الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

انسحاب أبوظبي من أوبك.. قرار معلن وأجندة خفية

Author
الأيام نيوز 04 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في خطوة مفاجئة أثارت ردود فعل غاضبة واعتُبرت خروجًا عن منطق العمل الجماعي داخل أسواق الطاقة، أعلنت الإمارات العربية المتحدة انسحابها من تحالفي أوبك وأوبك+، ابتداءً من الأول من ماي 2026، في ظرف إقليمي ودولي شديد التعقيد. ويبدو القرار، الذي جاء دون تبريرات واضحة، متجاوزًا لمنطق إعادة التموضع التقني داخل السوق النفطية، ليعكس نزعة متصاعدة نحو كسر آليات التنسيق والالتفاف على التوازنات التي حكمت المنظمة لعقود. ويزداد هذا الانطباع رسوخا بالنظر إلى تزامنه مع دعم أمريكي علني لأبوظبي، وفي ظل تداعيات الحرب على إيران وأزمة مضيق هرمز، ما يطرح تساؤلات جدية حول خلفياته الفعلية وأهدافه غير المعلنة.

وفي هذا السياق، ربطت مجلة الإيكونوميست الخطوة بتداعيات الحرب وحصار المضيق، غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته الظاهرية، لا يُخفي أن القرار جاء تتويجا لمسار طويل من التململ الإماراتي من قيود الإنتاج، وسعيها المتكرر إلى تجاوز سقوف الحصص. فبدل التكيّف مع الإطار الجماعي، اختارت أبوظبي القفز خارج المنظومة، في خطوة تعكس تغليبا واضحا للاعتبارات الضيقة على حساب استقرار السوق. ورغم تأكيد المجلة أن الانسحاب قد لا يؤدي إلى تفكك “النادي”، فإن دلالاته السياسية والاقتصادية تكشف عن تصدع أعمق، تغذيه حسابات أحادية تتجاوز مجرد إدارة أزمة ظرفية.

دكتور في العلاقات الدولية عدي رمضان

الدكتور في العلاقات الدولية عدي رمضان، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، يضع هذا الانسحاب ضمن سياق أوسع يتجاوز الحسابات التقنية لسوق النفط، ليحيل إلى ما يعتبره سلوكا إماراتيا متكررا في إدارة الأزمات الإقليمية. ووفق هذا التصور، فإن خطوة أبوظبي، رغم حدتها، لا ترقى إلى مستوى تفكيك بنية “أوبك”، بالنظر إلى طبيعة المنظمة التي راكمت خبرة طويلة في احتواء التباينات الداخلية. فالإقرار بأن “المنظمة قادرة على الاستمرار رغم هذا الانشقاق” يتأسس، في هذا السياق، على قراءة تعتبر أن الخلافات داخل “أوبك” ليست طارئة، بل هي جزء من بنيتها التفاوضية.

غير أن هذا التقدير لا ينفصل، في طرح رمضان، عن نقد حاد للدور السياسي للإمارات، إذ يربط بين قرار الانسحاب وبين تموضعها الجيوسياسي، معتبرا أنها “نصبت نفسها ناطقا رسميا لأهداف الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي”، في سياق أوسع من التوترات التي امتدت – بحسب توصيفه – إلى ساحات مثل السودان وسوريا واليمن. ويفضي هذا الربط بين السلوك السياسي والقرار النفطي إلى خلاصة مفادها أن الخطوة الإماراتية، حتى وإن بدت تصعيدية، “لن تؤتي أكلها”، في إشارة إلى محدودية أثرها الاستراتيجي على تماسك المنظمة.

الدكتور في العلاقات الدولية حسن رضا

انطلاقا من هذا التقدير، يلتقي الدكتور في العلاقات الدولية حسن رضا، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، مع ما ذهبت إليه “الإيكونوميست” بشأن النتيجة المباشرة، لكنه يوسع زاوية النظر إلى المدى البعيد، مستندا على جملة معطيات بنيوية، أبرزها استمرار وجود دول مركزية داخل المنظمة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من ثقل إنتاجي وقدرة على التأثير في القرار. كما يستحضر سوابق تاريخية شهدت خروج دول من “أوبك” دون أن يؤدي ذلك إلى انهيارها، ما يعزز فرضية المرونة المؤسسية. ويُضاف إلى ذلك أن “تأثير خروج الإمارات على آليات عمل المنظمة محدود”، وهو ما يفسر قدرة “أوبك” على الحفاظ على حد أدنى من التماسك في المدى القريب.

