“بالأمثال يتّضح المقال”.. سياحة في الأقوال الشعبية الجزائرية

“الأمثال الشعبية” هي بمثابة الهواء والماء والخبز في الحياة اليومية للمجتمع، يتوارثها الناس جيلا عن جيل، ويستعملونها في أحاديثهم لتوضيح أقوالهم أو الزيادة في الفهم أو للسخرية والتهكّم.. وغالبا ما يكون المثل الشعبي مرتبطا بحدث معين، ولكن حكاية الحدث اندثرت وبقي المثل سائرا يتداوله الأفراد.

من أبرز الأدباء الجزائريين، الذين اهتموا بهذا التراث، للتعريف به ودراسته أو حمايته من الاندثار، العلاّمة الدكتور “محمد بن أبي شنب” (1869-1929) بتأليفه لكتاب “أمثال من الجزائر والمغرب الغربي”، حيث جمع فيها آلاف الأمثال والأقوال الشعبية، ورتّبها أبجديا، وحاول تقديم تفسيرات لكل مثل. والدكتور “عبد المالك مرتاض” في كتابه “الأمثال الشعبية الجزائرية” الصادر سنة 1982، وكتاب “أمثال جزائرية” للأديب “عبد الحميد بن هدوقة” الصادر سنة 1993، وكتاب “موسوعة الأمثال الجزائرية” الذي أصدره “رابح خدوسي” سنة 2016. وقد اختارت جريدة “الأيام” أن تأخذ قُرّاءَها في سياحة عبر بعض الأمثال الشعبية الجزائرية في كتاب “بالأمثال يتّضح المقال”.

قدّور.. شاهدٌ على العصر

“بالأمثال يتّضح المقال” كتابٌ من تأليف قادة بوطارن (1907-1996) وهو كاتب وأديب من ولاية البيّض، ألّف ثلاثية “قدور”، لا تقل قيمةً أدبية وسيَريَّة عن ثلاثة الأديب “محمد ديب”، وهذه عناوين روايته الثلاثية: “قدّور طفل جزائري شاهد على بدايات القرن” (1982)، “قدّور شاب جزائري عشية حلول مئوية الاحتلال الاستعماري” (1986)، “قدّور من بريزينة الى قصر بوربون، مسار مناضل” (1990). وأعمال أخرى للكاتب منها رواية “دليلة وسي عزوز”. بالإضافة إلى كتاب “بالأمثال يتّضح المقال” الذي صدر سنة 1987، وقام بتحقيقه وترجمته من الفرنسية إلى العربية عالم اللسانيات الجزائري “عبد الرحمن الحاج صالح” (1927 -2017) الذي اشتهر بلقب “أبو اللسانيات” و”رائد لغة الضاد في العصر الحديث”، كما اشتهر بمشروعه اللساني “الذخيرة اللغوية العربية”.

إهداء إلى أجيال الجزائر

قام الكاتب بإهداء كتابه قائلا: “إلى الأجيال الصاعدة في بلادي هذا العمل، رجاء أن يجدوا فيه ما يُعزّز إيمانهم بما يزخر به تراث بلادهم من ثروة فكرية وإنسانية عظيمة”. ثم حمّلت المقدمةُ إضاءات حول المثل الشعبي وتاريخه ودوره وخصائصه، فهو تعبيرٌ مُوجزٌ يمتاز بالبلاغة والحكمة، ويختزل في مضمونه تجارب، قد لا يستطيع الإنسان إدراك معانيها، إذا لم يُنفق سنوات من عمره في ممارسة الحياة، ولكن المثلَ يقتصد في عمر الإنسان ويقدّم له في عبارة قصيرة، خلاصة لتجربة أعوام وربما تاريخ. ثم قدّم الكاتب طريقة توزيع الأمثال على أقسام وأبواب بحسب طبيعة موضوعها، فالجزء الأول حَمَل عنوان: “الحياة ونواميسها”، واندرج تحته أبوابٌ هي: القضاء والقدر، تصاريف الدهر والعناية الإلهية، الحيرة والشك والقلق، المظاهر الخدّاعة، الزمان والصبر، السن والتجربة. وهكذا يمضي الكتاب وهو يقدّم لكل مثل تفسيرا وشرحا مُقتضبا.

سياحة في كتاب الأمثال

انطلق معنا أيها القارئ في سياحة عبر أبواب الكتاب، لنتخيّر بعض الأمثلة، ونُقدّمها حرفيا كما وردت. ومن الأمثال التي نقرأها في باب “القضاء والقدر”:

–        “الأيّام ناقصة من عمري، وأنا نعدّ فيها”، (الأيام تمضي من حياتي، وأنا أحسبها)، ومعنى المثل: عندما يكون أحدُنا منتظرًا لحدث سعيد كزواج أو ولادة أو قضاء عطلة أو عودة غائب.. يتمنّى أن تمُرَّ الأيام بسرعة دون أن يشعر بأنها تُقرّب الشخص من الموت، وهم (الناس) يتقبّلونها خاضعين للقضاء والقدر.

–        “أخدم يا الشّاقي للباقي” (اعمل أيها الشّقيُّ لمن سوف يبقى بعدك على قيد الحياة بعد وفاتك). يُضرب هذا المثال غالبا للشخص الذي يعاني الكثير من المتاعب في جمع المال والثروة، ولا ينتفع بها في حياته من فرط بخله، ناسيا أن هناك ناسا آخرين سينتفعون بها بعد موته.

