الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
فسيفساء

بائع الفحم الذي عرفت سرّه بعد موته!

Author
وحيد حمود 09 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

“مُسيّرة.. مُسيّرة”، علت الأصوات وصدح صداها يدغدغ أذن السماء، كأنّه عرسٌ انتخابيّ يهتف به الشعب باسم الزعيم.

“مسيّرة.. مسيّرة”، ظلّوا يهتفون وأنظارهم شاخصةٌ نحو السّماء، ركض الصبيان خارجين من ثقوب الأبواب ودهاليز الحقول، متّبعين الصّوت، محدّقين – كآبائهم – في السّماء. لا شيء فوقهم، الوقت غيمٌ والشمس زعلانةٌ منذ مدّة، ولا أحد يدري ممّا، لكنّها أنثى على كلّ حال، هل نقول هذا الشمس أم هذه الشمس؟ “هذه” نقول “هذه”، إذًا هي أنثى ويحقّ للأنثى أن تزعل متى تشاء وترضى متى تشاء ومن دون سبب، والشمس على ما يبدو هكذا.

– “بعيدة.. ربّما بعيدة”. قالت إحدى النساء.

– “لكنّها ترانا.. ادخلوا منازلكم، إنها تصوّركم”. ردّدت أخرى.

هرجٌ ومرج، هذا يحدّد مصدر الصوت، وذاك يحلّل نوع المسيّرة، وآخرون يردّدون: نجّنا يا رب.

وحدها أم إبراهيم، لم تكن لتعطي أمر الضجيج الذي في الخارج أدنى أهمية، والسبب بسيط جدًّا وهو أنّها الوحيدة التي تعلم نوع المسيّرة وأهدافها وأبعادها، بل ومسارها، وأم إبراهيم تلك لا تعرف ثلث الثلاثة كم، وهي إن أردت وصف شعرها الخشن وصوتها الغليظ وأذنيها السميكتين فإنّها تشبه أنثى الرطراط، ويمكنكم بكبسة زر الدخول إلى إحدى محركات البحث والنظر في هيئة أنثى الرطراط.

أبو إبراهيم، تاجر الفحم الذي يسكن تحت بيتنا، سوّد الله وجهه أكثر من بضاعته! لم أشأ يومًا أن أُدخله عتبة المبنى، وها أنا الآن أُدخله عتبة النصّ بل وأجعله بطل هذه الحكاية، سمّوها حكايةً إن أردتم، أو مغصًا في المعدة، سمّوها صيبة عَين، أي شيء، لا يهم البتّة.

أبو إبراهيم هذا الرجل الخمسيني النحيل الذي إن قرّرت أن تتخيّله في رأسك فابحث في محرّك جوجل عن سمكة الباركودا، صدّقني الوجه نفسه، الأسنان نفسها، الجسد نفسه، وأظن أنّ والدته توحّمت في حملها على تلك السمكة إذ إنّ والده – رحمه الله – كان صيّادًا، ومن الجدير ذكره أنّ موته كان محزنًا إذ ابتلعته سمكة قرش هربت عبر المحيطات من أوروبا في الثمانينيات، وكان لها هذا الصيد الذي ما لبثت أن بصقته، ويحكي بعض أبالسة الحي أنّها لم تستطع قضم لحمه لشدّة سماكته.

المهم، أبو إبراهيم هذا، يمتلك – إضافةً لكلّ ما ذكرته – جنازيرَ صوتيّة، فهو إن حدّثك تظن بأنّ عشرة شياطين يتحدّثون معه، ولا بأس بذلك، لكن ما أمر المسيّرة التي بدأت حديثي بها؟

اشترى أبو إبراهيم دراجة نارية، وهي أبعد ما تكون عن الدراجات في شيء، هيكل عظمي لدراجة نارية، كلما جلس عليها يستطيع القاصي والداني أن يتحسّس درجة احتضارها فيرأف بها من شيطانٍ يتلبّسها.

“بممممم.. بمممممم… تكتكتكتكتكتكتكتك” هذا الصوت عرفتموه؟ هو صوت مسيّرة أبو إبراهيم بائع الفحم.

كلما قرر الجار أن يقوم برحلة إلى مكان ما، يخرج الجميع ليراقبوا المسيّرة، ولم يخطر ببال أحدهم أن ينظر أمامه. متى تعلّم الناس أن ينظروا إلى فوق دائمًا؟ لست أدري.

يوم الأحد الماضي، استيقظت على صراخ أم إبراهيم، كانت تولول بأعلى صوتها ومثلها فعلت نساء الحي، قمت من سريري غاضبًا، لم أسمع صوت دراجة أبي إبراهيم، ولم أشهد عيون أهل الحي وهي تحدّق بحثًا عن مسيّرة، كان الوضع طبيعيّا على أفضل حال، لكنّ النواح كان يزداد، وخيّم على المنطقة حزنٌ عظيم من غير أيّ داعٍ لذلك.

استشطت غضبًا، قطعت الشرفة ذهابًا وإيابًا من غير أن أعثر على معلومةٍ واحدةٍ تبرّد نار فضولي الذي بات يتنامى أكثر فأكثر. نظرت إلى دكانة أبي إبراهيم، لم ألمحه، كما أنني لم أجد مسيّرته، وأخذني التفكير فجأةً إلى مكانٍ آخر، رحت أحدّث نفسي: ما الذي جعلني أُبغض هذا الرجل إلى هذا الحدّ؟ إنّه يعكّر هدوء المنطقة بين الحين والآخر، ولكنّه فقير معدَم، فهل مُنحت الحق في أن أكرهه لأنّه ولد فقيرًا ويعمل في الفحم؟ استعذت من الشيطان على هذا الفكر الذي بات ينهشني فجأةً.

ما رأيك أن تذهب وتعانق أبا إبراهيم أيضًا وتعتذر منه لأنّك لا تتقبّل الصوت المزعج؟ قلت في سرّي، فضحكت على سذاجتي، يا لي من شرّير أبله! إنّه مزعج وحسب، هذا يكفي لكي أطرده من دائرة الإحسان، إنّنا نحسن القول للوجوه الجميلة والثياب النظيفة والناس اللطفاء، والله يتولّى أمر سرائرهم، أليس كذلك؟ أجبت: نعم، هو كذلك.

عرفت فيما بعد أنّ أبا إبراهيم، الرجل الذي كنت أقبّح أفعاله ارتقى شهيدًا إذ رصدته مسيّرةٌ حقيقيّة وهو ينقل المواد الغذائيّة والمساعدات عبر الحدود للذين حاصرهم الكيان المغتصِب الصهيوني.

وقفت حينها أمام المرآة، بصقت في وجهي، ودخلت في نوبةٍ من البكاء.