الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

انكماش تاريخي يضرب سوق الغاز.. هل تعزز الجزائر موقعها كمورد موثوق؟

Author
صبرينة عيلان 09 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة طاقوية تخضع لقواعد العرض والطلب، بل تحول إلى أحد أبرز مؤشرات الاستقرار الجيوسياسي والاقتصادي في العالم. فكل اضطراب في ممرات الطاقة أو منشآت الإنتاج ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، وتكاليف الصناعة، وأمن الإمدادات، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الغذائي العالمي.

وجاءت توقعات وكالة الطاقة الدولية (IEA) بانكماش الطلب العالمي على الغاز الطبيعي بنسبة 0.5 بالمائة خلال عام 2026، في سابقة قد تمثل ثالث تراجع سنوي خلال سبع سنوات، نتيجة التداعيات المباشرة للحرب في الشرق الأوسط، وما رافقها من اضطرابات في حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز، وارتفاعات حادة في الأسعار أثرت على استهلاك الأسواق الكبرى، لا سيما في قطاعات توليد الكهرباء والصناعات الثقيلة.

وتراجع الطلب على الغاز في آسيا بنحو واحد في المائة على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، بعدما دفعت الأسعار المرتفعة المستهلكين إلى التحول نحو أنواع وقود بديلة، لا سيما الفحم المستخدم في قطاع الكهرباء.

وأدى الصراع بين الولايات المتحدة وإيران إلى انخفاض حاد في تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي كان يمر عبره عادةً نحو 20 في المائة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية.

ومن المتوقع أن يظل المعروض العالمي للغاز الطبيعي المسال للعام بأكمله دون تغير يُذكر مقارنةً بعام 2025، مع تعويض الزيادات الإنتاجية في مناطق أخرى لتداعيات الاضطرابات التي شهدتها منطقة الخليج.

وحذرت الوكالة من أنه إذا لم يُفتح مضيق هرمز بالكامل قبل بداية الربع الرابع، فيمكن أن يسجل المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المسال أول انخفاض سنوي منذ عام 2012.

وتبرز الجزائر كأحد أهم الفاعلين في معادلة أمن الطاقة، بفضل مكانتها كمورد موثوق للغاز الطبيعي نحو الأسواق الأوروبية والإقليمية، وقدرتها على الحفاظ على استقرار صادراتها رغم التقلبات الدولية.

كما عززت الجزائر خلال السنوات الأخيرة استثماراتها في الاستكشاف وتطوير الحقول، وتوسيع قدرات الإنتاج والتصدير، إلى جانب تنويع وجهات التسويق، بما يمنحها هامشًا أكبر للاستجابة لمتغيرات السوق العالمية، ويكتسب هذا الدور أهمية متزايدة في وقت تبحث فيه الدول المستهلكة عن شركاء يتمتعون بالاستقرار والقدرة على تأمين الإمدادات بعيدًا عن بؤر التوتر.

الحرب أعادت الجغرافيا السياسية إلى قلب سوق الغاز

وفي هذا السياق، يرى الدكتوربغداد مندوش الخبير في مجال النفط والطاقة، في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن ما تشهده أسواق الغاز العالمية اليوم هو نتيجة مباشرة لعودة العامل الجيوسياسي ليصبح المحدد الأول لحركة العرض والطلب، موضحا أن الحرب في الشرق الأوسط لم تقتصر آثارها على تعطيل بعض الإمدادات أو رفع تكاليف النقل والتأمين، بل أحدثت حالة من عدم اليقين دفعت العديد من الدول والمجمعات الصناعية إلى إعادة النظر في أنماط استهلاكها للطاقة.

وأوضح أن توقعات وكالة الطاقة الدولية بانكماش الطلب العالمي على الغاز الطبيعي بنسبة 0.5 بالمائة خلال العام الجاري لا تعني بالضرورة تراجع أهمية الغاز في مزيج الطاقة العالمي، وإنما تعكس تأثير الظروف الاستثنائية التي فرضتها الأزمة، خاصة بعد الاضطرابات التي عرفها مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الغاز الطبيعي المسال، وأكد أن ارتفاع الأسعار الناتج عن المخاطر الجيوسياسية دفع كبار المستهلكين الصناعيين إلى تقليص الاستهلاك أو تأجيل الاستثمارات، في حين لجأت بعض الدول إلى العودة المؤقتة إلى مصادر طاقة بديلة أقل تكلفة.

وأضاف أن أسواق الطاقة عادة ما تتفاعل بسرعة مع الصدمات الأمنية، لكن التعافي يحتاج إلى وقت أطول بسبب فقدان الثقة في استقرار الإمدادات، وهو ما يجعل الطلب أكثر حساسية تجاه أي توترات جديدة في المناطق المنتجة.

