الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

بعد إعلان التوجيه الجامعي.. كيف يتجاوز الطلبة صدمة التخصص غير المرغوب؟

Author
إيمان بن يمينة 31 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

شكّل إعلان نتائج التوجيه الجامعي، الصادرة أمس، محطة مفصلية في حياة آلاف الناجحين في شهادة البكالوريا، إذ وجد كثير منهم أنفسهم أمام تخصصات توافق طموحاتهم، بينما اضطر آخرون إلى مواجهة خيارات لم تكن ضمن رغباتهم الأولى، وسط ضغوط أسرية وتحديات نفسية قد تؤثر في قدرتهم على التكيف مع الحياة الجامعية.

وترافق هذه المرحلة مشاعر متباينة تتراوح بين الفرح بتحقيق الرغبات والقلق أو الإحباط لدى من وُجّهوا إلى تخصصات لا تنسجم مع ميولهم، لتطرح تساؤلات حول قدرة الطالب على تقبل مساره الأكاديمي الجديد والاندماج فيه.

وتبرز الأسرة بوصفها أحد أبرز العوامل المؤثرة في هذه المرحلة، إذ ينظر كثير من الأولياء إلى التوجيه الجامعي باعتباره بوابة لضمان مستقبل مهني واجتماعي مستقر لأبنائهم، انطلاقاً من خبراتهم الحياتية وتصوراتهم للتخصصات التي توفر فرصاً أكبر في سوق العمل.

وفي ظل هذه الضغوط، يجد بعض الطلبة أنفسهم أمام معادلة صعبة تجمع بين الرغبة في دراسة التخصص الذي ينسجم مع شغفهم، والسعي إلى إرضاء الأسرة، والالتزام بما أفرزته معدلات التوجيه الجامعي، وهو ما قد ينعكس على استقرارهم النفسي وقدرتهم على التأقلم مع البيئة الجامعية الجديدة.

وأمام هذا الواقع، يطرح هذا التقرير الإشكالية التالية: كيف تؤثر ضغوط الأسرة في تقبّل الطالب لتخصصه الجامعي؟ وما التداعيات النفسية التي قد تترتب على الالتحاق بمسار دراسي لا ينسجم مع تطلعاته وشغفه؟

سيكولوجيا الصراع بين الشغف والإكراه

تقارب الأخصائية النفسية، الدكتورة زينب التواتي، في حديثها لموقع “الأيام نيوز”، هذه الظاهرة من زاوية الصحة النفسية والضغط الانفعالي المركب الذي يعيشه الطالب لحظة تلقي نتائج التوجيه.

وتوضح الدكتورة التواتي أن إجبار الطالب على تخصص فرضته الأسرة أو وضعه في مسار يناقض ميوله العقلية والعاطفية يضع الجهاز العصبي والنفسي في حالة استنفار ودفاع دائمين، حيث يتولد لديه شعور عميق بالعجز الإدراكي وفقدان السيطرة على رسم مسار حياته المستقبلي.

وترى التواتي أن قبول الطالب لتخصصه المفروض لا يتم بقرار لحظي أو بسلاسة، بل يمر بمراحل حادة من الصراع الداخلي والقلق المزمن تشبه إلى حد كبير مراحل التعامل مع الصدمات النفسية. فالإنسان يحتاج إلى دافعية ذاتية ينبع جذرها من الشغف والاهتمام الشخصي لتحقيق الإبداع والنمو الذهني؛ وعندما يغيب هذا المحرك الداخلي ويحل محله الخوف من غضب الأسرة أو الرغبة في نيل رضاها، يتحوّل التحصيل الدراسي من تجربة استكشاف ممتعة إلى عبء نفسي ثقيل يستنزف طاقة الطالب العقلية والانفعالية يومياً.

 

مخاطر غياب الدعم العاطفي

تشير الأخصائية النفسية إلى أن النتائج الصادرة يوم أمس، تفرز حتماً حالات من الإحباط والشعور بالظلم لدى الطلاب الذين وجدوا أنفسهم في تخصصات بعيدة عن شغفهم، مؤكدة أن غياب الدعم العاطفي الأسري المتقبل لواقع النتائج يفاقم من حدة الوضع، الذي يدفع بعض الطلاب نحو الانسحاب النفسي التام، والانعزال، أو التفكير المستمر في إعادة امتحان البكالوريا أو تغيير التخصص، ما يهدد استقرارهم النفسي في مرحلة عمرية حرجة.

 

اضطراب في التوافق النفسي

تتوافق الطروحات النفسية للدكتورة زينب التواتي مع ما توصلت إليه أبحاث أكاديمية ميدانية حقيقية تناولت الظاهرة في البيئة الجامعية الجزائرية. فقد كشفت دراسة ميدانية منشورة للباحث أمين محفوظي أُجريت بجامعة يحيى فارس بالمدية بعنوان “الرضا عن التخصص الدراسي وعلاقته بالتوافق النفسي لدى طلبة سنة أولى جامعي”، أن هناك ارتباطاً وثيقاً ودالاً إحصائياً بين مستوى رضا الطالب عن توجيهه وتخصصه، ومستوى توافقه النفسي والوجداني داخل أسوار الجامعة.

وأظهرت نتائج الدراسة الميدانية المنشورة عبر البوابة الجزائرية للمجلات العلمية ASJP أن انخفاض الرضا عن التخصص الموجه إليه الطالب – والذي يحدث غالباً نتيجة القيود الإدارية الصارمة أو الضغوط المحيطة – يؤدي مباشرة إلى اضطراب حاد في التوافق النفسي والدراسي خلال السنة الأولى؛ حيث يعاني هؤلاء الطلبة من مشاعر اغتراب وتدني دافعية الإنجاز، ما يصعّب من قدراتهم على التكيف السليم مع متطلبات المرحلة الجامعية الجديدة.

