الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
مقالات رأي

بأي حال نستقبلك أيها العيد؟

Author
سحر قلاوون 19 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

“عيد يا عيد، بأي حال عدت يا عيد”، هي عبارة لطالما رددها الكبار أمامنا حين كنا صغارا، لكن كنا نرفضها، فالعيد هو فرحة لم يتمكن أحد من سرقتها منا، طبعا عندما كنا صغارا، أما حين بتنا نحن كبارا، فقد غدونا أولئك الكبار الذين يرددون: “عيد يا عيد، بأي حال عدت يا عيد”.

لا أريد لنصّي أن يكون كئيبا، ففي الدنيا ما يكفي ليدخل الكآبة إلى أنفسنا، لذلك أجدني مضطرة للرجوع سنوات عديدة إلى الماضي السعيد، حين كنت طفلة تبتسم عندما تعلم أن العيد سيأتينا بعد يومين أو ثلاثة، فألقي نظرة سريعة على ملابسي الجديدة التي اشتريناها، ومن ثم أنتظر قدوم الضيف العزيز.

فيأتي العيد وتأتي معه الحلوى والمعايدات والزيارات ورؤية الأحباب، وهنا أجد دمعة فرت من عيني، أعلم أنني قلت إن عودتي بالزمن إلى الوراء هدفها ألا أسبب الحزن لمن يقرأ، لكنني هنا وحين ذكرت كلمة “أحباب” حضر إلى ذاكرتي من لم يتمكن من الغياب عنها يوما واحدا “جدي وجدتي”، فالعيد لم يكن يحلو إلا بوجودهما وبالاستماع إلى أحاديثهما، لقد كان عناقهما عيدا بحد ذاته، لكنهما الآن قد غادرا دنيتنا الفانية، رحمة الله عليهما.

غريبة هي هذه الدنيا، فقد تعيش فيها لحظات بسعادة دون أن تعلم أنك لن تكون بعدها سعيدا إلى هذا الحد، لا تدرك حينها أن الفرح الذي تعيشه هو فرح لا يعوض وأنك لن تشعر بمثله لاحقا.

وأنا كنت طفلة سعيدة جدا في تلك اللقاءات التي كان يزينها حضور جدي وجدتي، فيزيدان على بهجتنا بهجة، وقد تركا مكانهما منزلا فارغا وأعيادا لن تشبه الأعياد التي كانا فيها حاضرين بيننا.

أنا آسفة لأنني لم أتمكن من منع نفسي من التكلم عن هذا الأمر، لكن الحياة هكذا، اليوم يكون بيننا من يحبوننا ونحبهم وغدا قد يسرقهم منا الموت، ومن هنا دعوني أوصيكم أن تتمسكوا بكل دقيقة ترون فيها أحبابكم أمامكم، اقضوا برفقتهم الوقت، عبروا لهم عن مدى حبكم لهم واستمعوا إلى أحاديثهم الممتعة وأصغوا إلى الحكم التي تنطلق من أفواههم إلى آذانكم فعقولكم، ولا تنسوا أن تقضوا برفقتهم العيد، فهم عيدكم وأنتم عيدهم والأعياد لا تكتمل إلا بلقاء الأحباب.

وبين العيد الأمس والعيد اليوم، نجد فروقات واضحة لا يمكن إخفاؤها مهما حاولنا وبذلنا من جهود حثيثة في سبيل ذلك، فاللقاءات العائلية قد تم اختزالها قدر الإمكان، ولعلنا قد بتنا نتلقى أغلب التهاني بالعيد على مواقع التواصل الاجتماعي وأبرزها واتساب.

فبمجرد قدوم العيد، نغرق بين مئات الرسائل التي تهنّئُنا بقدومه، فيشعر الشخص منا في لحظة من اللحظات بأنه غير قادر على الرد على كل هذه الرسائل وأنه بحاجة إلى الكثير من الوقت للقيام بذلك.

وفي الطرف المقابل، لا نجد باب المنزل يدق بكثرة، فليس هنالك الكثير من الزوار، وهنا تكمن المفارقة المضحكة المبكية: الكثير من الرسائل على واتساب وإنستغرام وفيسبوك، مقابل عدد ضئيل من الزوار!

وهذا الفارق الشاسع، يجعلنا نقف مذهولين، غير قادرين على معرفة إن كنا محبوبين أو غارقين في عزلة اجتماعية.

