الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

بعد 250 سنة.. واشنطن تنقلب على صانعة ميلادها

Author
حميد سعدون 09 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

قبل 250 سنة، كانت نتيجة معركة واحدة كفيلة بتغيير مصير العالم. فلو تمكن الجيش البريطاني بقيادة تشارلز كورنواليس من تجنب الهزيمة في يوركتاون عام 1781، ربما تعثر مشروع استقلال المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية أو سلك مسارا مختلفا، وربما لم تقم الدولة التي تحمل اليوم اسم الولايات المتحدة بالشكل الذي يعرفه العالم، ولم يصل رئيس يدعى دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. غير أن الانتصار الذي قاده جورج واشنطن لم يكن ثمرة الجهد الأمريكي وحده، إذ وقفت إسبانيا إلى جانب الثوار بالدعم المالي والعسكري واللوجستي، وأسهمت في توفير الإمدادات والذخائر التي رجحت كفة المعركة. وبعد قرنين ونصف، يعود التاريخ ليطرح مفارقته الصارخة: الدولة التي أسهمت إسبانيا في ولادتها تقود اليوم حملة ضغوط سياسية وتجارية ضدها.

رغم مرور نحو قرنين ونصف على معركة يوركتاون، لا تزال الأوساط السياسية والأكاديمية في إسبانيا ترى أن الرواية الأمريكية لحرب الاستقلال لم تنصف الدور الإسباني. وبينما تركز كتب التاريخ الأمريكية على قيادة جورج واشنطن والانتصار العسكري على بريطانيا، يلفت مؤرخون إسبان إلى أن مدريد وفرت المال والسلاح والإمدادات اللوجستية التي ساعدت الثوار على مواصلة القتال حتى حسم المعركة التي مهدت لاستقلال الولايات المتحدة. لذلك يواصل مسؤولون ومؤرخون إسبان التذكير بأن بلادهم شاركت في صناعة الدولة الأمريكية، ولم تكتف بمتابعة الأحداث من بعيد.

غير أن الدولة التي ساعدت في ولادة الولايات المتحدة وجدت نفسها، بعد أقل من قرن، في مواجهة معها. إذ اندلعت الحرب الإسبانية الأمريكية عام 1898، وانتهت بخسارة مدريد كوبا وبورتوريكو والفلبين وغوام، لتتحول الدولة التي دعمت استقلال الأمريكيين إلى الطرف الذي خسر آخر ممتلكاته الاستعمارية أمام الولايات المتحدة نفسها.

واستمر هذا الشعور، خلال القرن العشرين. ويستحضر كثير من الباحثين مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين استبعدت واشنطن إسبانيا من برنامج “خطة مارشال”، بينما حصلت دول أوروبية أخرى على مساعدات ضخمة ساعدتها على إعادة بناء اقتصاداتها، وهو ما عمق الإحساس داخل قطاعات واسعة من النخبة الإسبانية بأن الولايات المتحدة لم تعامل مدريد بوصفها حليفا تاريخيا.

وتضيف هذه القراءة محطة أخرى أكثر حساسية، تتمثل في العلاقة التي أقامتها الإدارات الأمريكية مع نظام الجنرال فرانسيسكو فرانكو خلال الحرب الباردة. إذ منحت واشنطن الأولوية لمواجهة الاتحاد السوفياتي، واختارت بناء شراكة عسكرية واقتصادية مع نظام فرانكو، رغم الانتقادات الواسعة التي واجهها بسبب طبيعته السلطوية. وترى قطاعات من الإسبان أن الولايات المتحدة قدمت مصالحها الاستراتيجية على المبادئ التي دافعت عنها في خطابها السياسي.

لهذه الأسباب، لا يتعامل كثير من الإسبان مع الخلاف الحالي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بوصفه أزمة عابرة، بل يعدونه حلقة جديدة في علاقة طويلة اتسمت، من وجهة نظرهم، بعدم التكافؤ. وتلتقي أطراف سياسية مختلفة داخل إسبانيا عند قناعة مفادها أن واشنطن لم ترد الجميل للدولة التي ساعدتها في لحظة تأسيسها، ثم أدارت علاقتها مع مدريد وفق ميزان القوة والمصلحة.

القطيعة تتسع

وبعد عقود طويلة من المد والجزر، أعادت التطورات الأخيرة هذا التاريخ المشترك إلى الواجهة، لكن في صورة مغايرة تماما، إذ انتقلت الخلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من تباينات سياسية إلى أزمة مفتوحة انتهت بدخول الملف التجاري على خط المواجهة، بعد تراكم خلافات مرتبطة بعدد من القضايا الدولية والاستراتيجية.

