2025.01.13
بحثا عن عروس لفاتح \ مقالات رأي

بحثا عن عروس لفاتح "أورسليم"!


وحيد حمود
04 ديسمبر 2025

وراء كلّ "بوتوكس"، "بوكس". إذ إنّ للكلمة تضاريس لا تقلّ شأنًا عن أيّ تضاريس نعرفها، فهي مثل أيّ شيءٍ، تُنفَخ، فتراها تارةً ممطوطة وتارةً ممغوطة وفي أسوأ الأحوال ممقوتة. على العموم لا شأن لنا بالتضاريس وما يجري وراء الكواليس.

 "البوكس" المذكور هنا ككلمة يأتي بمعنى لكمة، أما فيما يخص "بوكس" السعادة - أي صندوقها - المتخفّي داخل الوجه الجميل والقوام النحيل فحدّث ولا حرج. المهم أيّها المجذوب والمهووس ألّا تنسى أنّ الحَدَبة هي رمز الجَمال لدى الجِمال.

أين كنّا؟ سأحتسي رشفةً من فنجان قهوتي، وألفّ ركبتي على الكنبة، وأنظر في الحائط أمامي لعلّي أستوحي منه شيئًا. حدّقت في وجهه المطليّ بشكلٍ جيّد، والمستقيم، لم أجد ما يُعيبه، لكنّه مثلي الآن، صامتٌ هادئ، وربّما يتأمّلني هو الآخر ويراني حائطًا من لحمٍ ودم، هل فكّر أحدكم بماذا قد تفكّر الحيطان؟ حسنًا، قلت في سرّي، لو كان هذا الحائط مخدوشًا ومليئًا بالثقوب والخربشات، كنت ربّما لأهرب من ملاقاته، إلى أن أقوم بإصلاحه وطلائه بشكلٍ جيّد، أتعرفون لمَ؟ لأنّ الجدار الصامت الهادئ الذي لا يتدخّل بما نفكّر ولا يعنيه أمرنا البتّة، رغم ذلك لن نتقبّل إلا هيئته التي نحبّها نحن. هل وصلت الفكرة؟

أنا والحائط، والقلم الأسود في جيبي يناديني نحو الأعمق، وأنا ما عندي تجربةٌ في الحبّ ولا عندي زورق. كذبةٌ كبرى هذه، احذفوها، لكنّني سأتركها لكي أكتب خمسمائة كلمة على الأقل. بالمناسبة ما زلت مشوّشًا، إذ إنّ في رأسي ألف فكرةٍ متناقضة وأريد أن أضعها في الخلّاط وأُخرجها في نص.

تتناقل الألسن في منطقتنا جملة: لو رأى الجَمل حَدَبته لوقع وكسر رقبته. ربّما يكون هذا القول دخيلًا ها هنا، ولكنّه يحكي قصة عاينت تفاصيلها وعايشتها، عن جارتنا "أم سليم"، إذ إنّها كانت تملك بطنًا يشبه بساتين "طرابلس" الفيحاء كما يدّعون، والبساتين الطرابلسية القديمة فيها أشكالٌ وألوان، وكانت جارتنا ترى في ابنها "سليم" الشّتلة - خرّيج بستانها - الغزال الذي لم يُخلق مثله، وكانت الجارات ومن بينهنّ أمّي - آمل ألّا تقرأ ما أكتبه هنا عنها - يضحكن في وجه "أم سليم"، يصلّين على النبي كلّما رأينَ ابنها ويمدحن جماله، ثمّ يتهامسن عليه وعلى أمّه سرًّا: القرد في عين أمّه غزال. ومن زاويةٍ أُخرى، فإن "أم سليم" لم تكن لترى ابنها فائق الجمال وحسب، بل بطلًا خارقًا من أبطال هذا الزمان، وكانت تتمتّع إلى جانب ذلك بقدرٍ هائلٍ من الغباء، أو قُل البساطة والسّذاجة، بما يكفي لأن تقول أمام الجارات: ابني سليم سيفتح أورسليم، وقد أسميته على اسمها. وكان الجميع يجاريها في الأمر ويختم على كلامها بالتأكيد، أمّا "أورسليم" فانسوها أيضًا، فإنّ صاحبة حرف الشين التي تعرفونها جميعًا قد نُسيَت!

كبُرت الكذبة، وكبُرت معها الخسّة في رأس سليم، وسليم ذاك كان يملك وجهًا دائريّا ضخمًا كرغيف خُبز في التنّور، وكانت الثقوب في خبز التنّور تتآخى وثقوب وجه سليم، هذا وكان لديه أنفٌ تسبّب في ثقب الأوزون، أمّا أذناه فكانتا كجناحي خفّاش يصارع الضّوء. هذا ليس مهمًّا، إنّه وصفٌ خارجيّ بَحت، ولكنّ المهم هو أنّه كان يشترط على أمّه أن تختار له عروسًا تليق بجماله، نعم، هذا ما كان يقوله حرفيّا: أريد امرأةً تليق بجمالي. وكانت أمّه ترد عليه: "يقبرني جمالك سلّومة". حسبي الله ونعم الوكيل في سليم وأمّه وأفكار هذا النص.

كانت "أم سليم" تملك أصابع جيّدة تستخدمها في فحص الجمال الطبيعي، فإذ بها تشدّ شعر فتاة لكي تختبر قوّة بصلات شعرها حتى تكاد تنزع البصل والمحصول كله، وتقرص خدّ أُخرى لترى إن كان تورّده حقيقيّا أم مصطنعًا، وتضع سبّابتها والإبهام كالكمّاشة فوق شفتَي فتاة لتتأكّد من خلوّهما من النفخ، ناهيك عن صفعها لمؤخّرة فتاة عجزاء لكي تطمئنّ على مستقبل ولدها كما كانت تقول. إذ إنّ النساء في منطقتنا يربطن مستقبل أولادهنّ بحجم المؤخّرات. ولا أريد أن أجادل في هذه النظرية الخنفشارية.

هذا كلّه، ولم يكن ليعجب "أم سليم" العجب، إذ إنّها تريد لابنها عروسًا تليق بجماله.

مرّت الأيّام، شاخت "أمّ سليم" ولم تجد عروسًا لابنها الذي تحوّل مع مرور الوقت إلى طبلٍ شائب وأصلع، وظلّت على ما كانت عليه من جنون: لا تتزوّج إلا من تناسب جمالك سلّومة.

رحم الله "بشار بن بُرد"، ذاك الشاعر الأعمى حين قال:

وذات دلٍّ كأنّ البدر صورتها -- باتت تغنّي عميد القلب سكرانا

إنّ العيون التي في طرفها حَوَرٌ -- قتلننا ثمّ لم يحيينا قتلانا

حين قرأت هذين البيتين تأكّدت أنّ الجمال يُحسّ ولا يُرى، وأنّ أي سليمٍ سيفتّش عنه لن يراه ما لم يشعر به.

أقفل النص أيها الكاتب.