أين ذهب ذلك المنزل الذي يجتمع بين جدرانه الكثير من الناس الذين يحتفلون سويا بالعيد؟! أين ذلك الباب الذي لا يكاد يغلق، حتى يفتح من جديد أمام زائر أتى ليشاركنا فرحة العيد بزيارة قصيرة أو طويلة؟! أين تجمع الناس وضحكهم وأحاديثهم التي لا تعرف إلى النهاية طريق؟! وكيف وصلنا إلى هنا؟!

لقد أصبحت مراسم العيد تتم على الشكل التالي: نرتدي ملابسنا ومن ثم نلتقط صورة لأنفسنا، وبعد ذلك نضعها على صفحتنا الخاصة على فيسبوك ونرفقها بعبارة (Happy Eid)، وننشرها فنجلس بانتظار اللايكات والكومنتات.

فهل نحن حقا (happy)، أم نضحك على أنفسنا أو نكذب على الآخرين؟!

نحن لم نعد سعداء كما كنا سابقا، فالسعادة لا تختزل في صورة، واللايك والكومنت لا يمتان إلى العيد بصلة.

في الأمس، كان العيد يتمثل في عناق صادق ومعايدة مباشرة، أما اليوم فقد اختزله الناس بعدة كلمات تكتب عبر تطبيق على الهاتف، وبين الأمس واليوم ضاع معنى العيد.

أضف إلى ذلك، الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي جعلت عيدنا أشبه بيوم عادي أو أقل من عادي، ويا للأسف علينا، إذ يأتينا العيد لنفرح فنغلق الباب في وجهه!

فالتكنولوجيا قد دمرت أعيادنا الجميلة وشوهت صورتها من جهة، والحروب والأزمات قضت على ما تبقى منها من جهة أخرى.

فكيف نفرح بالعيد ونحن اللبنانيون مثلا، لا نكاد نخرج من حرب حتى ندخل في حرب جديدة؟! وكيف يحتفل بالعيد من يخاف من سقوط صاروخ عليه بين دقيقة وأخرى؟!

وهل الحروب تعترف بالأعياد فتعطينا هدنة مثل “عيدية” لنستريح قليلا من ضغط الحرب ونتمكن من معانقة العيد بأيد اشتاقت لمعانقته؟! وفي ظل كل ما يجري، بأي حال سنستقبل العيد؟ بعد أن فقد العيد نسبة كبيرة من جماليته وحقيقته، كيف لنا أن نحتفل به كما لو أن شيئا لم يحصل؟!

مما لا شك فيه أن العيد لم يعد يحقق أهدافه النفسية والاجتماعية كما كان يحصل في السابق، وذلك ليس ذنب العيد، فالعيد هو نفسه، لكنه ذنبنا نحن البشر، فنحن الذين تغيرنا حتى بتنا نشعر بأن العيد هو الذي تغير. فنحن قد تركنا أنفسنا واستسلمنا أمام كل ما يجري، فتخلينا عن كل أسباب الفرح ورميناها في أقرب سلة مهملات لنا.

صحيح أن الأوضاع برمتها ليست سهلة، والمصائب ليست بقصة بسيطة، ولكن الفرح قد يولد من بين الركام، والعيد هو تذكرة لنا تخبرنا بأن بعد كل مر هنالك حلو وبعد كل حزن هنالك فرح وبعد كل ألم هنالك أمل. إن العيد يكمن في أصغر التفاصيل، مثل ضحكة طفل ونكتة عجوز وقطعة حلوى وفستان جديد وكزدورة.

وهنا لا يجب علينا أن ننسى أنه هنالك علاقة قوية بين المثقف والعيد، وأنه ينبغي على كل مثقف من مثقفينا أن يساهم في صناعة فرح العيد، وعليه أن يقوم بتوعية الناس لضرورة التمسك بالفرح وعدم قتل الأعياد، فمن يتخلى بنفسه عن الفرح لن يتمكن من الشعور به مرة أخرى.

والمثقف هو أحد أعمدة المجتمع الأساسية، وهو ركيزة من ركائز المجتمع، من هنا لا يجب أن يأتينا العيد فنرى مثقفينا من أوائل الأشخاص الذين يرددون “عيد يا عيد، بأي حال عدت يا عيد”.

أخيرا وليس آخرا، لا تنسوا أن العيد هو مناسبة دينية وله رمزية مهمة جدا، فلن ينفعنا التشاؤم وبث الأحزان في القلوب، لذلك علينا أن نتفاءل رغم كل ما يحصل وإن بدا التفاؤل في بعض الظروف ضربا من الجنون، ففي أحيان كثيرة يكون الجنون من أعلى درجات الوعي، وكل عيد وأنتم بخير.

↑