ويؤكد الدكتورمندوش أن الانكماش الحالي لا يمكن اعتباره تحولا هيكليا كاملا في سوق الغاز، بل هو في جزء كبير منه تراجع ظرفي فرضته الأزمة الجيوسياسية وارتفاع الأسعار، غير أنه يحمل في الوقت نفسه مؤشرات على تغيرات استراتيجية بدأت تتشكل منذ سنوات.

وقال إن الدول المستهلكة الكبرى، خصوصا في أوروبا وآسيا، أصبحت تعمل على تنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على مورد واحد، بالتوازي مع تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة والهيدروجين وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وهو ما قد يؤدي مستقبلاً إلى تباطؤ وتيرة نمو الطلب العالمي على الغاز، وليس انهياره.

وأضاف أن الغاز الطبيعي سيظل خلال العقدين المقبلين عنصرا أساسيا في مرحلة الانتقال الطاقوي، باعتباره أقل مصادر الوقود الأحفوري انبعاثا للكربون، إلا أن المنافسة ستزداد بين المنتجين، وستصبح مرتبطة أكثر بالأسعار والمرونة اللوجستية والقدرة على ضمان الإمدادات المستقرة.

الجزائر تمتلك أوراقًا قوية للحفاظ على مكانتها

وفي حديثه عن الجزائر، يرى الدكتور بغداد مندوش أن المرحلة الحالية تمثل فرصة بقدر ما تشكل تحديا، مؤكدًا أن الجزائر تمتلك مجموعة من المزايا التنافسية التي تؤهلها للحفاظ على حصتها في الأسواق الدولية، وفي مقدمتها القرب الجغرافي من أوروبا، وشبكة أنابيب النقل المباشرة، إضافة إلى السمعة التي اكتسبتها كمورد موثوق للطاقة حتى في أصعب الظروف الدولية.

وأشار إلى أن المحافظة على هذه المكانة تتطلب تسريع الاستثمارات في الاستكشاف وتطوير الحقول الجديدة، ورفع قدرات الإنتاج، وتحديث البنية التحتية الخاصة بالنقل والتسييل، مع مواصلة تنويع الأسواق وعدم الاكتفاء بالشريك الأوروبي فقط، عبر التوجه نحو الأسواق الإفريقية والآسيوية التي ستظل تمثل محركًا رئيسيًا لنمو الطلب على الطاقة خلال السنوات المقبلة.

كما شدد على أهمية توسيع الصناعات التحويلية المرتبطة بالغاز، مثل البتروكيمياء والأسمدة، بما يسمح برفع القيمة المضافة للصادرات الجزائرية وتقليل الاعتماد على تصدير المادة الخام فقط.

وبشأن ارتفاع أسعار الغاز وتقلب الإمدادات، أكد مندوش أنه ستكون لهما آثار اقتصادية تتجاوز قطاع الطاقة، إذ تعتمد العديد من الصناعات الثقيلة، مثل الحديد والصلب والإسمنت والزجاج والكيماويات والأسمدة، بشكل مباشر على الغاز الطبيعي سواء كمصدر للطاقة أو كمادة أولية للإنتاج.

وأوضح أن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة سيؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج، وتراجع القدرة التنافسية للمؤسسات الصناعية، وربما إغلاق بعض الوحدات الإنتاجية ذات الاستهلاك المرتفع للطاقة، وهو ما ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية.

أما في قطاع الكهرباء، فأكد أن العديد من الدول ستضطر إلى إعادة تشغيل محطات تعمل بالفحم أو الوقود السائل لتقليل تكاليف الإنتاج الكهربائي، رغم ما يحمله ذلك من آثار بيئية، في حين ستسرع دول أخرى استثماراتها في الطاقات المتجددة وأنظمة تخزين الكهرباء لتقليل تعرضها لتقلبات أسواق الغاز.

وأكد المتحدث أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها “أمن الطاقة قبل وفرة الطاقة”، حيث ستصبح قدرة الدول المنتجة على توفير إمدادات مستقرة وموثوقة عاملاً حاسمًا في الحفاظ على حصصها السوقية، وهو ما يمنح الجزائر فرصة لتعزيز موقعها كشريك استراتيجي في سوق الطاقة العالمية إذا واصلت الاستثمار في الإنتاج والبنية التحتية وتنويع منافذ التصدير.

وتشير أحدث قراءة لوكالة الطاقة الدولية، في تقريرها الفصلي لسوق الغاز الصادر اليوم الثلاثاء 7 جويلية 2026، إلى أن استمرار حالة عدم اليقين بشأن حركة الإمدادات، وتأخر التعافي الكامل للممرات البحرية الحيوية، قد يبقي الأسواق العالمية تحت ضغوط قوية خلال عامي 2026 و2027، مع امتداد التأثيرات إلى صناعات استراتيجية، وفي مقدمتها الأسمدة، بما يحمله ذلك من انعكاسات على الأمن الغذائي العالمي، وهو ما يعزز أهمية المنتجين المستقرين، وفي مقدمتهم الجزائر، في دعم توازن أسواق الغاز خلال المرحلة المقبلة.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية