الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

برئاسة الجزائر.. أزمة الساحل على طاولة مجلس السلم والأمن الإفريقي

Author
الأيام نيوز 08 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

عقد مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، برئاسة الجزائر، اجتماعا خصص لبحث تطورات الأوضاع السياسية والأمنية والإنسانية في منطقة الساحل، إلى جانب التحديات المرتبطة بحقوق الإنسان والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وناقش المشاركون الجهود القارية والإقليمية والدولية الرامية إلى مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، ودعم استقرار دول المنطقة وتعزيز مؤسساتها، ضمن مقاربة تجمع بين الأمن والتنمية ومعالجة مسببات الأزمات.

وسبق الاجتماع عقد جلسة تنسيقية جمعت دول الساحل ودول الجوار لتبادل الرؤى حول التطورات الراهنة، في ظل تصاعد المخاطر الأمنية والإنسانية التي تواجه المنطقة. وأبرز سفير الجزائر وممثلها الدائم لدى الاتحاد الإفريقي، محمد خالد، خلال الجلسة الافتتاحية، حجم التحديات التي يفرضها انتشار الإرهاب والجريمة المنظمة، إلى جانب الأزمات الإنسانية وانعدام الأمن الغذائي وتصاعد الهجرة غير النظامية.

وشدد السفير الجزائري على الترابط الوثيق بين استقرار الساحل وأمن القارة الإفريقية، داعيا إلى تعزيز التنسيق والتعاون بين دول المنطقة لمواجهة التهديدات العابرة للحدود. ورحب رئيس المجلس بالديناميكية الجديدة التي تبديها دول الساحل لتطوير علاقاتها مع دول الجوار، معتبرا هذا التوجه مؤشرا على تنامي الحاجة إلى عمل إقليمي مشترك لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة.

ويستهدف الاجتماع الوصول إلى توصيات عملية تدعم العمل الإفريقي المشترك وتدفع جهود ترسيخ الأمن والتنمية المستدامة. وفي هذا السياق، قدم مفوض الشؤون السياسية والسلم والأمن بالاتحاد الإفريقي، بانكولي أديوي، والممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مكتب الأمم المتحدة لغرب إفريقيا والساحل، ليوناردو سانتوس سيماو، إحاطتين حول الجهود الدولية والقارية والإقليمية الرامية إلى دعم الأمن وسلطة الدولة وتعزيز الاستقرار.

وتناولت الإحاطتان استمرار التحديات الاقتصادية التي تواجه دول الساحل، رغم تسجيل بعض اقتصادات المنطقة مؤشرات على الصمود، إلى جانب الجهود التي يقودها الاتحاد الإفريقي عبر الانخراط السياسي رفيع المستوى والدبلوماسية الوقائية ودعم الحوار. وشملت هذه الجهود الزيارة التي قام بها رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، إلى مالي وبوركينافاسو خلال شهر جويلية الماضي، ضمن مساعي دعم الاستقرار والحوار.

التعاون الإقليمي في مواجهة تهديدات الساحل

وضع مجلس السلم والأمن تعزيز التعاون بين دول الساحل ودول الجوار ضمن أولويات التعامل مع التهديدات الأمنية، داعيا إلى مواصلة الحوار مع سلطات دول المنطقة لدعم مسارات وطنية شاملة وذات مصداقية. وشدد المجلس على تطوير التعاون بين الاتحاد الإفريقي والدول الأعضاء والمجموعات والآليات الإقليمية المعنية، بما يسمح ببناء استجابة جماعية للإرهاب والجريمة المنظمة.

وتشمل هذه الاستجابة تكثيف تبادل المعلومات، وتعزيز أمن الحدود، وتطوير العمليات المشتركة، إلى جانب دعم قدرات الإنذار المبكر والوقاية من النزاعات ومكافحة التطرف العنيف وتجفيف مصادر تمويل الإرهاب. وترتبط فعالية هذه الآليات بقدرة دول المنطقة على تنسيق جهودها وتبادل المعطيات الأمنية بصورة منتظمة، خصوصا في المناطق الحدودية التي تستغلها الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة.

