الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

ذروة غير مسبوقة في استهلاك الكهرباء.. هل كانت وراء انقطاعات التيار؟

Author
بثينة صايفي 15 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

مع تسجيل الجزائر مستويات غير مسبوقة في استهلاك الكهرباء، بفعل موجة الحر التي تشهدها البلاد، عرفت عدة ولايات، خاصة في شرق البلاد، تذبذبًا وانقطاعات في التموين الكهربائي، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول قدرة الشبكة الوطنية على استيعاب الطلب المتزايد خلال فترات الذروة.

وبين من يُرجع هذه الاضطرابات إلى اختلالات تقنية، ومن يرى أنها نتيجة طبيعية للضغط الاستثنائي على المنظومة الكهربائية، يؤكد الصحفي والباحث في الشؤون الاقتصادية، كريم قندولي، أن الظاهرة ليست استثناءً جزائريًا، بل تحدٍ تواجهه حتى الدول الأكثر تطورًا، داعيًا في المقابل إلى ترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك باعتبارها جزءًا من مسؤولية الحفاظ على أمن الطاقة الوطني.

 

الطاقات المتجددة… خيار استراتيجي لتنويع مصادر الطاقة

يرى الخبير الاقتصادي، بوحوس بوشيخي، أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة في سياستها الطاقوية تقوم على تنويع مصادر إنتاج الكهرباء، من خلال الاستثمار المكثف في الطاقات المتجددة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما ينسجم مع التوجه العالمي نحو الانتقال الطاقوي وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، مؤكدا أن هذا الخيار لم يعد مجرد توجه بيئي، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستراتيجية لضمان أمن الطاقة، وتعزيز مكانة الجزائر كمصدر للطاقة في المنطقة.

ويشير المتحدث إلى أن الدولة وضعت هدفًا واضحًا يتمثل في رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى37  بالمئة من القدرة المركبة لإنتاج الكهرباء بحلول سنة 2030، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة في محطات إنتاج الكهرباء النظيفة، إلى جانب تطوير البنية التحتية الخاصة بنقلها وتوزيعها.

ويضيف بوشيخي أن الجزائر تنتج حاليًا نحو 26  ألف ميغاواط من الكهرباء، بينما لا يتجاوز الاستهلاك الوطني في أوقات الذروة حوالي 19  ألف ميغاواط، ما يعني وجود فائض في الإنتاج يمكن استغلاله مستقبلاً في التصدير نحو دول شمال إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، غير أن تحقيق هذا الهدف، بحسبه، يمر عبر زيادة إنتاج الكهرباء الخضراء من خلال مشاريع كبرى للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما يسمح بتحويل الجزائر من دولة مكتفية ذاتيًا إلى فاعل إقليمي في سوق الطاقة النظيفة.

 

مقومات طبيعية تؤهل الجزائر لتكون قوة عالمية في الطاقة الشمسية

ويؤكد الباحث في الاقتصاد، بوحوس بوشيخي، أن الجزائر تمتلك كل المقومات الطبيعية التي تؤهلها لأن تصبح من أبرز المنتجين والمصدّرين للطاقة الشمسية في العالم، بالنظر إلى الامتداد الجغرافي الواسع للصحراء الجزائرية وارتفاع معدلات الإشعاع الشمسي على مدار السنة، ويشير إلى أن مدة سطوع الشمس تتراوح بين2000  و3900 ساعة سنويًا حسب المناطق، وهي من أعلى المعدلات عالميًا، ما يجعل تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية أكثر تنافسية مقارنة بالعديد من الدول.

ويضيف أن هذه الثروة الطبيعية تمثل فرصة استراتيجية لتحقيق تحوّل حقيقي في المنظومة الطاقوية الوطنية، ليس فقط لتلبية الطلب المحلي المتزايد على الكهرباء، وإنما أيضًا لإنتاج كميات كبيرة من الكهرباء الخضراء الموجهة للتصدير نحو الأسواق الإقليمية والأوروبية، في ظل التوجه العالمي المتزايد نحو مصادر الطاقة النظيفة وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري.