–        “إذا جات تجيبها شعرة، وإذا مشات تقطّع السلاسل” (إذا تساهلت الأمور في إنجاز قضية، يأتي ذلك لأتفه الأسباب، وإذا صعُب ذلك، يكون لتعرّضه لصعوبات شاقة). يقصد به النجاح في الحياة أو مجرد نجاح في مشروع، ويلعب الحظ دورا رئيسيا هنا. يُذكر هذا القول لتبرير نجاح بعض الناس، وإخفاق آخرين بعد وقوعها.

–        “إذا عطاك العاطي، ما تشقى ما تباطي” (إذا أعطاك الله شيئا، لا تشقى ولا تتعب من أجل الوصول إليه). يقوله الناس غيرةً واغتياظا على النعمة والحظوة السريعة التي يحظى بها بعضُهم بدون ما سبب ظاهر.

–        “اللّي ماشي مكتوبة، من الفم تطيح” (الشيء الذي لم يكتبه الله لك، يسقط من فمك). يُستعمل هذا المثل للمواساة في حالة ضياع شيء، أو الفشل في آخر لحظة في قضية من القضايا.

نقرأ في باب “تصاريف الدهر والعناية الإلهية” الكثير من الأمثال التي ما زالت دارجةً بين الناس، ويستعملها الأفراد في أحاديثهم.

–        “هذا اللّي ربي قدّر، واللّي سرح قاع يودّر” (هذا ما قدّر الله، وكل من يملك تضيع منه أشياء). يُقال هذا القول عند الإخبار بضياع أشياء أو خسائر حدثت، اعتذارا أو مواساة.

–        “وقيّة زهر خير من قنطار فهامة” (قليلٌ من الحظ، أفضل من كمية كبيرة من الذكاء). إن العرب يؤمنون كثيرا بالحظ كعامل نجاح في الحياة حتى (أنهم) يقدّمونه على القيمة الذاتية للفرد.

–        “الدار محلولة والمرأة مختولة” (البيت مفتوح، والزوجة مجنونة). يُقال عند اجتماع الكوارث على الإنسان، فلا يستطيع تحمّل التعاسة أكثر ممّا هو فيه، ويكون ذلك في أنحس الأحوال.

–        “الوقت راه تقلّب والحمار ولّى على العَود يجلّب” (إن الحال تغيّرت، وأصبح اللئام أفضل من الكرام). يُشير هذا المثل إلى تقلّبات الدهر، إذ يسطو ذئاب الناس على سرواتهم (أسيادهم).

–        “من عام عشبة خضار ما صبّت أمطار” (المثل مأخوذ من حكاية كانت تُروى في القديم عن فتاة تُدعى عشبة خضار.. فاستعانت بالجنّيات المُحبّات للبشر، فجعلت الأمطار تهطل على البلد المُصاب بالجفاف، فعمّ الخير بتلك الأمطار، حتى لا يزال يذكرونه). يُقال ذلك، بشيء من الحنين، لتذكير الناس بأيام سعيد مضت، وعن حال قد انقضت..

نقرأ في باب “المظاهر الخدّاعة” كثيرا من الأمثال والأقوال الشعبية التي تتراوح بين الحكمة والسخرية وحتى إرشاد الناس في كيفية الحكم على الأشخاص أو الأحداث ببصيرة وتعقّل.

–        “الأعمش في بلاد العمي، كَحل العيون” (يعني أن كل شيء في هذه الدنيا نسبي، وأن قيمة الشيء بما يحيط به، وبالإضافة إلى غيره من الأشياء المجاورة له).

–        “الشبوب يبان في الوسخ” (إن الجمال يتجلّى في الإهمال، يعني أن من هو جميل يكتفي بجماله الطبيعي ولا حاجة له إلى التجميل. يُقال بتهكّم على كل من يُخّصص الوقت الطويل في التجميل والتزيين).

–        “المكسي بمتاع الناس، عريان” (ينطبق هذا القول على كل من يستحوذ على ملك الغير ليتمتع به ويفتخر بذلك، ولكن آجلا أو عاجلا سيُنتزع منه، والحكمة تقتضي بأن نكتفي بما هو ملك لنا بالحق).

–        “المندبة كبيرة والميت فأر” (يُضرب هذا المثل عندما يحدث حادث تافه تُهيَّأ له العدة العظيمة والإجراءات الاستثنائية ويكثر الضجيج من حوله). “ليون روش” يذكر وجها آخر: “الجنازة حامية، والميت كلب”، والمعنى واحد.

–        قدّمنا يعض الأمثال من كتاب “الأمثال الشعبية الجزائرية” لعلّها تستثير المُهتمين بالتراث الشعبي، وتدعوهم إلى نفض الغبار عن بعض الكتب في هذا المجال، وإعادة مراجعتها وطباعتها، للحفاظ عليها وإحياء قواميسها اللفظية. وفي هذا السياق، تدعو جريدة “الأيام” إلى إنجاز عمل “رقمي” للأمثال والأقوال الشعبية الجزائرية، أو منصّة رقمية تسمح للجزائريين بالمساهمة في تجميع هذا التراث وإعادة تفعيله في الحياة اليومية.