وبلغ التصعيد مستوى غير مسبوق أمس الأربعاء، حين أمر ترامب بوقف جميع المعاملات التجارية مع إسبانيا، في خطوة دفعت العلاقات بين البلدين إلى واحدة من أكثر مراحلها توترا منذ عقود، وأعادت إلى الأذهان المفارقة التاريخية المتمثلة في أن الدولة التي ساعدت يوما في قيام الولايات المتحدة أصبحت تواجه اليوم ضغوطا مباشرة من واشنطن.

وأطلق ترامب قراره خلال قمة حلف شمال الأطلسي المنعقدة في أنقرة، مبررا خطوته برفض مدريد الالتزام بالهدف الجديد للحلف القاضي برفع الإنفاق الدفاعي إلى خمسة بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. وجاء هذا التصعيد رغم أن السياسة التجارية مع دول الاتحاد الأوروبي تخضع لاختصاص الاتحاد باعتباره كتلة جمركية واحدة، وهو ما يحد من قدرة أي طرف على استهداف دولة عضو بإجراءات منفردة.

وشهدت القمة أجواء متوترة بعدما وجه الرئيس الأمريكي انتقادات مباشرة إلى الحكومة الإسبانية، ولم يحصر مواقفه في ملف الإنفاق العسكري، بل أعاد أيضا طرح مطلبه المتعلق بسيطرة الولايات المتحدة على جزيرة جرينلاند، الأمر الذي دفع الدنمارك إلى إعلان تمسكها الكامل بسيادتها على الجزيرة وتعهدها بالدفاع عن كل شبر من أراضيها.

ويمثل القرار الأمريكي ثاني محاولة من هذا النوع خلال أشهر قليلة، إذ سبق لترامب أن طلب في مارس الماضي من وزير الخزانة سكوت بيسنت وقف التجارة مع إسبانيا احتجاجا على موقفها من الإنفاق الدفاعي، غير أن المبادلات التجارية بين البلدين استمرت بصورة اعتيادية. أما هذه المرة، فإن الرئيس الأمريكي حرص على إظهار عزمه على تحويل تهديداته إلى إجراءات عملية.

وخلال جلسات القمة، خاطب ترامب الأمين العام للحلف مارك روته قائلا: “إسبانيا لا توافق على أي شيء، ويجب ألا تتعاملوا معها”. وحاول روته تخفيف حدة التوتر، موضحا أن مدريد رفعت إنفاقها الدفاعي إلى اثنين بالمائة خلال العام الماضي، مع إشارته إلى استمرار النقاش داخل الحلف بشأن مستوى الإنفاق المستهدف.

وواصل ترامب هجومه، ثم التفت إلى وزير الخزانة سكوت بيسنت قائلا: “لا أريد أي تعامل تجاري معهم”. وعندما رد الوزير: “حاضر سيدي”، شدد الرئيس الأمريكي على التنفيذ الفوري، وتابع: “لا تتحدث معهم حتى. إنهم ميؤوس منهم. إنهم سيئون.. إنهم يجنون أموالا طائلة منا، وسنجعلهم يجنون أقل بكثير”.

وردت الحكومة الإسبانية بسرعة على تلك التصريحات. وأوضح مكتب رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن مواقف ترامب لم تفاجئ مدريد، وأن الحكومة لا ترى سببا لتغيير طبيعة علاقاتها مع الولايات المتحدة. وأبرز البيان أن إسبانيا تسجل عجزا تجاريا مع السوق الأمريكية، خلافا لما يردده ترامب، مشيرا إلى أن المبادلات الاقتصادية تقوم على نشاط الشركات الخاصة، بينما يدير الاتحاد الأوروبي السياسة التجارية بصورة موحدة، الأمر الذي يحول دون استهداف دولة عضو بصورة منفردة.

غير أن هذا الاشتباك لم يبدأ مع الملف التجاري، بل سبقته سنوات من التباعد السياسي والاستراتيجي. وشكلت الحرب الصهيونية على غزة نقطة التحول الأبرز في العلاقة بين ترامب وسانشيز، ذلك أن مدريد تبنت خطابا شديد الانتقاد ضد “إسرائيل”، ووصف سانشيز ما جرى في القطاع بأنه “إبادة جماعية”، ثم انضمت حكومته إلى الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، قبل أن تعترف رسميا بدولة فلسطين في ماي 2024 إلى جانب أيرلندا والنرويج، مع اعتماد حدود عام 1967 والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.