وتدعم هذه الخلاصات العلمية رؤية الخبيرة النفسية التي تؤكد أن غياب الرغبة الشخصية وفرض التخصصات الدراسية يجهضان قدرة الطالب على العطاء، ويحوّلان خطوته الأولى في الحرم الجامعي من مشروع تميز علمي إلى بيئة خصبة للتعثر الأكاديمي والأزمات النفسية.

تداعيات الضغط على الدافعية والتحصيل

تؤكد الدكتورة زينب التواتي أن تأثير الضغط الأسري لا يتوقف عند حدود الانزعاج العاطفي المؤقت في الأيام الأولى لإعلان النتائج، بل يمتد ليؤثر بصورة مباشرة على الوظائف المعرفية، ودافعية التعلم، والقدرة على التركيز والاستيعاب.

فالطالب الذي يدرس تخصصاً لا يرغبه لمجرد الاستجابة لرغبة الوالدين، يعيش حالة دائمية من التنافر المعرفي بين ما يدرسه وبين ما يتمناه، ما يؤدي إلى تراجع معدلات الاستذكار وزيادة احتمالات التعرّض للاحتراق النفسي الأكاديمي المبكر خلال السنوات الجامعية الأولى.

اهتزاز الكفاءة الذاتية

توضح الخبيرة النفسية أن بناء الشخصية المستقلة والمتوازنة للمراهق والشباب يتطلب منحهم مساحة كافية لاتخاذ القرار، حتى وإن تضمّن ذلك احتمال الخطأ وتحمّل المسؤولية. وعندما تتدخل الأسرة بفرض خياراتها بأسلوب صارم، يتزعزع شعور الطالب بالكفاءة الذاتية والقدرة على القيادة الشخصية.

وهذا الاهتزاز النفسي يجعله أكثر عرضة لنوبات القلق، والاكتئاب، وتأنيب الذات المستمر، خصوصاً عندما يتواجد في مقاعد الدراسة ويقارن وضعه بزملائه الذين يخوضون مساراتهم الدراسية بشغف واقتناع.

وتلفت الدكتورة التواتي الانتباه إلى ضرورة تفهم الأولياء للأبعاد النفسية والتركيبية للنتائج الصادرة، داعية إياهم إلى التخلي عن لغة اللوم، وتوفير بيئة حاضنة ومحفزة تدعم الأبناء بغض النظر عن طبيعة التوجيه.

ويعتبر فتح باب الحوار الهادئ، ومساعدة الأبناء على اكتشاف الجوانب الإيجابية أو المجهولة في التوجيه الجديد، الخيار الأكثر سلامة لحمايتهم من الوقوع في فخ الفشل الأكاديمي أو الانكسار النفسي.

تحويل التحدي إلى فرصة

تخلص الدكتورة زينب التواتي، في ختام تحليلها، إلى تقديم مقاربة سيكولوجية وعملية كفيلة بمساعدة الطالب والأسرة على تجاوز صدمة التوجيه، وتأمين مرحلة انتقالية سليمة نحو الحياة الجامعية.

وتستند هذه المقاربة في مقامها الأول على إعطاء الطالب المساحة الكافية للتفريغ الانفعالي والتعبير عن مشاعر الخيبة أو الغضب دون مصادرتها أو التقليل منها، والتدرج نحو تقبل المعطيات الميدانية للنتائج بعيداً عن المثالية الزائفة.

ويتواصل هذا التوافق عبر البحث الجاد في التخصص الموجه إليه، والتعرف على مجالاته المستحدثة وآفاقه المهنية وعوالم التميز فيه، إذ إن كثيراً من التخصصات غير المرغوبة أولياً تحمل فرصاً واعدة لم تكن معروفة لدى الطالب.

كما ينبغي إدراك أن التخصص الجامعي ليس الساحة الوحيدة لتحقيق الذات، حيث يمكن للطالب بناء مهارات جانبية وممارسة شغفه الأصلي عبر الدورات والنشاطات الرقمية بالتوازي مع مساره الأكاديمي الرسمي.

ويتطلب هذا المسار تحويل المقاربة الأسرية من أسلوب الضغط والإجبار إلى الحوار والمساندة العاطفية غير المشروطة، مع التأكيد للأبناء أن قيمتهم الذاتية غير مرتهنة برقم المعدل أو اسم التخصص المكتوب في القائمة.

وتشدد الخبيرة النفسية في النهاية على أن المؤسسات الجامعية مطالبة بتفعيل خلايا الاستقبال والتوجيه النفسي مع بداية الموسم الجامعي، لاستيعاب الطلاب الجدد ومرافقتهم ببرامج تأهيلية وتوعوية توضح لهم معالم التخصصات الجديدة، ما يضمن تحويل لحظة الضغط النفسي الحالية إلى بداية واعية لمسار نجاح واستقرار نفسي جديد.

ومع انطلاق التحضيرات للدخول الجامعي، يبدأ آلاف الطلبة أولى خطواتهم في مسارات أكاديمية مختلفة، بعضهم اختارها بإرادته، وآخرون فرضتها اعتبارات التوجيه. وبين هذين الواقعين، تبقى القدرة على التكيف والدعم الذي يلقاه الطالب من أسرته ومحيطه الجامعي من أبرز العوامل التي قد تحدد ملامح تجربته الجامعية في السنوات المقبلة.

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.
↑