الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

بعد 64 عاما من الاستقلال.. ذاكرة تفتح ورشات المستقبل

Author
بثينة صايفي 06 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في الذكرى الـ64 لعيد الاستقلال، اختارت الجزائر أن تمنح لهذه المناسبة بعدا تحديثيا من خلال إطلاق وتدشين مشاريع استراتيجية تمتد من الفضاء الرقمي إلى القطاع الصحي والبحث العلمي والسكن. وتعكس هذه المشاريع توجها يرمي إلى تحويل مكاسب الاستقلال إلى أدوات لبناء دولة أكثر قدرة على التحكم في بياناتها الاستراتيجية، وتطوير خدماتها العمومية، وتعزيز بنيتها التحتية العلمية والاجتماعية، بما يرسخ السيادة الوطنية بأبعادها التكنولوجية والتنموية والإنسانية.

أشرف رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، أمس الأحد بالمحمدية (الجزائر العاصمة)، على تدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية، في إطار الاحتفالات المخلدة للذكرى الـ64 لعيد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، في خطوة تعكس توجها متزايدا نحو ترسيخ السيادة الرقمية وبناء بنية تحتية وطنية حديثة وآمنة للبيانات والخدمات الرقمية.

وجرت مراسم التدشين بحضور الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة، ووزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود، والوزيرة المحافظة السامية للرقمنة، مريم بن مولود، ووزير الداخلية بصفته والي ولاية الجزائر، محمد عبد النور رابحي. وقبل ذلك، وصل رئيس الجمهورية إلى مقر المركز، حيث استمع إلى النشيد الوطني واستعرض تشكيلات من مختلف القوات المسلحة للجيش الوطني الشعبي التي أدت له التحية الشرفية قبل أن يصافح مستقبليه.

ويمثل المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية أول بنية تحتية رقمية سيادية من نوعها في الجزائر، إذ يشكل، بحسب عبد الرحمان بن سالم، خبير في الرقمنة والذكاء الاصطناعي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، “خطوة استراتيجية في مسار بناء الجزائر الرقمية، كونه يشكل البنية التحتية الأساسية التي ترتكز عليها مختلف الخدمات الرقمية للدولة”. ويضع الخبير أهمية المشروع في قدرته على استضافة البيانات الوطنية داخل التراب الجزائري، موضحا أنه “يعزز السيادة الرقمية ويحافظ على أمن المعلومات وحمايتها من مختلف المخاطر والتهديدات السيبرانية، مع الحد من الاعتماد على مراكز البيانات الأجنبية”.

عبد الرحمان بن سالم، خبير في الرقمنة والذكاء الاصطناعي

ويأتي هذا المشروع بوصفه ركيزة أساسية لاستضافة البيانات الوطنية وضمان استمرارية الخدمات الرقمية وتمكين التبادل البيني بين مختلف القطاعات، بما يدعم مسار التحول الرقمي ويرفع كفاءة المرفق العمومي. وفي هذا الإطار، يلفت بن سالم إلى أن المركز “يضمن استمرارية الخدمات الرقمية ويُمكّن من التبادل البيني بين مختلف القطاعات، بما يدعم مسار التحول الرقمي ويرفع من كفاءة المرفق العمومي لخدمة المواطن”، الأمر الذي يفتح المجال أمام تحسين التنسيق الإداري وتبسيط الإجراءات وتقليص آجال معالجة الملفات.

ويستند المركز إلى بنية تقنية متطورة تضم مركزي بيانات وطنيين يقعان بولايتي الجزائر والبليدة، ويعملان وفق نمط تشغيل متزامن يضمن استمرارية الخدمات الرقمية دون انقطاع، مع نسبة توافرية تصل إلى 99.98 بالمائة، إلى جانب مزامنة فورية للبيانات وقدرات متقدمة للتعافي من الأعطاب. وفي توصيفه للجوانب التقنية للمشروع، يبرز الخبير أن المركز “يرتكز على مركزين وطنيين للبيانات يتمتعان بدرجة عالية من التوافرية، ويعملان وفق نمط التشغيل المتزامن بما يضمن استمرارية الخدمات الرقمية دون أي انقطاع”.

ويشير بن سالم إلى أن المركز صمم وفق أحدث المعايير الدولية في مجالات بناء مراكز البيانات وأمنها ومرونتها التشغيلية، ويعتمد على نمط التشغيل “نشط – نشط”، بما يضمن المراقبة المستمرة والتشغيل الفعال والحفاظ على الجاهزية الدائمة للشبكات والأنظمة المعلوماتية ومنصات الحوسبة السحابية ومرافق البيانات والبوابة الوطنية للخدمات العمومية وقاعدة البيانات الوطنية.

وتتجاوز مهام المركز استضافة البيانات إلى إدارة البنية التقنية وضمان توافر الخدمات واستمرارية الأعمال عبر أنظمة متقدمة للمراقبة والتحكم المركزي، فضلا عن إدارة الحوادث والمشكلات التقنية وتنفيذ التدخلات التصحيحية والعلاجية والوقائية. ويرى الخبير أن هذه المقومات توفر للجزائر قاعدة تقنية متينة لتطوير الخدمات الرقمية وتعزيز الثقة في البيئة الرقمية الوطنية وصون البيانات الاستراتيجية للدولة داخل حدودها.

عيد الاستقلال.. مشاريع للصحة والسكن والبحث

وامتد برنامج رئيس الجمهورية إلى بلدية المعالمة (غرب الجزائر العاصمة)، حيث دشن المؤسسة الاستشفائية المتخصصة في أمراض وجراحة القلب للأطفال “عمار بوجلاب”. وتعد هذه المنشأة الصحية، التي تبلغ طاقتها الاستيعابية 80 سريرا وتتربع على مساحة 22 ألف متر مربع، مكسبا جديدا للمنظومة الصحية الوطنية، إذ تعزز التكفل بالأطفال وحديثي الولادة المصابين بأمراض القلب عبر توفير رعاية صحية متخصصة بأحدث التجهيزات الطبية وبالاعتماد على كفاءات جزائرية متخصصة.

وتضم المؤسسة سبعة مصالح رئيسية تشمل طب أمراض القلب للأطفال وجراحة القلب للأطفال والتخدير والإنعاش وجراحة الأوعية الدموية وزراعة الأعضاء والتصوير الطبي والأشعة والمخبر المركزي والصيدلية. وزود المستشفى أيضا بمصلحة للاستعجالات ووحدة للتأهيل الوظيفي للقلب ومركز لحقن الدم ووحدات للقسطرة التشخيصية والعلاجية ومصلحة متكاملة للأشعة تضم أجهزة الرنين المغناطيسي والماسح الضوئي والأشعة السينية والموجات فوق الصوتية.