واتخذت مدريد بعد ذلك سلسلة من الإجراءات شملت حظر تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج إلى “إسرائيل”، ومنع السفن التي تنقل الوقود إلى “الجيش” الصهيوني من استخدام الموانئ الإسبانية، وإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات التي تحمل معدات عسكرية، إلى جانب حظر استيراد منتجات المستوطنات ومنع عدد من المسؤولين الإسرائيليين من دخول الأراضي الإسبانية.

وحافظ سانشيز على لهجته الناقدة بعد انتهاء العمليات العسكرية، وهاجم تشريعات صهيونية تتعلق بعقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين، معتبرا أنها تكرس التمييز. واتخذت حكومته في مارس 2026 خطوة إضافية بسحب السفيرة الإسبانية من تل أبيب، مع الإبقاء على التمثيل الدبلوماسي في مستوى القائم بالأعمال، احتجاجا على استمرار الانتهاكات بحق الفلسطينيين ومشاركة “إسرائيل” في العدوان على إيران.

وسار ترامب في الاتجاه المعاكس تماما. فقد واصل الدفاع عن السياسات التي أطلقها خلال ولايته الأولى، حين اعترف بالقدس عاصمة للكيان، ونقل السفارة الأمريكية إليها، واعترف بسيادة الكيان على الجولان السوري المحتل، وعد المستوطنات متوافقة مع القانون الدولي. واستمرت إدارته خلال ولايتها الثانية في تقديم الدعم السياسي والعسكري للكيان خلال حرب الإبادة على غزة، قبل أن تشارك في العدوان على إيران.

اشتباك متعدد الجبهات

ولم تتوقف الخلافات عند غزة والتجارة، بل امتدت إلى ملفات دولية واستراتيجية أخرى. واتسعت الهوة بين الطرفين في طريقة التعامل مع المؤسسات الدولية، بعدما فرضت إدارة ترامب عقوبات على المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي بسبب تقاريرها المتعلقة بالانتهاكات في غزة، بينما منحها سانشيز وسام الاستحقاق المدني، في رسالة سياسية أكدت تمسك مدريد بالقانون الدولي ورفضها للضغوط الأمريكية.

وبرز ملف الدفاع داخل حلف شمال الأطلسي باعتباره إحدى أهم ساحات الخلاف. فقد رفضت الحكومة الإسبانية خطة رفع الإنفاق الدفاعي إلى خمسة بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وبرر سانشيز موقفه بإعطاء الأولوية للخدمات الاجتماعية والحفاظ على نموذج دولة الرفاه.

وذهب رئيس الوزراء الإسباني إلى أبعد من ذلك عندما أعلن أن أوروبا قادرة على حماية أمنها، وأن قرارها الاستراتيجي لا ينبغي أن يبقى مرتبطا بواشنطن. واستقبلت الإدارة الأمريكية هذا التصريح باستياء، وعدته تشكيكا في الدور القيادي للولايات المتحدة داخل الحلف.

وامتد الخلاف إلى المجال الاقتصادي أيضا. فقد واصلت مدريد توسيع تعاونها مع الصين، التي أصبحت أكبر شريك تجاري لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي. وأجرى سانشيز عدة زيارات إلى بكين، ووقع اتفاقيات لتعزيز التعاون في التجارة والعلوم والتعليم، بينما انتقدت واشنطن هذا التوجه بشدة. وذهب وزير الخزانة سكوت بيسنت إلى اعتبار تعميق العلاقات الأوروبية مع الصين خطوة تضر بالمصالح الغربية.

وبرز اختلاف آخر في ملف الهجرة. فقد دافع سانشيز عن تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين، وقدم هذا الخيار باعتباره دعامة لسوق العمل والاقتصاد الإسباني، في حين واصلت إدارة ترامب تشديد الرقابة على الحدود وتنفيذ عمليات ترحيل واسعة للمهاجرين غير النظاميين.

وشملت الخلافات أيضا ملف الطاقة. فقد واصلت الحكومة الإسبانية الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بينما فضل ترامب دعم الصناعات التقليدية ومصادر الطاقة الأحفورية، وهو ما عكس تباينا واضحا في الرؤية الاقتصادية والبيئية للطرفين.

ووصلت المواجهة إلى ذروتها خلال العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، حين رفضت مدريد المشاركة في العمليات العسكرية، ومنعت الولايات المتحدة من استخدام قواعدها العسكرية على الأراضي الإسبانية لتنفيذ الضربات. وحذر سانشيز من تداعيات هذا التدخل على الأمن والاستقرار الدوليين، بينما اعتبرت واشنطن الموقف الإسباني ابتعادا عن التزامات الحلفاء.