لكن هذا التماسك، وفق قراءة حسن رضا، ليس صلبا بما يكفي لصد جميع الارتدادات. إذ إن انسحاب الإمارات قد “يضعف من قدرة المنظمة على التحكم بالسوق”، ويُعقد مسألة الالتزام بنظام الحصص، فضلا عن تقليص الطاقة الاحتياطية التي شكلت تاريخيا أحد عناصر قوة “أوبك”. ومن هنا تتبلور فكرة أن ما يحدث ليس تفككا مباشرا، بل “بداية تآكل تدريجي في القوة والتماسك”، قد يتسارع إذا ما شجع هذا القرار دولا أخرى غير راضية عن آليات المحاصصة على اتخاذ خطوات مماثلة.

إيهاب نافع، رئيس وحدة العلاقات الدولية بالمنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار

هذا التحليل يفتح المجال أمام قراءة تركز على البعد الوظيفي للمنظمة، حيث يقدم إيهاب نافع، رئيس وحدة العلاقات الدولية بالمنتدى الاستراتيجي للفكر والحوار، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، تصورا يوازن بين أهمية الحدث وحدود تأثيره. فالانسحاب، في تقديره، “أمر في غاية الأهمية والتأثير على عمل منظمة أوبك”، لكنه لا يرتقي إلى مستوى الانهيار، سواء بالنسبة لـ”أوبك” أو “أوبك بلس”، بالنظر إلى استمرار وجود عدد معتبر من الدول المنتجة داخل الإطارين.

ويستند هذا التقييم إلى طبيعة الدور الذي تضطلع به المنظمة، والقائم أساسا على تنسيق الإنتاج والتصدير بما يحقق توازنا في الأسعار، ويحول دون إغراق السوق أو تقليص المعروض بشكل حاد. ضمن هذا الإطار، يشير نافع إلى أن خروج الإمارات، باعتبارها من كبار المنتجين، سيؤثر في “قدرات وإمكانيات تحكم” المنظمة، لكنه لن يُسقطها، بل سيجعلها تعمل “لكن ليس بذات الوتيرة أو بذات التأثير”.

كما يربط هذا الطرح بين القرار الإماراتي وتداعيات التوترات الإقليمية، خاصة ما يتعلق بالحرب المرتبطة بطهران والتحكم في مضيق هرمز، وهو ما “أثر على إنتاجية الإمارات من البترول”، ودفعها إلى البحث عن هامش حركة أوسع خارج القيود التنظيمية. ومع ذلك، يبقى الباب مفتوحا – وفق هذا التقدير – أمام محاولات داخلية، تقودها قوى وازنة مثل السعودية، لإعادة احتواء الموقف أو التأثير على مسار تنفيذه، لا سيما وأن القرار لم يدخل حيز التطبيق الفعلي بعد.

صراع بين الرياض وأبوظبي يتجاوز النفط إلى النفوذ الإقليمي

من زواية أخرى، تصف مجلة “فورتشن” قرار الإمارات بأنه “ضربة قاسية للمنظمة وللسعودية، قائدها الفعلي”، معتبرة إياه أكبر انشقاق في تاريخ “أوبك”. وتشير المجلة إلى أن الخلاف بين الرياض وأبوظبي كان يتصاعد لسنوات، خاصة بشأن حصص الإنتاج وتباينات السياسة الإقليمية، قبل أن يبلغ ذروته في ظل الحرب الحالية.

الدكتور ميشال الشمّاعي، خبير العلاقات الدولية

في قراءة هذا التطور، يتبدى أن الخلاف حول حصص الإنتاج لم يكن مجرد تفصيل تقني داخل آليات “أوبك”، بل تحول تدريجيا إلى نقطة ارتكاز لصراع أوسع يتجاوز الأرقام إلى إعادة تعريف الأدوار داخل المنظومة النفطية. وضمن هذا الإطار، يبرز تحليل الدكتور ميشال الشمّاعي، خبير العلاقات الدولية، الذي أوضح في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن التنافس بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حول ملف الحصص يعكس سعيا متوازيا للهيمنة على فضاء الخليج، بما يمنح الطرف القادر على فرض رؤيته موقع “الشريك الفاعل في الساحة الدولية”. هذا التصور يضع الخلاف في سياق صراع نفوذ، حيث لا تنفصل السياسة النفطية عن الطموح الجيوسياسي.