ويضم الطابق الأول وحدات للاستشفاء وإدارة المستشفى، بينما يضم الطابق الثاني ثلاث قاعات للعمليات الجراحية ووحدة للإنعاش ووحدة لاستشفاء الرضع ووحدة لتعقيم المعدات الطبية وقاعة ألعاب مخصصة للدعم النفسي للأطفال، في حين خصص الطابق السفلي للمصالح التقنية واللوجستية. ولدعم التكوين والبحث العلمي، جهزت المؤسسة بجناح بيداغوجي يضم مدرجا بسعة 170 مقعدا وقاعتين للدراسة وقاعة اجتماعات ومكتبة، واعتمدت نظاما رقميا متكاملا يجعلها أول مستشفى رقمي بنسبة 100 بالمائة في الجزائر، بما يتيح تفعيل خدمات الطب عن بعد والمحاضرات الطبية الرقمية.

وفي إطار دعم البحث العلمي والتكنولوجيات الطبية الحديثة، أشرف رئيس الجمهورية بالرحمانية (غرب الجزائر العاصمة) على وضع حجر الأساس لمشروع إنجاز المعهد الجزائري للتداوي بالخلايا الجذعية والجينية، وهو منشأة صحية وعلمية متخصصة تضم فضاءات للعلاج والبحث والتكوين في مجال الطب التجديدي والتكنولوجيا الحيوية.

وببلدية أولاد فايت، وضع رئيس الجمهورية حجر الأساس لمشروع إنجاز قاعة العروض الكبرى بسعة 10 آلاف مقعد، في خطوة ترمي إلى تدعيم البنية التحتية الثقافية وتوفير فضاء قادر على احتضان التظاهرات الفنية والثقافية الكبرى. وينتظر إنجاز هذا الصرح الثقافي في غضون 24 شهرا، إذ يمتد على مساحة إجمالية تقدر بـ60 ألف متر مربع، ويستهدف دعم الصناعة الثقافية في الجزائر وتعزيز قدراتها على تنظيم الفعاليات الوطنية والدولية.

ويضم المشروع، الذي تشرف على إنجازه الوكالة الوطنية لإنجاز الاستثمارات في مجال التجهيز (ANRIE) التابعة لوزارة السكن والعمران والمدينة والتهيئة العمرانية، قاعات للعروض والمحاضرات، ومرافق إدارية، ومكتبة، وقاعة للفيديو (فيديوتاك)، إلى جانب قاعات مخصصة للصحافة وغرف تقنية ومساحات للفنانين. وتشمل المنشأة أيضا موقفا للسيارات يتسع لأكثر من ألف مركبة، بما يوفر الظروف اللوجستية الملائمة لاستقبال أعداد كبيرة من الزوار والمشاركين في مختلف التظاهرات.

وعلى صعيد السياسة السكنية، أشرف رئيس الجمهورية بالمدينة الجديدة سيدي عبد الله على إعطاء إشارة الانطلاق الرسمي لعملية توزيع السكنات لسنة 2026 عبر كامل التراب الوطني، وتشمل العملية 179.168 وحدة سكنية بمختلف الصيغ، منها 42.520 وحدة بصيغة العمومي الإيجاري و11.914 وحدة بصيغة البيع بالإيجار “عدل” و9.975 سكنا بصيغة الترقوي المدعم و7.353 سكنا بصيغة الترقوي الحر، إضافة إلى 76.423 إعانة في صيغة السكن الريفي و30.983 مقرر استفادة من إعانات التجزئات الاجتماعية.

وتعكس المشاريع التي أشرف رئيس الجمهورية على إطلاقها وتدشينها بمناسبة الذكرى الـ64 للاستقلال مسارا تنمويا يربط بين بناء البنية التحتية الرقمية، وتطوير المنظومة الصحية، ودعم البحث العلمي، وتوسيع البرامج الاجتماعية، بما يعزز مقومات الدولة الحديثة ويرسخ أبعاد السيادة الوطنية في مجالات التكنولوجيا والصحة والتنمية.

5 جويلية 2026.. الجزائر تخوض معركة الإنتاج والمعرفة

في كل خامس من جويلية، لا تستعيد الجزائر ذكرى انتصارها على استعمار استيطاني دام 132 سنة فحسب، بل تستحضر أيضا المعنى العميق للسيادة بوصفها – وفق رؤيتي الخبيرين اللذين تحدثا إلى «الأيام نيوز»، الباحث في التاريخ عباس كحول والمحلل السياسي أيوب عرفي – مسارا وطنيا متجددا انطلق باسترجاع الأرض واستعادة القرار السياسي، ثم اتسع ليشمل رهانات بناء القوة الاقتصادية وترسيخ الأمن الاستراتيجي وتحقيق السيادة في مجالات المعرفة والإنتاج والتكنولوجيا. وفي ظل وفاء راسخ لتضحيات ملايين الشهداء، وفي مواجهة تحولات عالمية متسارعة، تواصل الجزائر مسيرتها نحو بناء دولة قوية بمؤسساتها، مستقلة في قرارها، وقادرة على تحويل مكاسب التحرير إلى منجزات تنموية واقتصادية تعزز حضورها ومكانتها في عالم تعيد فيه المعرفة والإنتاج والتكنولوجيا رسم موازين القوة.

عباس كحول، باحث في التاريخ

أحيت الجزائر، أمس الأحد، الذكرى الـ64 لعيد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، وهي محطة وطنية راسخة تتقاطع فيها تضحيات الماضي المجيد مع آفاق مستقبل واعد، مبني على سياسات وطنية راهنة ترتكز على سداد القرار السياسي السيادي وعلى إصلاحات ومكاسب تاريخية مست مختلف القطاعات.

وفضلا عن كون هذه الذكرى مناسبة لاستذكار التضحيات الجسام لأولئك الأبطال الذين وهبوا أرواحهم الزكية من أجل استرجاع السيادة الوطنية، فإنها تمثل أيضا وقفة تقييمية لمسار بناء الدولة الوطنية وتجديد مؤسساتها، وفاء لمبادئ أول نوفمبر 1954 التي أرست دعائم الجزائر المستقلة.

ويتزامن إحياء الذكرى الـ64 للاستقلال هذا العام مع تنظيم الانتخابات التشريعية التي جرت في إطار قانوني وتنظيمي جديد ساهم في ترسيخ الممارسة الديمقراطية وتعزيز البناء المؤسساتي، كجزء لا يتجزأ من مسار طويل من الإصلاحات السياسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، بهدف أخلقة الحياة السياسية وتكريس قيم الديمقراطية التشاركية وإشراك الكفاءات الوطنية في صناعة القرار، إلى جانب تجسيد مبادئ النزاهة والشفافية.