ويستشهد بوشيخي في هذا السياق بدراسات دولية، من بينها دراسة ألمانية، تحدثت عن الإمكانات الاستثنائية التي تتمتع بها ولاية عين صالح، وخلصت إلى أن إنشاء محطة شمسية عملاقة في المنطقة يمكن أن ينتج كميات هائلة من الطاقة، بل إن بعض التقديرات ذهبت إلى أن قدرتها الإنتاجية قد تكون كافية لتغطية احتياجات مناطق واسعة من العالم، وهو ما يعكس حجم المؤهلات الطبيعية التي لا تزال، حسبه، غير مستغلة بالشكل الأمثل.

ويرى المتحدث أن هذه الإمكانات تفرض على الجزائر تسريع وتيرة الاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتحويل الصحراء الجزائرية إلى قطب عالمي لإنتاج الطاقة النظيفة، خاصة وأن البلاد تمتلك إلى جانب الموارد الطبيعية موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يجعلها قريبة من الأسواق الأوروبية، وهو ما يمنحها أفضلية كبيرة في تصدير الكهرباء والهيدروجين الأخضر مستقبلاً، إذا ما استُكملت مشاريع الإنتاج والربط الكهربائي مع دول الجوار والضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط.

 

برنامج وطني طموح لبلوغ 22 جيغاواط بحلول 2030

ويؤكد الباحث في الاقتصاد، بوحوس بوشيخي، أن الجزائر لم تعد تتعامل مع الطاقات المتجددة كمجرد مشاريع تجريبية، بل وضعت لها برنامجًا وطنيًا طويل المدى يمتد إلى غاية سنة 2030، يهدف إلى إنتاج 22 جيغاواط من الكهرباء من مصادر متجددة، في إطار رؤية تستهدف إحداث تحول تدريجي في مزيج الطاقة الوطني وتعزيز أمن الطاقة، مع تقليص الاعتماد على المحروقات في إنتاج الكهرباء.

ويشير إلى أن هذا البرنامج يشمل إطلاق سلسلة من المشاريع الكبرى عبر مختلف ولايات الوطن، من أبرزها برنامج لإنجاز2000  ميغاواط من الطاقة الشمسية موزعة على 11 ولاية، وهي مشاريع من شأنها رفع القدرة الإنتاجية للكهرباء النظيفة وتلبية جزء معتبر من الطلب الوطني المتزايد على الطاقة، خاصة خلال فترات الذروة الصيفية.

ويضيف بوشيخي أن وتيرة الاستثمار في القطاع تشهد تسارعًا ملحوظًا، وهو ما تجسد من خلال المناقصات التي أطلقتها سونلغاز، والتي أسفرت عن توقيع عقود لإنجاز3200  ميغاواط إضافية من مشاريع الطاقة الشمسية، معتبرًا أن هذه الأرقام تعكس إرادة الدولة في الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التجسيد الميداني للمشاريع.

ويرى المتحدث أن تحقيق هدف22  جيغاواط لا يقتصر على بناء محطات جديدة فحسب، بل يستدعي أيضًا تطوير منظومة متكاملة تشمل شبكات نقل الكهرباء، وتوطين الصناعات المرتبطة بالطاقات المتجددة، وتكوين الكفاءات البشرية، وخلق بيئة استثمارية جاذبة للشركات الوطنية والأجنبية، كما يؤكد أن هذه المشاريع ستشكل ركيزة أساسية لتحقيق هدف أكبر يتمثل في أن تبلغ القدرة الوطنية لإنتاج الكهرباء نحو60  ألف ميغاواط بحلول سنة 2030، على أن تمثل الطاقات المتجددة ما يقارب37  بالمئة من هذا الإنتاج، بما ينسجم مع استراتيجية الجزائر للانتقال الطاقوي والانفتاح مستقبلاً على أسواق تصدير الكهرباء النظيفة.Haut du formulaire