ويُفهم من طرح الشمّاعي أن القيود التنظيمية داخل “أوبك” شكلت عامل ضغط مباشر على أبوظبي، التي تسعى إلى توسيع طاقتها الإنتاجية، في وقت تحد فيه آليات المنظمة من هذه الإمكانية. وفي هذا السياق، يلفت الشمّاعي إلى أن قرارات الطاقة تُبنى على حسابات طويلة الأمد، ما يجعل ربطها المباشر بالتطورات العسكرية الآنية، مثل الحرب على إيران، تبسيطا مخلا. فالتأثير الاقتصادي للتوترات قائم، لكنه لا يرقى إلى مستوى العامل المحدد الوحيد، بقدر ما يسهم في “كشف الخلاف أكثر فأكثر” وتسريع تبلوره. ومن هذه الزاوية، يبدو الانسحاب أقرب إلى قرار استراتيجي كبير يتغذى من التوتر الإقليمي، لا مجرد رد فعل ظرفي.

أحمد حبشي، قاض بالمحكمة الدولية لتسوية المنازعات “أنكودير” بإنكلترا

هذا الربط بين الاقتصادي والاستراتيجي يفتح المجال لقراءة موازية يقدمها أحمد حبشي، وهو قاض بالمحكمة الدولية لتسوية المنازعات “أنكودير” بإنكلترا، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، حيث يضع تصاعد الخلافات بين الرياض وأبوظبي، لا سيما حول حصص الإنتاج خلال التوترات الإقليمية، في خانة “العامل المهم لفهم ما يجري”، دون أن يمنحه صفة الحسم النهائي. فالإمارات، بوصفها “لاعبا مؤثرا داخل المنظمة”، تجعل من أي تغيير في موقعها مسألة ذات انعكاسات مباشرة على توازنات السوق العالمية.

ومن هذا المنظور، يتقدم البعد السوقي بوصفه نتيجة محتملة لهذا التباين، إذ إن أي انشقاق داخل “أوبك” من شأنه أن “يضغط على الأسعار” ويفتح المجال أمام انخفاضها بفعل تراجع التنسيق وارتفاع وتيرة المنافسة بين المنتجين. وفي المقابل، يُسجل تحول في سلوك دول الخليج بعد الحرب على إيران، حيث تميل كل دولة إلى “حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية بشكل منفرد”، حتى وإن جاء ذلك على حساب العمل الجماعي.

غير أن هذا المسار لا يُغلق الباب أمام احتمالات إعادة التوازن، إذ يظل “تفكك المنظمة الكامل” خيارا مكلفا للدول المنتجة، مقابل استفادة محتملة للدول المستوردة. هذه الفرضية تضع الانسحاب، أو التلويح به، في إطار أدوات الضغط لإعادة التفاوض على قواعد العمل، لا بالضرورة نهاية حتمية للتنسيق.

فوزي أبو ذياب – باحث في العلاقات الدولية

وبالانتقال إلى مقاربة أكثر تركيبا، يقدم الباحث السياسي فوزي أبو ذياب قراءة تعتبر ما حدث “لحظة انفجار” لمسار طويل من التراكمات، حيث لا يمكن عزل قرار الانسحاب عن سياق ممتد، مع الإقرار بأن الخلاف حول الحصص، خاصة في ظل الحرب على إيران، دفع الأمور إلى “نقطة اللاعودة”.

قرار أبوظبي يعكس تغليب المصالح الضيقة على الاستقرار الجماعي

صحيفة “نيويورك تايمز” تقدم انسحاب الإمارات من “أوبك” باعتباره ضربة مباشرة لكبار منتجي النفط، في لحظة تتراجع فيها قدرة المنظمة على التحكم في الأسعار والإمدادات بفعل صعود منتجين من خارجها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. وتشير الصحيفة إلى أن الخطوة جاءت مفاجئة وسريعة، وتعكس توجها إماراتيا للتحرر من قيود الإنتاج، خصوصا مع خطط رفع الطاقة الإنتاجية إلى مستويات أعلى خلال السنوات المقبلة. وفي ظل هذه المعطيات، يبرز احتمال أن يكون القرار جزءا من استراتيجية أوسع لإعادة التموضع في سوق الطاقة، بما قد يتجاوز الاعتبارات المعلنة إلى حسابات أكثر تعقيدا تتصل بإدارة الأسعار والنفوذ.