وكان رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، قد وجّه يوم السبت رسالة إلى الشعب الجزائري بمناسبة إحياء الذكرى الـ64 لعيد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، استحضر فيها المسار الكفاحي الطويل الذي خاضه الجزائريون في مواجهة الاستعمار، مؤكدا أن الجزائر الجديدة تستمد روحها من الوفاء لرسالة الشهداء، فيما تواصل مسارها التنموي والسيادي بثقة نحو بلوغ مصاف الدول الناشئة.

واستهل رئيس الجمهورية رسالته بالتوقف عند الدلالات التاريخية ليوم الخامس من جويلية، معتبرا أنه اليوم الذي “تُوِّج به الشعب الجزائري الأبي، وبشموخ وإباء، عقودا من أمجاد المقاومة الشعبية الشريفة التي استمرت منذ أن وطأت أقدام الاستعمار أرض الجزائر الأبية لأزيد من 75 سنة”. كما استعاد التضحيات الجسام التي قدمها الجزائريون في سبيل الحرية والاستقلال، مبرزا أن “الثمن كان باهظا من الدماء (5.630.000 شهيد)”، وأن قوافل المجاهدين انطلقت من مختلف مناطق الوطن “من أجل عزة الوطن، وشغفا بنيل الشهادة قربانا لمجده التليد”.

وفي استحضاره لمحطات ثورة التحرير، وضع رئيس الجمهورية كفاح الجزائريين في مصاف الملاحم الإنسانية الكبرى، مشيرا إلى أن التاريخ ما يزال شاهدا على ما تكبده الشعب الجزائري “من مآس وجراح – لأزيد من سبع سنوات – في مواجهة استعمار استيطاني حاقد”، وعلى صموده في التصدي لسياسات “الأرض المحروقة وهستيريا جرائم التقتيل الجماعي والتدمير الشامل”.

وفي سياق ربط الذاكرة الوطنية بالحاضر، أبرز الرئيس أن الاحتفاء بالذكرى الـ64 للاستقلال يمثل التزاما متجددا بواجب صون الذاكرة وإجلال تضحيات المقاومين والمناضلين والشهداء، مؤكدا أن الجزائريات والجزائريين يحملون في ضمائرهم “الوفاء العميق الأبدي لبيان نوفمبر ورسالة الشهداء”، وأن “روح الجزائر الجديدة التي تبنيها إرادات وطنية صادقة تنبثق من الوفاء لعهد الشهداء الأبرار”.

وعلى صعيد آفاق التنمية، رسم رئيس الجمهورية ملامح المرحلة المقبلة، معربا عن ثقته في قدرة الجزائريين على مواصلة مسار التحول الوطني، ومشيدا بالشعب الذي يحتضن “الجزائر المنتصرة، بتوجهاتها السيادية وإنجازاتها غير المسبوقة”. كما أورد أن هذا المسار يقوم على مواصلة التغيير وتعزيز التنمية المستدامة الشاملة، مع إدراك الرهان الاستراتيجي المتمثل في “وضع البلاد، في آجال قريبة، على عتبة عالم البلدان الناشئة”.

وتزامنا مع هذه المناسبة الوطنية، توقف رئيس الجمهورية عند الانتخابات التشريعية التي جرت يوم الخميس الماضي، واعتبرها جزءا من “مجريات استحقاق دستوري هام في مسار بناء الديمقراطية الحقة”، منوها بالجهود التي أحاطت هذا الموعد الانتخابي وأسهمت، بحسب ما جاء في الرسالة، في إضفاء “التنافس الديمقراطي النزيه على الحملة الانتخابية” وتأمين أداء المواطنين لواجبهم الانتخابي “في السكينة وفي أحسن الظروف”.

الجزائر تواصل بناء سيادتها برهانات الاقتصاد والإصلاح

وإذا كان رئيس الجمهورية قد استحضر في رسالته بمناسبة الذكرى الـ64 للاستقلال مسار التضحيات التي صنعت سيادة الجزائر، مؤكدا أن “روح الجزائر الجديدة” تنبثق من الوفاء لعهد الشهداء، فإنه وضع هذا الإرث التاريخي في سياق مشروع وطني متجدد، قوامه مواصلة الإصلاحات وتعزيز التنمية الشاملة واستشراف آفاق الارتقاء بالبلاد إلى مصاف الدول الناشئة، عبر تثبيت أسس اقتصاد أكثر تنوعا وتحديث مؤسسات الدولة ورفع قدرتها على الاستجابة للتحولات المتسارعة.

ومن ثم، لا تبدو ذكرى الاستقلال محطة لاستذكار أمجاد الماضي واستحضار بطولات الشهداء فحسب، بل تتحول إلى مناسبة لتقييم ما تحقق على درب بناء الدولة الوطنية، ورصد المكاسب التي أنجزتها الجزائر في مختلف القطاعات، بوصفها حلقة متواصلة في مسار ترسيخ السيادة وتجسيدا لطموح إقامة دولة قوية بمؤسساتها، مستقلة في قرارها، وقادرة على تحقيق تنمية تستجيب لتطلعات مواطنيها وتفتح أمام الأجيال الجديدة آفاقا أوسع للمشاركة في مسيرة البناء الوطني.

وفي تجسيد عملي لهذا المسار، جعلت الدولة من خدمة المواطن وتعزيز حقوقه محورا رئيسيا لسياساتها العمومية، وهو ما تجلى في ديناميكية تشريعية وإصلاحية غير مسبوقة شملت مراجعة المنظومة القانونية وتكييفها مع التحولات الوطنية والدولية، بما يكرس الحقوق والحريات ويعزز البناء المؤسساتي ويصون مكتسبات حقوق الإنسان غير القابلة للتجزئة، وفق ما أكده رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في مناسبات عدة، مع العمل على تحسين نوعية الخدمة العمومية وتقريب الإدارة من المواطن.

وأسهمت هذه الإصلاحات أيضا في مواكبة التحولات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد، وفتحت آفاقا جديدة لتحديث الإدارة العمومية، لاسيما من خلال التقدم المحرز في مسار الانتقال نحو منظومة عدالة رقمية أكثر فعالية وعصرنة، إلى جانب تطوير آليات التسيير والاعتماد المتزايد على الحلول الرقمية في تقديم الخدمات.

وفي السياق نفسه، يرتبط إحياء ذكرى عيد الاستقلال باستحضار المبادئ الثابتة لثورة التحرير الخالدة، ومن أبرزها التمسك بالبعد الاجتماعي للدولة الجزائرية، حيث واصلت الدولة، ضمن مسارها الإصلاحي، تعزيز هذا المكسب التاريخي من خلال اتخاذ جملة من التدابير الرامية إلى حماية المواطن وتأمين العيش الكريم له، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية لفائدة مختلف الفئات.

