لا تزال معظم شعوب الدّول، لا سيّما بعض التي وقعت تحت سلطة الاستعمار، تتَّبع الغرب على أنَّه سيّد العالم وقائده، وملك تربَّع على عروش الدّول المستصغَرة. إنّهم في الغرب يعرّفون أنفسهم بأنَّهم صنَّاع المستقبل وأنّ الكون كلّه يدور في فلكهم، متناسين بذلك دور العرب وغيرهم من الدّول في تطوّرهم. الفكرة تولد في رأس من يمتلك أجياب فارغة ولكن تشتريها بثمنٍ بخسٍ عمالقة الاقتصاد، كصدقة منهم ثمَّ يبدؤون بتطويرها. ولكنَّ المضحك المبكي في القصَّة أنَّنا نحن التّجار الصّغار نصفّق لهم عندما ينتهون من تطوير منتجهم بغض النَّظر عن نوعه ومصدره الأساسي حين كان فكرة. زد على ذلك، تصفيق مع ابتسامة وأمنية:" لمَ لم أكن غربيا".
كلّ شعوب الأرض تمتلك عقلا. منها من يستخدمه في تطوير بلده وأهله، ومنها من يضعه في جارورٍ ثمَّ يغلق عليه كهدية لغربيٍّ يوما ما!
الفكرة تعشق من يبحث عنها بعين عقله، ثمّ يدلّلها حتى تصبح جزءًا واقعيا من حياة البشر. فالتكنولوجيا مثلا التي كانت كطفلٍ رضيع في بدايتها، أصبحت اليوم أمًّا للتطوّر والتَّقدم. وهذا لم يعتمد فقط على توليد هذه الفكرة وتدوينها في دفتر المذكّرات، بل بالعمل والسّهر الدّائم.
من المؤسف أن ينظر إلينا كأنَّنا فئران تجارب في هذا العالم! فما زالت تلك الرّؤية الدَّونية لنا من الغرب، ونحن بضبابية عقلنا نتّبع ونصفّق ونصفّر إن لزم الأمر.
ولكن إلى متى؟.. ألن يولد ذلك الجيل الذي ينظر إلينا كأنَّنا مدرسة لإنشاء الفكر؟ إلى متى ستبقى نصف قارات العالم منسية إلا من ورقة امتحان الجغرافيا؟ هذه الخريطة ألا تحتاج رسما جديدا يعيد بنية العالم؟
كل ما ينقصها هو ثلَّة من الأشخاص تدافع عن هويتها قبل أن تنغمسَ حتى الرّأس باتّباعها الأعمى للغرب. المثقّف الحقيقي يمكنه أن يقرأ تاريخَ وطنه والتَّنبؤ بمستقبله، ليس بالمكتوب في الطَّالع، في باطن الكفّ أو في الجرائد الّتي تحاول سرقة عقولنا بمقالٍ، إنَّما بالعودة إلى الجذور والأصل ومعرفة تاريخٍ اندثرت معالمه بالتَّبعية العمياء. يمكنه أن يوقظَ العالم بخطاباته الفعلية لا بالخربشة فوق الجدران وبالإطارات المشتعلة في عرض الطّرقات.
نحن قادة، فنَّانون، ومثقّفون وأصحاب فكر. ودول آسيا وإفريقيا جزء مهمّ من خارطة العالم، ليست فقط معالم جغرافيّة للسيّاحة والسَّفر. ولكنَّنا كمثقفين، كتَّاب، وأصحاب فكر علينا أن نرفعَ صوتنا قليلا ونقول: "إنّنا شعوب ولدت من رحم الكلمة وليست هويّة ضائعة بين الذات والغرب".