 

Bas du formulaire

صناعة محلية وكفاءات بشرية لدعم الانتقال الطاقوي

ويؤكد الباحث أن الجزائر لا تراهن فقط على إنتاج الكهرباء، بل تعمل أيضًا على بناء منظومة صناعية متكاملة للطاقات المتجددة، من خلال تشجيع مكاتب الدراسات والمؤسسات المتخصصة في تركيب الأنظمة الشمسية، وتطوير صناعة تجهيزات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى استغلال النفايات لإنتاج الطاقة. كما يجري، حسبه، الاستثمار في تكوين الكفاءات البشرية عبر الجامعات ومراكز التكوين المهني لضمان نجاح هذه المشاريع.

ويرى بوشيخي أن تمويل مشاريع الطاقات المتجددة لا ينبغي أن يبقى معتمدًا كليًا على خزينة الدولة، رغم رصد أغلفة مالية لها في قوانين المالية. ويقترح اللجوء إلى الادخار العمومي عبر فتح باب الاكتتاب أمام المواطنين للمساهمة في تمويل محطات الطاقة الشمسية، سواء من خلال السندات الاستثمارية أو الصكوك الخضراء ذات العائد، أو حتى عبر تمليك المواطنين حصصًا في هذه المشاريع بما يتيح لهم الاستفادة من أرباحها السنوية، باعتبارها مشاريع إنتاجية تدر دخلاً من بيع الكهرباء.

ويتوقع المتحدث أن يساهم الانتقال الطاقوي في خلق ما لا يقل عن 12  ألف منصب عمل في قطاع الطاقات المتجددة، مع استمرار تنفيذ المشاريع المرتبطة بإنتاج الكهرباء النظيفة، كما يلفت إلى مشروع إنشاء 410 محطات لشحن السيارات الكهربائية، متوقعًا أن يبلغ الإنتاج الوطني للكهرباء بحلول 2030 نحو 60  ألف ميغاواط، تكون37  بالمئة منها من مصادر متجددة.

 

تحديات تقنية مرتبطة بالشبكات الكهربائية

ويؤكد بوشيخي أن استيعاب الإنتاج الإضافي من الكهرباء، الذي قد يتراوح بين 10  و15 جيغاواط، يبقى رهينًا بتطوير شبكة نقل الكهرباء الوطنية. ويبرز أهمية استكمال ربط ولايتي أدرار وإليزي بالشبكة الموحدة، إلى جانب تعزيز الربط الكهربائي مع دول شمال إفريقيا وإنجاز مشروع الكابل البحري مع إيطاليا، بما يسمح بتصريف فائض الإنتاج نحو الأسواق الخارجية.

ويشير الباحث إلى أن الجزائر تمتلك بالفعل بنية أولية للربط الكهربائي مع تونس، كما سبق لها أن ارتبطت بإسبانيا والمغرب، وصدّرت الكهرباء في فترات سابقة بناءً على الطلب، ويرى أن توسيع هذه الشبكات سيمنح الجزائر قدرة أكبر على تسويق فائض إنتاجها في الأسواق الإقليمية والأوروبية.

 

الهيدروجين الأخضر… رهان المرحلة المقبلة

ويختتم بوشيخي بالتأكيد أن مستقبل الجزائر الطاقوي لا يقتصر على الكهرباء المنتجة من الشمس والرياح، بل يمتد إلى إنتاج الهيدروجين الأخضر، الذي يفتح آفاقًا واسعة لتوسيع صادرات الطاقة نحو أوروبا وشمال إفريقيا. كما يدعو إلى تحويل سونلغاز إلى شركة إقليمية ذات حضور دولي، عبر إنشاء ممثليات لها في دول جنوب أوروبا وشمال إفريقيا، والانخراط في تجارة الكهرباء وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.