وقد اتخذت السلطات، في هذا الصدد، جملة من القرارات الهامة التي جعلت الجزائر من أكثر الدول توفيرا للتغطية والرعاية الاجتماعيتين، وذلك منذ إعلان أول نسبة لرفع الأجور سنة 2022، ضمن سلسلة من الزيادات والتدابير الرامية إلى تحسين أوضاع فئات واسعة من المجتمع، على غرار منحة البطالة، ومنحة المرأة الماكثة في البيت، ومنحة ذوي الاحتياجات الخاصة، ومنحة الطلبة، وتمديد عطلة الأمومة، والرفع من الأجر الوطني الأدنى المضمون والحد الأدنى لمعاش التقاعد، وقبل ذلك الإعفاء من الضريبة لذوي الدخل المحدود، بما عزز القدرة الشرائية وكرس البعد التضامني للدولة.

وفي السياق ذاته، شهدت عدة قطاعات تحقيق إنجازات كبرى في ظرف وجيز وبإمكانيات بشرية ومادية محلية، على غرار قطاع السكن الذي بات يمثل أكبر مؤشر اقتصادي واجتماعي للتنمية بالجزائر. ويضاف إلى ذلك الشروع في استغلال مشاريع مهيكلة كبرى تشمل عدة قطاعات، على غرار المناجم والطاقات المتجددة والنقل والمنشآت المائية والفلاحة والصناعة وغيرها، وهي مشاريع تستهدف رفع القدرات الإنتاجية وخلق الثروة ومناصب الشغل.

وبالتوازي مع تمسكها بسيادة قرارها السياسي، تتمسك الجزائر باستقلالية قرارها الاقتصادي، وهي “ماضية في مشروعها الوطني الذي يرمي للتحول إلى دولة ناشئة”، مثلما شدد عليه سابقا رئيس الجمهورية. وقد سجل الاقتصاد الوطني، الذي خرج من منطق الريع نحو تنويع حقيقي للمداخيل، مؤشرات إيجابية تؤكد صحة المسار الذي تنتهجه البلاد، وهو ما تعكسه نسب النمو المعتبرة المسجلة، والحفاظ على التوازنات الخارجية، وتراجع نسبة التضخم، مع تواصل الجهود لتسريع الرقمنة واستكمال الإصلاحات المالية والجبائية والميزانياتية، وتعزيز جاذبية البيئة الاقتصادية للاستثمار والإنتاج.

وفي سبيل تحقيق مشروعها النهضوي، فتحت الجزائر الباب على مصراعيه أمام كفاءاتها في الخارج، من خلال استحداث المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، حيث وجه رئيس الجمهورية نداء إلى كل أبناء الجزائر من أقطاب العلم عبر العالم للمشاركة والإسهام بتجاربهم في هذا المشروع، والاستفادة من خبراتهم في مرافقة التحول الاقتصادي والتكنولوجي الذي تشهده البلاد.

وأكد رئيس الجمهورية، في رسالة وجهها بمناسبة إحياء الذكرى المزدوجة لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين وتأميم المحروقات، أن السياسات الوطنية الراهنة ترتكز على معيار الجدوى والواقعية وعلى سداد القرار السياسي السيادي، بما يضمن انسجام الخيارات التنموية مع المصالح العليا للدولة.

وأوضح أن هذا التوجه يعبر عن عقيدة الجزائر الجديدة المنتصرة، وهي “عقيدة وثيقة الارتباط بمرجعية نوفمبر وبإرث ثورة التحرير المباركة، وعقيدة براغماتية إلى أبعد الحدود في مد جسور التعاون والشراكة مع الجميع، وفي كل القارات، على قاعدة المصالح والمنافع المتبادلة”.

وبفضل الديناميكية الجديدة التي تسير وفقها، والتي تلقى إشادة من كبرى دول العالم، تمكنت الجزائر من أن تصبح بحق قوة استقرار وخير في المنطقة، وفاعلا إقليميا يحظى بتقدير متزايد على صعيد القضايا السياسية والاقتصادية. وفي ظل الإصلاحات التي تشهدها البلاد، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل تخوض الجزائر اليوم معركة جديدة لاستكمال استقلالها النهائي، عنوانها الاستقلال الاقتصادي؟

الاستقلال الاقتصادي.. الامتداد الطبيعي للاستقلال السياسي

يرى المحلل السياسي، أيوب عرفي، أن الجزائر، وبعد 64 عاما من استرجاع سيادتها الوطنية، دخلت مرحلة جديدة من استكمال مشروع الدولة الوطنية، عنوانها تحقيق الاستقلال الاقتصادي، مؤكدا أن مفهوم الاستقلال لم يعد يقتصر، في عالم اليوم، على تحرير الأرض واستعادة القرار السياسي، بل أصبح يقاس أيضا بقدرة الدولة على التحكم في مواردها، وإنتاج ثروتها، وبناء اقتصاد متنوع وقادر على الصمود أمام التحولات والأزمات العالمية.

أيوب عرفي، محلّل سياسي

ويشير عرفي إلى أن الاستقلال السياسي، رغم أهميته، لا يكتمل إلا بوجود قاعدة اقتصادية قوية تضمن للدولة حرية اتخاذ قراراتها بعيدا عن الضغوط والتبعية الخارجية، موضحا أن الدول التي تعتمد بشكل مفرط على الخارج في الغذاء أو الصناعة أو التكنولوجيا تبقى عرضة للتأثر بالمتغيرات الدولية، مهما بلغت قوة مؤسساتها السياسية.

ويضيف أن الرهان الحقيقي الذي ترفعه الجزائر اليوم يتمثل في بناء اقتصاد منتج وتنافسي، يقوم على تنويع مصادر الدخل، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز التصنيع، وخلق الثروة ومناصب الشغل، بما يمنح البلاد استقلالا فعليا في رسم خياراتها الإستراتيجية، ويرى أن الانتقال من اقتصاد يعتمد أساسا على عائدات المحروقات إلى اقتصاد متنوع يشكل خطوة أساسية نحو ترسيخ السيادة الوطنية، لأن قوة الدول في القرن الحادي والعشرين أصبحت تقاس بقدرتها على الإنتاج والابتكار أكثر من امتلاكها للثروات الطبيعية وحدها.

كما يؤكد المحلل السياسي، أيوب عرفي، أن الجزائر شرعت، خلال السنوات الأخيرة، في تنفيذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية الهادفة إلى إحداث تحول تدريجي في النموذج التنموي، من خلال تقليص الاعتماد على عائدات المحروقات، التي ظلت لعقود المصدر الرئيسي لتمويل الاقتصاد الوطني، والانتقال نحو اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة، وأن هذا التوجه يعكس إدراكا متزايدا بأن تحقيق النمو الاقتصادي لم يعد مرتبطا بالثروات الطبيعية وحدها، وإنما بقدرة الدولة على تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج الوطني، وخلق قيمة مضافة في مختلف القطاعات.