وليد عتلم، باحث بالمركز الوطني للدراسات في القاهرة

ويرى الكاتب والباحث الرئيسي بالمركز الوطني للدراسات في القاهرة، وليد عتلم، أن فرص تحويل توصيات مجلس السلم والأمن إلى إجراءات عملية تظل قائمة، لكن التحدي الرئيسي يكمن في الفجوة بين القرار السياسي والتنفيذ الميداني. ويوضح أن القارة الإفريقية لا تفتقر إلى المبادرات أو البيانات، وإنما تواجه صعوبة في نقل القرارات إلى مؤسسات تمتلك التمويل والقدرات والأدوات الضرورية لتنفيذها.

ويعتبر عتلم أن نجاح توصيات المجلس يحتاج إلى آليات تنفيذية واضحة تحدد المسؤوليات والموارد وأدوات المتابعة، حتى تنتقل القرارات من مستوى التوافق السياسي إلى برامج قابلة للتطبيق على الأرض. ويربط الباحث فعالية هذه الآليات بوجود تمويل مستدام وقدرات مؤسسية تسمح للدول المعنية بتنفيذ الالتزامات التي تتفق عليها الهيئات القارية والإقليمية.

الإنذار المبكر يبدأ من جذور الأزمة

يضع عتلم إنشاء منظومة إقليمية متكاملة للإنذار المبكر ضمن الأولويات، على أن تجمع بين المعلومات الأمنية والمعطيات الاجتماعية والاقتصادية والمناخية. ويرى أن مؤشرات مثل ارتفاع أسعار الغذاء، وموجات الجفاف، والنزوح الجماعي، وتصاعد خطاب الكراهية بين المجموعات الإثنية، والتحركات غير المعتادة عبر الحدود، تستطيع تنبيه الدول إلى أزمات أمنية قبل تحولها إلى تهديدات واسعة.

ويشير الباحث إلى أن الإنذار المبكر الفعال يحتاج إلى رصد البيئة التي تنتج الأزمات قبل تحرك الجماعات الإرهابية. ويستدعي ذلك ربط المعطيات الأمنية بمؤشرات الفقر والبطالة والأمن الغذائي والتغير المناخي والنزوح، بما يسمح للدول بالتدخل في مراحل مبكرة والحد من تحول الأزمات الاجتماعية والاقتصادية إلى تهديدات أمنية.

ويمنح هذا التصور الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية موقعا أساسيا ضمن استراتيجية مواجهة الإرهاب في الساحل، إذ إن المعالجة الأمنية وحدها لا توفر استجابة مستدامة في مناطق تعاني هشاشة اقتصادية وتحديات مناخية وضغوطا اجتماعية متزايدة. ويحتاج العمل القاري إلى الجمع بين الوقاية الأمنية ودعم التنمية وتحسين الظروف المعيشية وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة للأزمات.

ويرى عتلم أن تعزيز أمن الحدود يحتاج إلى تطوير أدوات المراقبة والاستطلاع وتوظيف التكنولوجيا وقواعد البيانات المشتركة، إلى جانب تسهيل تبادل المعلومات بين الدول. وتتيح هذه الآليات للأجهزة المختصة رصد التحركات المشبوهة بصورة أسرع، وملاحقة شبكات الإرهاب والجريمة المنظمة التي تستفيد من اتساع الحدود وضعف التنسيق بين الأجهزة والدول.

الأمن والتنمية في صلب المقاربة الجزائرية

يتصل النقاش حول مستقبل الساحل برؤية أوسع تتبناها الجزائر تجاه قضايا الأمن الإفريقي، تقوم على الجمع بين الحلول السياسية والتعاون الإقليمي ودعم التنمية. ويرى الباحث في الشؤون الوطنية والدولية عبد الرحمان بوثلجة أن احتضان الجزائر للندوة الرفيعة المستوى حول السلم والأمن في إفريقيا ينسجم مع رصيدها في المبادرات المرتبطة بتسوية النزاعات ودعم الحوار.

عبد الرحمان بوثلجة، أستاذ وباحث في الشؤون الوطنية والدولية

وأوضح بوثلجة أن الدبلوماسية الجزائرية اعتمدت منذ الاستقلال على الحوار والمبادرات السلمية واحترام القانون الدولي في التعامل مع الأزمات، مع تراكم خبرة في الوساطة وتسوية النزاعات داخل إفريقيا وخارجها. ويرى أن هذه الرؤية تمنح الجزائر مساحة للمساهمة في تطوير آليات التعاون الإفريقي، خاصة عبر مسار وهران الذي يوفر إطارا للتنسيق بين مجلس السلم والأمن الإفريقي ومجلس الأمن الدولي.

