الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

باكو تفتح آفاق التكامل الطاقوي بين دول مجموعة D-8

Author
ربيعة خطاب 03 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة عالميا، وما يرافقها من تحديات جيوسياسية وضغوط متزايدة على أسواق الإمداد، تتجه الدول النامية الإسلامية نحو تعزيز التنسيق البيني وبناء شراكات استراتيجية أكثر عمقا في مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة. ويأتي اجتماع وزراء طاقة الدول الثماني الإسلامية النامية في العاصمة الأذربيجانية باكو ليؤكد هذا التوجه، من خلال مناقشة سبل تنويع مصادر الطاقة وتطوير البنى التحتية وتبادل الخبرات والتكنولوجيا بما يعزز أمن الطاقة ويخدم أهداف التنمية المستدامة.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور فرات الموسوي، رئيس مركز العراق للطاقة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الاجتماع الأول لوزراء الطاقة في مجموعة الدول الثماني النامية المنعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو، يمثل محطة مفصلية في مسار تعزيز التعاون الطاقوي بين الدول الأعضاء، ويعكس توجها متناميا نحو بناء منظومة إقليمية أكثر قدرة على مواجهة التحولات الجيوسياسية والتحديات المتسارعة التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.

وأوضح الموسوي أن أهمية هذا الاجتماع لا تنبع فقط من كونه أول لقاء وزاري متخصص في مجال الطاقة ضمن إطار مجموعة، بل أيضا من توقيته الذي يتزامن مع تصاعد الضغط الجيوسياسية على سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في الممرات المائية الحيوية التي تشكل شرايين رئيسية لتجارة الطاقة الدولية. وأشار إلى أن اختيار مدينة باكو لاستضافة هذا الحدث يمنح الاجتماع بعدا استراتيجيا إضافيا، باعتبارها تمثل حلقة وصل بين آسيا الوسطى وأوروبا، كما توفر منصة مناسبة لإطلاق آليات تنسيق مشتركة تهدف إلى الحد من تقلبات الأسواق وضمان استدامة الإمدادات للدول الأعضاء التي يناهز عدد سكانها مليار نسمة.

وفيما يتعلق بأمن الطاقة، يرى الموسوي أن دول المجموعة تمتلك مقومات مهمة لتحقيق تكامل فعلي في هذا المجال، نظرا لتنوع مواردها الاقتصادية والطاقوية. فهناك دول تمتلك فوائض كبيرة في إنتاج النفط والغاز، مثل إيران ونيجيريا وإندونيسيا، في مقابل دول تتمتع بأسواق استهلاكية واسعة وقواعد صناعية وتكنولوجية متطورة نسبيا، مثل تركيا ومصر وباكستان وبنغلاديش. ويؤكد أن هذا التنوع يتيح فرصا حقيقية لبناء شراكات متوازنة تقوم على تبادل المنافع وتعزيز الأمن الطاقوي الجماعي.

وأضاف أن التعاون بين الدول الأعضاء يمكن أن يتجسد من خلال تطوير عقود طويلة الأمد لتبادل النفط والغاز بشروط تفضيلية، إلى جانب إنشاء مسارات نقل وربط استراتيجية تقلل من الاعتماد على الممرات التقليدية المعرضة للمخاطر. كما شدد على أهمية الغاز الطبيعي باعتباره وقودا انتقاليا يساعد على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وأهداف خفض الانبعاثات الكربونية، لافتا إلى أن نقل التكنولوجيا وتوطين صناعة الألواح الشمسية وتطبيقات الهيدروجين الأخضر من شأنه أن يسرّع التحول نحو أنظمة طاقة أكثر استدامة.

وحذر الموسوي من وجود جملة من التحديات التي قد تعيق مسار التحوّل الطاقوي داخل دول المجموعة. وأبرز هذه التحديات يتمثل في فجوة التمويل والاستثمار، حيث ما تزال مشاريع الطاقة المتجددة تتطلب رؤوس أموال ضخمة لا تتوفر بسهولة في العديد من الدول النامية، فضلا عن محدودية التمويل الأخضر الموجه لهذه الأسواق. كما أشار إلى أن البنية التحتية الحالية، خاصة شبكات النقل والتوزيع الكهربائي، لا تزال بحاجة إلى تحديث واسع حتى تصبح قادرة على استيعاب الأحمال المتغيرة الناتجة عن مصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وتطرق الموسوي إلى التحدي التكنولوجي، معتبرا أن تركز التقنيات المتقدمة وسلاسل توريد المعادن الحرجة في عدد محدود من الأسواق العالمية يبقي العديد من الدول النامية في موقع المستهلك للتكنولوجيا بدلا من المنتج لها، الأمر الذي يفرض ضرورة الاستثمار في البحث العلمي والتصنيع المحلي وبناء القدرات الوطنية.

وحول إمكانية إطلاق مشاريع مشتركة قادرة على المنافسة عالميا، أكد الموسوي أن دول D-8 تمتلك المقومات الأساسية لذلك، سواء من حيث حجم الأسواق أو الموارد الطبيعية أو الموقع الجغرافي الاستراتيجي. لكنه شدد على أن النجاح في هذا المسار يتطلب الانتقال من مرحلة التنسيق السياسي والدبلوماسي إلى بناء أدوات تنفيذية عملية، وفي مقدمتها إنشاء صندوق سيادي مشترك لتمويل مشاريع الطاقة، إلى جانب توحيد الأطر القانونية والتشريعية وتوفير بيئة جاذبة للاستثمارات الخاصة والشراكات الإقليمية.

وشدد الموسوي على أن تنويع مصادر الطاقة ومسارات نقلها لم يعد خيارا إضافيا، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات الدولية الراهنة. وأوضح أن الاعتماد على مزيج متوازن من الغاز والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية السلمية يوفر حماية أكبر للاقتصادات الوطنية من تقلبات أسعار الوقود الأحفوري، في حين أن تنويع مسارات النقل عبر خطوط الأنابيب وشبكات الربط الكهربائي والممرات البرية والبحرية البديلة يعزز من مرونة الدول وقدرتها على مواجهة الأزمات الجيوسياسية، بما يضمن استمرارية الإمدادات ويحافظ على أمن الطاقة والسيادة الاقتصادية للدول الأعضاء.