ويشير عرفي إلى أن هذا المسار تُرجم إلى جملة من الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية، أبرزها مراجعة قانون الاستثمار، وإنشاء الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار لتسهيل مرافقة المستثمرين، والعمل على رفع العراقيل البيروقراطية، ورقمنة الإجراءات الإدارية، وتحسين مناخ الأعمال، بما يساهم في استقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، ويوفر بيئة أكثر شفافية وفعالية لممارسة النشاط الاقتصادي.

كما يلفت إلى أن الدولة وسعت مجالات الاستثمار لتشمل قطاعات استراتيجية، مثل الصناعة، والفلاحة، والمناجم، والسياحة، والطاقات المتجددة، والاقتصاد الرقمي، إلى جانب تشجيع المؤسسات الناشئة والابتكار، باعتبارها محركات أساسية للنمو وخلق مناصب الشغل، معتبرا أن هذه الخيارات تعكس إرادة حقيقية لبناء اقتصاد حديث وتنافسي، قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية، وتعزيز القدرة الإنتاجية للجزائر، وتقليل تبعيتها لتقلبات أسواق الطاقة.

السيادة الاقتصادية تبدأ بالإنتاج لا بالاستهلاك

وفي حديثه عن السيادة الاقتصادية، يؤكد المحلل السياسي، أيوب عرفي، أن مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين شهد تحولا جذريا، إذ لم تعد قوة الدول تقاس فقط بما تمتلكه من ثروات طبيعية أو احتياطيات مالية، بل بقدرتها على استغلال تلك الموارد وتحويلها إلى قيمة مضافة وصناعات تنافسية ومؤسسات منتجة تساهم في خلق الثروة وتحقيق التنمية المستدامة ورفع مستويات التشغيل وتحسين مؤشرات التنمية البشرية، مشيرا إلى أن الاقتصاد العالمي أصبح قائما على الإنتاج والابتكار والتكنولوجيا، وهو ما يجعل امتلاك أدوات التصنيع والمعرفة أحد أهم عناصر القوة والسيادة ومصدرا رئيسيا لتعزيز النفوذ الاقتصادي للدول.

ويضيف عرفي أن الدول التي تكتفي بتصدير المواد الأولية، أو تعتمد بشكل مفرط على الاستيراد، تظل رهينة لتقلبات الأسواق العالمية والأزمات الدولية، ما يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة ويجعل اقتصاداتها أكثر عرضة للصدمات الخارجية، وفي المقابل، فإن بناء قاعدة إنتاجية وطنية قوية، وتشجيع الصناعة المحلية، وتطوير المؤسسات المنتجة، يمنح الدولة هامشا أوسع في حماية اقتصادها وتعزيز استقلالية قرارها ودعم قدرتها على التخطيط بعيد المدى.

ويشير إلى أن تحقيق السيادة الاقتصادية يمر كذلك عبر تنويع الاقتصاد وعدم الارتهان لمورد واحد، من خلال الاستثمار في قطاعات قادرة على خلق القيمة المضافة، ورفع الصادرات خارج المحروقات، وتطوير الصناعات التحويلية، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، وتعزيز اندماج المؤسسات الناشئة في الدورة الاقتصادية، ويؤكد أن الانتقال من اقتصاد قائم على الاستهلاك والاستيراد إلى اقتصاد يعتمد على الإنتاج والتصدير يمثل شرطا أساسيا لتحقيق الاستقلال الاقتصادي، وضمان قدرة الجزائر على مواجهة التحديات العالمية وبناء اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.

وعن نجاح الجزائر في الخروج من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي، يرى عرفي أن هذا الإنجاز يتجاوز كونه تصنيفا تقنيا، ليشكل رسالة ثقة موجهة للمؤسسات المالية والمستثمرين الدوليين، موضحا أن استكمال الإصلاحات المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب عزز مصداقية الاقتصاد الجزائري، وسهّل تعامل البنوك الجزائرية مع نظيراتها الأجنبية، ورفع من جاذبية السوق الوطنية أمام المستثمرين، إلى جانب فتح المجال أمام استقطاب استثمارات وتمويلات أكبر للمشاريع الاقتصادية.

ويعتبر عرفي أن انتخاب الدبلوماسي الجزائري، عمار بن جامع، على رأس هيئة اقتصادية تابعة للأمم المتحدة، يعكس المكانة التي أصبحت تحظى بها الجزائر داخل المنظمات الدولية، ويؤكد أنها لم تعد متلقية للسياسات الاقتصادية العالمية فقط، بل أصبحت مساهمة في صياغتها وطرح رؤاها بشأن قضايا التنمية والتعاون الاقتصادي، بما يعزز صورتها كشريك موثوق وفاعل على الساحة الدولية.

ويبرز المحلل السياسي أن الجزائر تعمل بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية على تنفيذ مشاريع إستراتيجية كبرى تشمل تطوير البنية التحتية، وتوسيع شبكات النقل، وتحديث الموانئ، وإنشاء مناطق صناعية جديدة، والاستثمار في الطاقات المتجددة، فضلا عن مشاريع الأمن الغذائي، التي أصبحت، بحسبه، جزءا أساسيا من مفهوم الأمن القومي في ظل الأزمات الدولية المتلاحقة واشتداد المنافسة على الموارد وسلاسل الإمداد.

ويضيف عرفي أن التجارب العالمية الأخيرة، خاصة خلال جائحة كورونا والاضطرابات الجيوسياسية، أثبتت أن الدول الأكثر اعتمادا على الخارج تكون الأكثر هشاشة، ومن هذا المنطلق، يوضح أن الجزائر تراهن على رفع الإنتاج الفلاحي، وتوسيع الزراعة الصحراوية، وتشجيع الصناعات التحويلية، وتقليص فاتورة الاستيراد، إلى جانب تنمية الصادرات خارج قطاع المحروقات لضمان تنويع مصادر الدخل بالعملة الصعبة وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التقلبات الدولية.

ويشدد عرفي على أن بناء اقتصاد قوي لا يمكن أن يتحقق دون الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقمنة، معتبرا أن الثروة الحقيقية في العصر الحديث أصبحت تصنعها الكفاءات البشرية قبل الموارد الطبيعية، وأن تطوير رأس المال البشري ورفع كفاءة منظومة التكوين والتعليم يمثلان أحد أهم مفاتيح الاستقلال الاقتصادي.