وتستضيف الجزائر يومي 1 و2 ديسمبر المقبل الندوة الثالثة عشرة رفيعة المستوى حول السلم والأمن في إفريقيا، ضمن مسار وهران الذي أطلقته الجزائر لتعزيز التنسيق بين مجلس السلم والأمن الإفريقي ومجلس الأمن الدولي، ودعم حضور القارة في النقاشات والقرارات المرتبطة بقضايا الأمن والاستقرار.

وجاء الإعلان عن احتضان الجزائر للندوة خلال اجتماع مجلس السلم والأمن الإفريقي برئاسة الجزائر، الذي خصص أيضا لمناقشة أنشطة المجموعة الإفريقية في مجلس الأمن الدولي، المعروفة باسم مجموعة «A3». ويمنح هذا الربط بين اجتماع المجلس والتحضير للندوة المقبلة بعدا أوسع للتحرك الإفريقي، من خلال الجمع بين معالجة الأزمات داخل القارة وتعزيز حضور المواقف الإفريقية في المؤسسات الدولية.

مسار وهران.. توحيد الموقف الإفريقي

أبرز مجلس السلم والأمن أهمية الندوة المرتقبة باعتبارها منصة للحوار والتشاور بين المجلس ومجموعة «A3»، وفرصة لدعم القيادة الإفريقية في معالجة قضايا السلم والأمن على المستويين الإقليمي والدولي. وجدد المجلس التزامه بتعزيز الموقف الإفريقي الموحد داخل مجلس الأمن، في وقت تواجه فيه القارة أزمات أمنية وسياسية واقتصادية متداخلة.

وافتتح السفير محمد خالد، بصفته الرئيس الحالي لمجلس السلم والأمن الإفريقي، الاجتماع الخاص بأنشطة مجموعة «A3»، مشددا على أهمية وحدة المجموعة في الدفاع عن مصالح القارة أمام المجتمع الدولي. ودعا إلى مواصلة العمل المشترك لدعم المواقف الإفريقية وتنفيذها في الملفات المرتبطة بالسلم والأمن، مع منح الدول الإفريقية قدرة أكبر على التأثير في النقاشات الدولية المتعلقة بأزماتها وتحدياتها.

وشدد خالد على ضرورة التحضير الجيد للاجتماع التشاوري السنوي بين مجلس السلم والأمن الإفريقي ومجلس الأمن الدولي، بما يعزز حضور قرارات الاتحاد الإفريقي في معالجة قضايا القارة. وأبرز دور مجموعة «A3» وبعثة الاتحاد الإفريقي لدى الأمم المتحدة في تنسيق المواقف الإفريقية، مستحضرا الديناميكية التي طبعت عمل المجموعة خلال عضوية الجزائر السابقة في مجلس الأمن، والتي منحت العمل الإفريقي المشترك زخما داخل مختلف آلياته.

ويرى بوثلجة أن أهمية مسار وهران ترتبط بقدرته على جمع المواقف الإفريقية قبل طرحها أمام مجلس الأمن، بما يمنح القارة قدرة أكبر على الدفاع عن أولوياتها بدل تحرك كل دولة بصورة منفردة. ويحتاج توحيد المواقف إلى تنسيق مستمر بين المؤسسات الإفريقية والدول الأعضاء في مجلس الأمن، إلى جانب تطوير آليات تضمن انتقال التوافق السياسي إلى برامج قابلة للتنفيذ.

التعاون والتنمية ركيزتان للأمن الإفريقي

يرى الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية مصطفى كمال دماني أن التطورات الأمنية في الساحل أظهرت أهمية المقاربة القائمة على الحوار ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول. ويشير إلى أن المعالجات العسكرية وحدها لم تحقق الاستقرار في عدد من بؤر التوتر، بينما ساهمت هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في توفير بيئة مناسبة لنشاط الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة.

مصطفى كمال دماني، باحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية

ويبرز دماني أهمية التعاون الأمني الإقليمي والقاري في مواجهة هذه التحديات، بدل الاعتماد على ترتيبات أمنية خارجية. ويرى أن الجزائر تدفع باتجاه تعزيز قدرات الدول الإفريقية وتبادل الخبرات بينها، مع اعتماد الحلول الدبلوماسية في تسوية النزاعات، مستشهدا بالدور الجزائري في رعاية مسار السلام والمصالحة في مالي نموذجا للحوار والتفاوض.