الباحث السياسي إلياس الخطيب

في قراءة لهذا التحول، يبرز البعد الجيوسياسي بوصفه مفتاحا لفهم خلفيات القرار، حيث لا يمكن النظر إلى الانسحاب باعتباره إجراء تقنيا مرتبطا بسوق النفط فحسب، بل كحلقة ضمن إعادة تشكيل أوسع للتحالفات الإقليمية والدولية. وفي هذا الإطار، يضع الباحث السياسي إلياس الخطيب، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، الخطوة الإماراتية في سياق “إعادة تموضع استراتيجي” يتقاطع مع تحولات أعمق تشهدها المنطقة، مشيرا إلى أن “ما بعد هذه الحرب لن يكون كما قبله”، في إشارة إلى تداعيات الحرب الأمريكية – الإيرانية، وما رافقها من توظيف لضغط مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.

هذا الربط بين القرار النفطي والتحولات الأمنية يفتح المجال أمام تفسير أوسع لدوافع أبوظبي، إذ تتجاوز المسألة مجرد الرغبة في زيادة الإنتاج إلى إعادة صياغة موقعها داخل شبكة التوازنات الإقليمية. وفي هذا السياق، يلفت الخطيب إلى أن تقاطعات المصالح والتحالفات لم تعد تقليدية، موضحا أن “لا تخفي الإمارات تقاربها من اللاعب الإسرائيلي”، في مقابل تباعد متزايد مع السعودية بلغ، وفق توصيفه، حد “التصادم السياسي” الذي امتد في بعض المحطات إلى ساحات ميدانية مثل اليمن.

ويستمر هذا المنحى التحليلي في الربط بين الانسحاب وإعادة رسم خرائط النفوذ، حيث تُفهم الخطوة الاقتصادية كامتداد لاستراتيجية أوسع تستهدف التحكم بالممرات الحيوية. فوفق التصور الذي يقدمه الخطيب، فإن بناء نفوذ على المضائق والموانئ يشكل أحد مرتكزات هذا التوجه، بما ينعكس على موازين القوة الاقتصادية والعسكرية في المنطقة، خاصة مع الإشارة إلى أن القرار جاء في أعقاب قمة خليجية، بما يوحي بوجود سياق سياسي مباشر يحيط به.

ويتعزز هذا التداخل بين الاقتصاد والأمن أكثر عند الانتقال إلى البعد الاستراتيجي الأشمل، حيث يأتي إلى الانسحاب كجزء من تموضع ضمن تحالفات جديدة قيد التشكل. ويشير الخطيب إلى أن مخرجات الحرب الأمريكية – الإيرانية أفرزت بداية تبلور تحالف ثلاثي “سعودي – مصري – تركي”، في مقابل توجه إماراتي نحو معسكر آخر يرتبط بما يُعرف بـ”تحالف الأطراف”، وهو ما يستحضر أيضا حديث رئيس وزراء سلطة الاحتلال الصهيوني، بنيامين نتنياهو عن بناء تحالفات تضم دولا إفريقية وآسيوية والهند. وضمن هذا السياق، تبرز إشارات إلى أبعاد أمنية مباشرة، من بينها نشر منظومات دفاعية داخل الأراضي الإماراتية، وبناء ترتيبات عسكرية في مناطق مثل الصومال، بما يعكس – وفق طرح الخطيب – مستوى غير مسبوق من التنسيق الأمني.

غير أن هذا التحليل، على امتداده الجيوسياسي، يقود إلى نتيجة مركزية مفادها أن الانسحاب لا يمكن فصله عن رسائل متعددة المستويات، “اقتصادية، وأمنية، واستراتيجية”، تتقاطع جميعها عند هدف إعادة تعريف موقع الإمارات في النظام الإقليمي والدولي، إذ يبدو أنها قد قررت القطع تماما مع المحيط العربي والإسلامي، وتوجهت إلى الخط المعادي.

الدكتور في العلوم السياسية عباس فاصل علوان

ومن هذه النقطة، يطرق التحليل مقاربة أكثر تركيزا على ديناميكيات السوق، حيث يقدم الباحث السياسي فاصل علوان، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، قراءة تعتبر القرار تحولا واضحا “من العمل الجماعي إلى الإنتاجية الفردانية المطلقة”. وهذا التحول، وفق علوان، يعكس رغبة في تعظيم العوائد عبر توسيع الإنتاج، خاصة في ظل استثمارات ضخمة تسعى الإمارات إلى استردادها قبل بلوغ ذروة الطلب العالمي على النفط.

ضمن هذا المنظور، يصبح الضغط على الأسعار نتيجة شبه مباشرة لهذه السياسة، إذ إن زيادة الإمدادات خارج إطار الحصص التقليدية تضعف قدرة “أوبك” على ضبط السوق. ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية عندما يُربط بوجود تفاهمات غير معلنة مع واشنطن و”تل أبيب”، حيث يُشار إلى أن الإمارات “عقدت تفاهمات واتفاقات ضمنية مع قوى دولية لضمان تدفق الإمدادات”، ما يحول سياستها النفطية إلى أداة نفوذ جيوسياسي مستقلة، تتجاوز الضوابط المؤسسية للمنظمة، بل وتهددها.