وفي السياق ذاته، يؤكد أن الإصلاح الاقتصادي يبقى مرتبطا بإصلاح الإدارة، وتعزيز الشفافية، ومحاربة الفساد، وترسيخ دولة القانون، لأن المستثمر يبحث عن بيئة مستقرة وإدارة فعالة وقضاء مستقل. ويرى أن نجاح مشروع الاستقلال الاقتصادي يتطلب مواصلة الإصلاحات بنفس الوتيرة، مع إشراك القطاع الخاص وتشجيع المبادرة واستثمار طاقات الشباب وتوسيع مساهمتهم في خلق الثروة وفرص العمل.

ويخلص أيوب عرفي إلى أن الجزائر تخوض، اليوم، معركة لا تقل أهمية عن معركة التحرير الوطني، تتمثل في بناء اقتصاد قوي ومتنوع وتنافسي، ويعتبر أن الاستقلال السياسي منح البلاد حق تقرير مصيرها، بينما سيمنحها الاستقلال الاقتصادي القدرة على حماية هذا القرار وضمان استمراريته وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، مؤكدا أن نجاح الإصلاحات الحالية سيكون الخطوة الحاسمة نحو استكمال مشروع الدولة الوطنية وتعزيز سيادة الجزائر في عالم تحكمه الأسواق والتكنولوجيا والمعرفة بقدر ما تحكمه السياسة.

بناء اقتصاد قوي.. فصل جديد في مسيرة تكريس الاستقلال

في وقت تواصل فيه الجزائر تعزيز استقلالية قرارها الاقتصادي وبناء اقتصاد منتج وتنافسي، تحل الذكرى الرابعة والستون لاسترجاع السيادة الوطنية لتؤكد أن الاستقلال شكل بداية مسار وطني متواصل يستهدف تحصين القرار الوطني وترسيخ مقومات الدولة القوية والقادرة على مواجهة التحديات، وإرساء أسس تنمية مستدامة تتيح للبلاد تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية وتوسيع هامش قرارها السيادي.

وأمام التحولات الدولية المتسارعة، التي جعلت أدوات الإنتاج والمعرفة والتكنولوجيا عناصر حاسمة في موازين القوة، تفرض معركة بناء اقتصاد وطني منتج وتنافسي نفسها باعتبارها أحد أبرز رهانات السيادة الوطنية، وتضع الجزائر أمام استحقاق استكمال استقلالها السياسي بترسيخ دعائم استقلالها الاقتصادي، عبر توسيع القاعدة الإنتاجية ورفع مستويات الابتكار وتعزيز القدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية.

وفي هذا الإطار، أشرف وزير المجاهدين وذوي الحقوق، عبد المالك تاشريفت، يوم السبت بالجزائر العاصمة، على ندوة تاريخية مخلدة للذكرى الـ64 لعيد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، وأكد أن إحياء هذه المناسبة يشكل فرصة لاستحضار تضحيات الشهداء والمجاهدين وتجديد الوفاء لرسالة نوفمبر وقيمها الخالدة واستلهام معانيها في مواصلة بناء الدولة وتعزيز حصانتها الوطنية ومؤسساتها، وترسيخ ثقافة الوفاء للذاكرة الوطنية لدى الأجيال الصاعدة.

وخلال كلمة ألقاها في الندوة التي احتضنها المتحف الوطني للمجاهد، بحضور عدد من أعضاء الحكومة ومستشار رئيس الجمهورية المكلف بالشؤون الاقتصادية، إلى جانب مجاهدين وشخصيات وطنية وإطارات من القطاع، قال تاشريفت إن إحياء ذكرى عيد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية يمثل مناسبة لاستحضار تضحيات الشهداء والمجاهدين وتجديد الوفاء لرسالة نوفمبر وقيمها الخالدة، واستحضار المعاني التي حملتها ثورة التحرير في الدفاع عن الوطن ووحدته وسيادته.

وأوضح الوزير أن الجزائر تحيي هذه الذكرى “في عيدها الـ64، ذلك اليوم الذي انجلت فيه عن وطننا المفدى جحافل الاستعمار البغيض وهي صاغرة تجر أذيال الهزيمة”، مبرزا أن هذا المكسب جاء ثمرة تضحيات “نساء ورجال أشداء سكن الوطن أفئدتهم وعقدوا العزم على أن تتحرر الجزائر”، وقدموا في سبيل ذلك أعظم صور الفداء والتضحية.

وأضاف أن الاحتفاء بهذه المناسبة المجيدة يعيد إلى الأذهان “تلك الملاحم الخالدة التي خاضها الشعب الجزائري الأبي وهو يصاول مكائد الاستعمار وقواه العاتية”، مذكرا بأن الشعب الجزائري “ظل على درب التضحية يقدم القوافل تلو الأخرى من الشهداء البواسل حتى انصاع الاستعمار الغاشم واستسلم لإرادة شعبنا الثائر”، وهو ما كرس مكانة الثورة الجزائرية بين كبريات حركات التحرر في العالم.

وأشار تاشريفت إلى أن الجزائر “عكفت منذ استقلالها المجيد على استثمار تلك المحطات التي رفعت شعبنا إلى أعلى مراقي الفداء والوطنية الصادقة بين شعوب الأرض”، مؤكدا أن إحياء هذه الذكرى “يذكرنا بما قطعناه من أشواط على صعيد تعزيز حصانتنا الوطنية وتوثيق أواصر الوحدة والمضي بخطى واثقة نحو بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها على مختلف المستويات والتكفل بحاضر شعبنا الكريم ومستقبل بناته وأبنائه”.

وأكد الوزير أن الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، “تواصل خوض غمار مرحلة عمادها كسب مختلف الرهانات بنفس جديد، والتطلع إلى رفع التحديات بكامل الثقة في قدراتنا ومقدراتنا الوطنية المنبثقة من خالص آمال المواطن”، مبرزا أن هذه المرحلة ترتكز على تعزيز مكاسب الدولة الوطنية ومواصلة مسار التنمية وترسيخ عوامل الاستقرار، مع الحرص على صون السيادة الوطنية وتحصينها في مختلف المجالات.

وأضاف أن الجزائر “قطعت أشواطا متتالية على هذا النهج القويم، نهج الجزائر المنتصرة الوفية لمبادئها والمرسخة لمرجعياتها، الساعية دوما إلى ترسيخ المواطنة الحقة المحفوفة بتمتين النسيج الاجتماعي والمؤسساتي”.

