الأحد : 02-10-2022

بريطانيا تنكأ جراح فرنسا وتفسد حسابات ماكرون الانتخابية

خطفت الحادثة المأساوية لوفاة 27 مهاجرا غرقا في قناة المانش الأنظار التي تركّزت منذ أيام على أزمة المهاجرين عند الحدود البيلاروسية البولندية، وهذه المرة لم يعد الأمر متعلقا بالموقف من نظام يصنفه الأوروبيون ديكتاتوريا بل يضع ديمقراطيتين أوروبيتين وجها لوجه ليزيد في تعقيد العلاقات الثنائية بينهما.

راسل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون منتقدا فرنسا وقائلا بأنها لا تقوم باللازم لمنع تدفق المهاجرين غير النظاميين من منطقة كالي شمال فرنسا نحو بريطانيا عبر المانش، وقد جاء الرد الفرنسي متشنجا، حيث وصف المتحدث باسم الحكومة غابريال أتال الرسالة بغير اللائقة، أما الرئيس ماكرون فقد اعتبر نشر جونسون لرسالته إلى ماكرون على تويتر بأنها علامة على عدم الجدية في التعامل، وبعدها أعلنت باريس أن وزيرة الداخلية البريطانية لم تعد مدعوة إلى الاجتماع الذي سيعقد بفرنسا الأحد المقبل لدراسة ملف الهجرة، وقد رد جونسون بتغريدة جديدة يؤكد فيها بأنه غير نادم على نشر الرسالة عبر تويتر.

اعتراض على الشكل

مسألة المهاجرين الذين يصلون بريطانيا من فرنسا موضوع قديم يثير أزمة جديدة في علاقات متوترة بين باريس ولندن، فمنذ سنة 2016، تاريخ تفكيك مخيم اللاجئين في كالي، والذي يعرف باسم الأدغال، لم يتوصل الفرنسيون والبريطانيون إلى توافق كامل حول كيفية حل هذه الأزمة، وبعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مطلع سنة 2020 تعمقت الخلافات بين البلدين اللذين يخوضان مواجهة اقتصادية مفتوحة بخصوص الصيد، وتشير التقديرات البريطانية إلى أن نحو 25 ألف مهاجر دخلوا الأراضي البريطانية بطريقة غير نظامية منذ بداية السنة الجارية وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف عدد المهاجرين الذين نجحوا في بلوغ الأراضي البريطانية خلال السنة الماضية، وعشرة أضعاف الوافدين قبل ثلاث سنوات.

الرد الفرنسي المتشنج على نشر رسالة جونسون عبر تويتر، وليس على المطالب التي تضمنتها، يعكس ارتباط الموضوع بالرهانات السياسية الداخلية الفرنسية، خاصة ما تعلق بالانتخابات.

في المضمون طالب جونسون الرئيس الفرنسي بالعمل على التوصل إلى اتفاق تقبل بموجبه فرنسا استعادة المهاجرين الذين يصلون إلى بريطانيا عبر المانش بطريقة غير نظامية، ولم تعلق فرنسا على مضمون الطلب البريطاني بقدر ما ركزت على طريقة التعامل التي اعتبرتها غير لائقة، وهو ما يؤكد الحرج الذي شعر به ماكرون من نشر الرسالة.

الحاصل أن المطالب البريطانية الموجهة إلى فرنسا ليست جديدة، وفي حالات سابقة أخذت طابع التهديد ووصفته فرنسا بالابتزاز غير المقبول كما حدث عندما طُرح اقتراح في بريطانيا بتجميد أموال بقيمة 62.7 مليون يورو، كانت قد تعهدت لندن بتقديمها لفرنسا لتمويل الدوريات شمال فرنسا، وطلب لندن بتشكيل مركز قيادة مشترك بين القوات البريطانية والفرنسية على الأراضي الفرنسية لتسيير عمليات منع المهاجرين من عبور المانش، وهو طلب اعتبرته فرنسا متعارضا مع سيادتها الوطنية، ومن هنا يمكن اعتبار ما يطالب به جونسون في رسالته أمرا منسجما تماما مع توجهات السياسة البريطانية بخصوص الهجرة التي تتعامل معها لندن بتشدد أكبر منذ انسحابها من الاتحاد الأوروبي، وهي تركز في مطلبها على أن الاتحاد الأوروبي توصَّل إلى اتفاقيات مماثلة مع دول تقع على حدوده الشرقية من أجل منع وصول المهاجرين من آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا.

