٍ تُنهي الانقسام والتشرذم في ليبيا، هي نفس القوى التي تستفيد من فوضى السّلاح وغياب هيكل عسكريّ مُوَحَّدٍ يضبط الأمن ويبسط السّكينة في البلاد مترامية الأطراف.

لحدّ الآن، مجهولةُ أسبابُ تأخّر الإعلان عن أسماء المترشّحين لانتخابات الرئاسة الليبيّة، لكنّ الواضحَ أنّ عصًا ما تمّ وضعها في دواليب عجلة المفوّضيّة العليا للانتخابات، وما إطالة الإعلان عن أسماء المترشّحين إلّا الشجرة التي تغطّي غابة الصراع المرير حيث لا خاسر إلّا الشعب اللّيبيّ.