وبالمناسبة، أشرف وزير المجاهدين وذوي الحقوق على وضع مشروعي رقمنة المتحف الوطني للمجاهد حيز الخدمة، ويتعلق الأمر بالدليل الرقمي المعتمد على رمز الاستجابة السريعة (QR Code) والمنصة الرقمية للمتحف، اللذين يتيحان للزوار والباحثين الولوج إلى معلومات حول مقتنيات المتحف وأنشطته باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، إلى جانب توفير واجهة رقمية للتعريف بالمتحف ومهامه وخدماته على مدار الساعة، بما يدعم تثمين الذاكرة الوطنية وخدمة البحث الأكاديمي وتسهيل وصول الباحثين والمهتمين إلى المادة التاريخية.

وتخللت هذه الندوة، المنظمة بمناسبة إحياء الذكرى الـ64 لعيد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، مراسم تكريم عدد من المجاهدين وأفراد الأسرة الثورية، إلى جانب عرض فيلم وثائقي حول إنجازات الدولة الجزائرية، وجلسة تفاعلية جمعت شبابا ومجاهدين، ووصلة فنية وطنية من أداء الفرقة النحاسية، قبل اختتام فعاليات التظاهرة.

وأعادت الندوة التاريخية التي احتضنها المتحف الوطني للمجاهد إلى الواجهة التضحيات الجسام التي مكنت الجزائر من استرجاع سيادتها الوطنية، غير أن دلالات الاستقلال في الجزائر اليوم تطرح أيضا أسئلة متجددة حول سبل تحصين هذه السيادة وترسيخها في مختلف المجالات. ومن استعادة القرار الوطني في الخامس من جويلية 1962 إلى رهانات بناء اقتصاد قوي ومؤسسات أكثر نجاعة، تواصل الجزائر مسيرة بناء الدولة بأدوات جديدة تستلهم القيم التي صنعت ملحمة التحرير وتسعى إلى تحويل المكاسب السياسية إلى مكاسب تنموية واقتصادية أكثر رسوخا.

ويظل الخامس من جويلية 1962 محطة مفصلية في تاريخ الجزائر المعاصر، إذ توج مسيرة طويلة من المقاومات الشعبية والنضال السياسي والكفاح المسلح، واستعاد الشعب الجزائري سيادته الوطنية بعد 132 سنة من الاحتلال الفرنسي. ولم يأت الاستقلال نتيجة ظرف عابر، بل جاء حصيلة مسار تاريخي معقد تعاقبت خلاله محطات حاسمة، من اندلاع الثورة التحريرية إلى مفاوضات إيفيان، ثم استفتاء تقرير المصير وإعلان الاستقلال، بعد مسار طويل من التضحيات التي شملت مختلف مناطق الوطن وفئاته.

وعند استعراض هذه المحطات وما تحمله من دلالات وطنية، يستعرض الباحث في التاريخ، عباس كحول، أبرز المراحل التي قادت إلى استرجاع السيادة، ويؤكد أن الاستقلال لم يكن ميلادا للدولة الجزائرية، وإنما استعادة لسيادتها التي سلبها الاستعمار الفرنسي سنة 1830 بعد احتلاله البلاد وفرض سيطرته على مؤسساتها وأرضها.

5 ملايين شهيد مهّدوا طريق استرجاع السيادة الوطنية

يؤكد كحول أن الخامس من جويلية 1962 لا يمثل تاريخ ميلاد الدولة الجزائرية، وإنما تاريخ استرجاع السيادة الوطنية التي فقدتها البلاد منذ الاحتلال الفرنسي في الخامس من جويلية 1830، مشددا على أن الجزائر لم تنشأ مع الاستقلال، بل كانت حاضرة قبل الاستعمار، بوصفها شعبا وأرضا وتاريخا وحضارة، وتمتلك مقومات الدولة ومرتكزات الشخصية الوطنية قبل دخول القوات الفرنسية إلى أرضها. ويرى أن الاحتلال الفرنسي لم يلغ وجود الدولة الجزائرية أو هوية شعبها، وإنما سلبها سيادتها الوطنية وفرض عليها استعمارا دام 132 سنة.

ويوضح كحول أن استرجاع السيادة سنة 1962 جاء تتويجا لمسيرة طويلة من التضحيات والنضال الوطني، خاضها الجزائريون بمختلف فئاتهم عبر مراحل متعاقبة، بدأت بالمقاومات الشعبية التي واجهت الاحتلال منذ سنواته الأولى، وواصلت الدفاع عن الأرض والهوية رغم اختلال موازين القوى، ثم انتقلت إلى نشاط الحركة الوطنية التي حافظت على المطالبة بالاستقلال في المحافل السياسية، وصولا إلى ثورة أول نوفمبر 1954 التي نجحت في توحيد جهود الجزائريين حول هدف واحد هو استعادة الحرية والسيادة الوطنية.

ويضيف الباحث أن استقلال الجزائر لم يكن منحة من المستعمر، وإنما ثمرة كفاح مرير دفع الشعب الجزائري ثمنه باهظا، إذ تجاوزت فاتورة التضحيات خمسة ملايين شهيد، من بينهم مليون ونصف المليون شهيد خلال الثورة التحريرية، إلى جانب آلاف المعتقلين والمهجرين وضحايا القمع والتعذيب. ويرى أن هذه التضحيات جسدت تمسك الجزائريين بحقهم في تقرير مصيرهم، وأسست لاسترجاع السيادة الكاملة على أرضهم ووحدة ترابهم الوطني، ورسخت أيضا معاني الوحدة الوطنية والتلاحم الشعبي حول مشروع التحرير.

ويؤكد كحول أن استعادة السيادة في الخامس من جويلية 1962 لم تضع حدا لحقبة استعمارية فحسب، بل دشنت مرحلة جديدة في تاريخ الجزائر المستقلة، تقوم على تجسيد المبادئ التي ناضلت من أجلها الثورة التحريرية، وفي مقدمتها السيادة الوطنية الكاملة، ووحدة الشعب، ووحدة التراب الوطني، وبناء دولة مستقلة تستمد شرعيتها من إرادة الشعب الجزائري وتستند إلى تضحيات أجيال متعاقبة من المناضلين والمجاهدين.

ويشير الباحث في التاريخ عباس كحول إلى أن استرجاع السيادة الوطنية في الخامس من جويلية 1962 لم يكن وليد ظرف سياسي عابر، وإنما جاء تتويجا لمسار تاريخي طويل من النضال والمقاومة خاضه الشعب الجزائري على امتداد أكثر من قرن، وأن هذا المسار انطلق منذ الأيام الأولى للاحتلال الفرنسي سنة 1830، من خلال المقاومات الشعبية التي قادها عدد من رموز المقاومة الوطنية في مختلف مناطق البلاد، والذين رفضوا الخضوع للاحتلال ودافعوا عن الأرض والهوية والسيادة رغم اختلال موازين القوى.