السلطات الفرنسية متهمة بالخضوع لبريطانيا، ويقول اليمينيون المعارضون لماكرون إن فرنسا تحولت خلال السنوات الخمس الماضية إلى شرطي يحرس الحدود البريطانية.

الخبراء الفرنسيون يعرفون جيدا أن لا حل في الأفق، وأن السنة القادمة لن تكون مناسبة في كل الأحوال لتناول موضوعي لملف الهجرة بسبب الانتخابات، فضلا عن كون هذه المسألة تتطلب معالجة متعددة الأطراف تعتمد مقاربات متكاملة تتجاوز مجرد المنع والطرد لتصل إلى البحث عن حلول للتكفل بهؤلاء المهاجرين وتوزيعهم على الدول الأوروبية بشكل أكثر عدلا، وهي حلول لا يمكن صياغتها في القريب العاجل، في حين أن لندن تركز على ضرورة اتخاذ إجراءات فورية بخصوص تشديد الرقابة على المهاجرين وتعزيز الدوريات الليلية.

حسابات انتخابية تُشعل الغضب

الرد الفرنسي المتشنج على نشر رسالة جونسون عبر تويتر، وليس على المطالب التي تضمنتها، يعكس ارتباط الموضوع بالرهانات السياسية الداخلية الفرنسية، خاصة ما تعلق بالانتخابات، فالسلطات الفرنسية متهمة بالخضوع لبريطانيا، ويقول اليمينيون المعارضون لماكرون إن فرنسا تحولت خلال السنوات الخمس الماضية إلى شرطي يحرس الحدود البريطانية، وهم يعارضون قيام بريطانيا بدراسة طلبات اللجوء إليها قبل أن يسمح لأي من طالبي الهجرة بمغادرة التراب الفرنسي، وهو نفس الأسلوب الذي اعتمدته الدول الأوروبية مع موجة المهاجرين في منتصف العقد الماضي، ومن الناحية الرمزية يضع السلوك البريطاني فرنسا في موقع دولة من العالم الثالث وهو ما ينكأ الجراح النازفة للكبرياء الفرنسي الذي يتضخم أكثر في المناسبات الانتخابية، رغم أن باريس لا تجد الدعم الكافي من الاتحاد الأوروبي كما حدث لها في أزمتها السابقة مع لندن بسبب إلغاء أستراليا لصفقة بناء الغواصات، وقد أبدى الأوروبيون خضوعا كاملا للإٍرادة الأمريكية التي تعيد بناء التحالفات تحسبا لصراع طويل الأمد مع الصين.

يدرك إيمانويل ماكرون جيدا أن ما فعله بوريس جونسون ومواقف بريطانيا ستتحول إلى موضوع في حملة انتخابات الرئاسة الفرنسية التي ستجري العام المقبل، وقد بدأ خصومه السياسيون يقدمونه كرمز لتراجع فرنسا على الساحة الدولية الذي يعجز عن مواجهة التحديات التي تفرضها تحولات عميقة في العلاقات الدولية يطبعها تحول الصراع على قيادة العالم إلى منطقة المحيطين الهادي والهندي، ولا يملك الرئيس الفرنسي الذي يأمل في البقاء في منصبه لخمس سنوات أخرى، سوى سحب سفرائه لفترة محدودة أو إلغاء اجتماعات وزارية أو حتى رفض تلقي مكالمات هاتفية من قادة الدول التي تعتبر طرفا في تلك الخلافات، وهي إجراءات شكلية للحفاظ على كبرياء جريح لا تلبث أن تختفي، تاركة المجال لحقيقة ملموسة تفيد بأن لا أوراق ضغط حقيقية بيد باريس تمنحها القدرة على تقمص دور اللاعب الدولي المؤثر.