أبوظبي الأمريكية

وكانت الإمارات قد أعلنت انسحابها من منظمتي أوبك وأوبك+، في خطوة تعكس نزعة أحادية وتجاهلا لاعتبارات التوازن داخل السوق النفطية. وبدل أن يُنظر إليها كإجراء تقني، قدّمها وزير الطاقة، سهيل المزروعي، على أنها قرار محدود التأثير، مبررا ذلك بقيود إغلاق مضيق هرمز، وهي حجة لا تُخفي حقيقة أن التوقيت يخدم بالأساس حسابات ضيقة مرتبطة بالسعي لزيادة الإنتاج دون الالتزام بالضوابط الجماعية. ووصف القرار بأنه سياسي، ما يعزز الانطباع بأنه ابتعاد متعمد عن روح التنسيق التي قامت عليها المنظمة.

ويأتي هذا التحرك في سياق ضغوط إماراتية متكررة لرفع سقف إنتاجها، بما يتجاوز الحصص المقررة داخل المنظمتين، مستندة إلى ثقلها الإنتاجي واحتياطاتها. غير أن هذه المطالب لا تنفصل عن رغبة واضحة في تعظيم العائدات على حساب استقرار السوق. فالإمارات، التي تمثل نحو 4% من الإنتاج العالمي وتمتلك قرابة 7% من الاحتياطات، ساهمت بنحو 77 مليار دولار من إجمالي مبيعات “أوبك” البالغة 455 مليار دولار، ما يكشف حجم استفادتها من المنظومة التي اختارت الآن الانسحاب منها. في المقابل، تُظهر تقديرات غولدمان ساكس وجود اختلالات حادة في التوازن بين العرض والطلب، وهو ما يجعل أي خطوة أحادية من هذا النوع عاملا إضافيا لتعميق الاضطراب.

وفي تأكيد لطابع القرار الانفرادي، أقرّ المزروعي، في تصريح لوكالة رويترز، بأن بلاده لم تُشاور حتى الشركاء الرئيسيين مثل السعودية، ما يعكس استخفافا بآليات التشاور داخل المنظمة. كما جرى تبرير الخطوة بالحديث عن توقعات بنمو الطلب العالمي، رغم أن المؤشرات الحالية لا تقدم ضمانات واضحة على استدامة هذا الاتجاه. وفي هذا السياق، أعلنت شركة أدنوك خططا لرفع الإنتاج إلى 5 ملايين برميل يوميا بحلول 2027، وهو هدف ينسجم مع منطق التوسع الأحادي أكثر مما يعكس قراءة متوازنة لمستقبل السوق.

ورغم محاولة تسويق القرار باعتباره فرصة، فإن المعطيات تشير إلى عكس ذلك. فقد شهدت السوق فائضا في العرض قبل الحرب على إيران، حتى مع القيود المفروضة من “أوبك”، كما أن تراجع الطلب في الأسابيع الأخيرة وامتلاء مرافق التخزين يطرحان تساؤلات جدية حول جدوى زيادة الإنتاج في هذا التوقيت. بل إن بعض التقديرات ترجّح أن تضطر دول منتجة، مثل الولايات المتحدة، إلى خفض إنتاجها إذا استمر ضعف الطلب، ما يجعل الرهان الإماراتي محفوفا بالمخاطر.

القرار لم يُقرأ إقليميا بمعزل عن أبعاده السياسية، إذ وصفه موقع يديعوت أحرونوت بأنه تحوّل استراتيجي حاد وتحد مباشر للدور السعودي. كما تزامن مع قمة خليجية طارئة في السعودية برئاسة محمد بن سلمان، في لحظة حساسة أمنيا وسياسيا. وزاد من حدة التوتر تصريحات أنور قرقاش التي انتقد فيها أداء مجلس التعاون الخليجي، ما يعكس توجها إماراتيا نحو إعادة تموضع إقليمي لا يخلو من التصعيد.

ومن زاوية أخرى، يُمكن قراءة الخطوة كتماه مع مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المنتقدة لسياسات “أوبك”، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما تبقى من استقلالية القرار الإماراتي، خاصة أن المنظمة تمثل نحو 36% من الإنتاج العالمي وتملك قرابة 80% من الاحتياطات المؤكدة.