ويضيف كحول أن المقاومة الوطنية تطورت لاحقا إلى نضال سياسي قادته الحركة الوطنية الجزائرية، التي عملت على إبقاء القضية الجزائرية حية في الداخل والخارج، وأسهمت في ترسيخ الوعي الوطني والمطالبة بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، معتبرا أن هذه المرحلة شكلت حلقة أساسية في مسار التحرير، ومهدت لاندلاع الثورة التحريرية في الفاتح من نوفمبر 1954، التي نقلت النضال إلى مرحلة أكثر تنظيما وشمولا ووسعت دائرة الانخراط الشعبي في معركة التحرير.

ويؤكد الباحث أن الثورة التحريرية نجحت في توحيد مختلف فئات الشعب الجزائري حول هدف واحد هو استرجاع الاستقلال والسيادة الوطنية، حيث التفت الجماهير حول جيش التحرير الوطني وجبهة التحرير الوطني، وشاركت في دعم الثورة بمختلف الأشكال، سواء من خلال العمل العسكري أو السياسي أو اللوجستي، وهو ما منح الثورة قوة واستمرارية رغم شدة القمع الاستعماري.

ويرى كحول أن هذا الإجماع الوطني كان أحد أبرز عوامل انتصار الثورة، التي قدم خلالها الشعب الجزائري تضحيات جسيمة تجاوزت خمسة ملايين شهيد، من بينهم مليون ونصف المليون شهيد خلال ثورة التحرير، إلى جانب آلاف الجرحى والمعتقلين والمهجرين، وأن هذه التضحيات الكبيرة هي التي مهدت الطريق لاسترجاع السيادة الوطنية، وجعلت استقلال الجزائر ثمرة كفاح شعب بأكمله، وإرادة جماعية تمسكت بحقها في الحرية والسيادة، وليس نتيجة تسوية سياسية أو تنازل من سلطات الاحتلال.

اتفاقيات إيفيان.. بداية المرحلة الانتقالية

يوضح الباحث في التاريخ، عباس كحول، أن تتويج الكفاح المسلح الذي خاضه الشعب الجزائري على مدار أكثر من سبع سنوات جاء بالتوقيع على اتفاقيات إيفيان في 18 مارس 1962، بعد مفاوضات طويلة بين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية والسلطات الفرنسية. ويؤكد أن هذه الاتفاقيات شكلت محطة مفصلية في تاريخ الثورة التحريرية، إذ مهدت الطريق لإنهاء الحرب وفتحت الباب أمام انتقال الجزائر من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة استرجاع السيادة الوطنية.

ويشير كحول إلى أن الاتفاقيات دخلت حيز التنفيذ بإعلان وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962، وهو التاريخ الذي أنهى رسميا العمليات العسكرية بين جيش التحرير الوطني والقوات الاستعمارية الفرنسية، وفتح أمام الجزائريين أفقا سياسيا جديدا ارتبط باستعادة مؤسساتهم الوطنية. غير أن ذلك لم يكن يعني نهاية جميع أشكال العنف، إذ بقيت البلاد تعيش أوضاعا أمنية معقدة خلال المرحلة الانتقالية.

ويضيف أن هذه المرحلة عرفت إنشاء الهيئة التنفيذية المؤقتة برئاسة عبد الرحمن فارس، والتي أوكلت إليها مهمة تسيير الشؤون العامة والإشراف على تنفيذ بنود اتفاقيات إيفيان، إلى غاية تنظيم استفتاء تقرير المصير واستكمال إجراءات نقل السلطة إلى الجزائريين. ويعتبر أن هذه الهيئة اضطلعت بمسؤوليات كبيرة في ضمان استمرارية مؤسسات الدولة والحفاظ على السير العام للإدارة خلال فترة حساسة اتسمت بكثرة التحديات السياسية والأمنية.

ويلفت الباحث إلى أن المرحلة الانتقالية لم تكن سهلة، بسبب تصاعد أعمال العنف التي نفذتها منظمة الجيش السري الفرنسي (OAS)، التي حاولت إفشال مسار الاستقلال عبر تنفيذ عمليات إرهابية استهدفت المدنيين والمنشآت، ونشر الفوضى لإبقاء الجزائر تحت السيطرة الاستعمارية. ورغم تلك التهديدات، يؤكد كحول أن الإرادة الشعبية وتمسك الجزائريين بحقهم في الاستقلال مكّنا من تجاوز تلك المرحلة، في ظل حالة من التعبئة الوطنية والالتفاف الشعبي حول مطلب الحرية، وصولا إلى تنظيم استفتاء تقرير المصير الذي مهد لإعلان استقلال الجزائر واسترجاع سيادتها الكاملة.

ويبرز كحول أن محطة الأول من جويلية 1962 شكلت لحظة مفصلية في تاريخ الجزائر، حيث نظم الاستفتاء على تقرير المصير بصيغة “نعم” أو “لا” للاستقلال، وأسفر الاستفتاء عن تصويت 5.975.581 جزائريا لصالح الاستقلال بنسبة بلغت 99,72 بالمائة، وهو ما عكس إجماعا شعبيا واسعا على إنهاء الاستعمار واستعادة السيادة الوطنية، وأكد وحدة الجزائريين حول خيار بناء دولتهم المستقلة.

ويضيف المتحدث أن الرئيس الفرنسي، شارل ديغول، اعترف رسميا باستقلال الجزائر في الثالث من جويلية 1962، غير أن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية برئاسة يوسف بن خدة اختارت إعلان الاستقلال رسميا يوم الخامس من جويلية، ليصبح عيدا وطنيا يخلد خروج الاستعمار في التاريخ نفسه الذي دخل فيه الجيش الفرنسي الجزائر سنة 1830، في رسالة رمزية تؤكد نهاية حقبة الاحتلال واستعادة السيادة الكاملة ووحدة الشعب والتراب الوطني، وتربط بين تاريخ بداية الاحتلال وتاريخ انقضائه.

ويؤكد كحول أن إعلان الاستقلال أطلق موجة عارمة من الاحتفالات في مختلف المدن الجزائرية، حيث خرج المواطنون، رجالا ونساء وأطفالا، إلى الشوارع احتفاء بانتهاء الاحتلال، رافعين العلم الوطني الذي أصبح رمزا لوحدة الجزائريين وانتصارهم. وشهدت البلاد أيضا احتفالات رسمية شارك فيها قادة الثورة، إلى جانب الاستعراضات التي نظمها جيش التحرير الوطني بعد نزوله من الجبال وعودته إلى المدن، في مشهد جسد نهاية حرب التحرير وبداية مرحلة جديدة انصرفت فيها جهود الجزائريين إلى بناء الدولة الجزائرية المستقلة وتثبيت مؤسساتها الوطنية.