ويربط الباحث بين الأمن والتنمية، مشيرا إلى أن مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة تحتاج إلى معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تساعد الجماعات المتطرفة على استقطاب الشباب. ويضع توفير فرص العمل وتحسين الخدمات ودعم الاستقرار المحلي ضمن العناصر الضرورية لتقليص البيئة الحاضنة للتطرف، مشيرا إلى تخصيص الجزائر تمويلا بقيمة مليار دولار لتمويل مشاريع تنموية في عدد من الدول الإفريقية.

ويضيف دماني أن مواجهة التهديدات الأمنية تحتاج أيضا إلى تجفيف مصادر تمويل الإرهاب ومحاصرة اقتصاد الجماعات الإرهابية، عبر تطوير التشريعات وتجريم تمويل الإرهاب وتعزيز التعاون بين الأجهزة المختصة. ويمنح تبادل الخبرات والتكوين الأمني، وفق طرحه، أهمية كبيرة في بناء قدرات إفريقية قادرة على التعامل مع تهديدات تتغير أدواتها ومساراتها.

تمويل مستدام وشراكات تحفظ القرار الإفريقي

في ختام مداولاته، دعا مجلس السلم والأمن إلى تكثيف المساعدات الإنسانية للنازحين واللاجئين والدول المضيفة، وضمان وصولها بصورة آمنة ومنتظمة. ووجه المجلس نداء إلى المؤسسات المالية الإفريقية والدولية وشركاء التنمية لمواصلة دعم برامج التعافي الاقتصادي وبناء القدرة على الصمود، مع التركيز على الفقر والبطالة وانعدام الأمن الغذائي والآثار المتزايدة للتغير المناخي.

ويضع عتلم التمويل المستدام ضمن الشروط الأساسية لإنجاح هذه الجهود، مشيرا إلى صعوبة مطالبة دول تعاني ضعف الموارد والمؤسسات ببناء منظومات أمنية متطورة من دون دعم مالي طويل الأمد. ويرى أن المؤسسات المالية الإفريقية والدولية وشركاء التنمية يستطيعون دعم بناء القدرات وتعزيز المؤسسات ودفع برامج الاستقرار، مع ضرورة توجيه التمويل وفق أولويات الدول الإفريقية واحتياجاتها.

ويحذر الباحث من استخدام الدعم الخارجي لإعادة إنتاج التبعية السياسية والأمنية، داعيا إلى صياغة شراكات تمنح الدول الإفريقية قدرة أكبر على إدارة أمنها ومواجهة أزماتها بوسائل مستدامة. وتنسجم هذه الرؤية مع توجه مجلس السلم والأمن نحو مقاربة شاملة تجمع الأمن والتنمية والحوكمة، وتمنح التعاون الإقليمي دورا أساسيا في معالجة أزمات الساحل.

وتتجه الجزائر، من خلال رئاسة مجلس السلم والأمن واحتضان الندوة الثالثة عشرة لمسار وهران، إلى دفع مسارين متوازيين: تعزيز قدرة الدول الإفريقية على معالجة أزماتها داخل القارة، وتقوية حضور مواقفها في المؤسسات الدولية. ويطرح هذا التوجه أمام الاتحاد الإفريقي تحديا عمليا يتمثل في تحويل التوافقات السياسية إلى آليات تنفيذية تمتلك التمويل والأدوات والقدرات اللازمة.

وتبقى أزمة الساحل اختبارا رئيسيا لهذه الرؤية، في ظل تداخل الإرهاب والجريمة المنظمة والفقر والهجرة غير النظامية والأزمات الغذائية والمناخية. ويحتاج التعامل مع هذه الملفات إلى تعاون إقليمي مستمر، ومؤسسات وطنية أكثر قدرة، وتبادل منتظم للمعلومات، وآليات إنذار مبكر قادرة على رصد جذور الأزمات قبل تفاقمها. ومن هذا المنظور، تحمل تحركات الجزائر داخل مجلس السلم والأمن ومسار وهران رهانا على منح القارة قدرة أكبر على صياغة حلولها والدفاع عن أولوياتها، مع ربط الأمن بالتنمية والحوار والاستقرار المؤسسي.