الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

بلاغة الخيانة حين تتزين ببدلة الوطنية.. قراءة في خطاب التبرير

Author
رائد ناجي 29 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

ليست الخيانة فعلا صريحا في كل الاحيان، بل كثيرا ما تتخفى في هيئة خطاب، وتلبس قناع الحكمة، وتتمظهر في لغة محسوبة الوقع، موزونة المفردات، حتى لتبدو وكأنها نصيحة غيورة، او رؤية استراتيجية، او قراءة واقعية لميزان القوى. هنا، تحديدا، تكمن خطورة النموذج الذي لا يكتفي بالفعل، بل يسعى الى تجميله، والى اعادة انتاجه بوصفه ضرورة، بل فضيلة.
ان اخطر ما في هذا النمط من الخطاب، انه لا يقدم نفسه بوصفه انحرافا، بل بوصفه تصحيحا. لا يقول: لقد خنا، بل يقول: لقد عقلنا. لا يصرح: لقد تخلينا، بل يهمس: لقد تجنبنا الكارثة. وهكذا تتحول اللغة من اداة تعبير الى اداة تبرير، ومن وسيلة كشف الى وسيلة طمس، ومن جسر نحو الحقيقة الى جدار يحجبها.
في هذا السياق، يصبح التجميل ليس مجرد زخرفة لغوية، بل بنية كاملة من اعادة التأويل. فالخيانة تعاد صياغتها بوصفها براغماتية، والتنازل يسمى مرونة، والانبطاح يغدو حكمة، والصمت عن الظلم يتحول الى تعقل. ومن خلال هذا التحوير الدلالي، يتم تفريغ المفاهيم من محتواها، حتى تفقد الكلمات قدرتها على الادانة، وتفقد الافعال قابليتها للمساءلة.
ان خطاب التبرير على هذه الشاكلة، يقوم على ثلاث ركائز اساسية. اولها، صناعة الخوف. اذ يتم تضخيم المخاطر، وتهويل التهديدات، حتى يبدو اي موقف مبدئي ضربا من الجنون، واي تمسك بالقيم نوعا من الانتحار السياسي. وثانيها، تشويه البدائل، بحيث يتم تقديم كل خيار مقاوم او مستقل بوصفه كارثيا، غير واقعي، او غير قابل للتطبيق. اما الركيزة الثالثة، فهي اعادة تعريف الوطنية ذاتها، بحيث لا تعود مرتبطة بالكرامة والسيادة، بل بالاستقرار المصطنع، ولو كان قائما على التبعية.
وهنا تتجلى المفارقة الاكثر حدة. فالوطنية، التي كانت في الاصل تعبيرا عن الدفاع عن الارض والهوية، تتحول في هذا الخطاب الى اداة لتبرير التخلي عنهما. يصبح الدفاع عن الكيان مرادفا للتنازل عن مقوماته، ويغدو الحفاظ على الدولة ذريعة لافراغها من معناها. وهكذا، لا تعود الخيانة نقيضا للوطنية، بل احد تمظهراتها في خطاب مقلوب.
غير ان هذا النمط من التجميل، مهما بلغ من اتقان، يظل مشروطا بقبول المتلقي. فهو لا يعيش الا في بيئة قابلة للتصديق، بيئة انهكها الخوف، وارهقتها الهزائم، واصابها التشوش في المعايير. ولذلك، فان مسؤولية تفكيكه لا تقع على عاتق منتجيه فحسب، بل على عاتق الوعي الجمعي ايضا، الذي ينبغي ان يستعيد قدرته على التمييز، وعلى اعادة الامور الى مسمياتها.
ان اخطر ما يمكن ان يحدث في هذا السياق، هو ان تتحول الخيانة من حالة استثنائية الى حالة عادية، ومن فعل مدان الى خيار مطروح، بل مفضل. حينها، لا يعود السؤال: هل هذا خيانة؟ بل: هل هي خيانة ناجحة ام فاشلة؟ وهنا، نكون قد انتقلنا من مستوى الاخلاق الى مستوى الاداء، ومن منطق القيم الى منطق الربح والخسارة.
ولعل ما يزيد من تعقيد المشهد، ان هذا الخطاب لا يعمل في فراغ، بل يستند الى منظومة اعلامية قادرة على اعادة انتاجه، وتكراره، وتكريسه. فالتكرار هنا ليس مجرد اعادة، بل عملية تطبيع، تجعل من الفكرة الغريبة فكرة مألوفة، ومن السلوك الشاذ سلوكا مقبولا. ومع الزمن، يفقد الناس حساسية الرفض، ويصبح ما كان مستهجنا امرا عاديا.
غير ان التاريخ، في نهاية المطاف، لا يكتب بلغة المبررات، بل بلغة النتائج. والخطابات التي نجحت في لحظة ما في تجميل الخيانة، سرعان ما تنكشف حين تتراكم آثارها. فالتنازل لا يقف عند حد، والتبعية لا تشبع، والسكوت عن الظلم لا يحمي من تبعاته. وحين تتضح الصورة، يكون الثمن قد دفع، والفرصة قد ضاعت.
من هنا، تبرز الحاجة الى استعادة المعجم الاخلاقي، والى اعادة الاعتبار للكلمات في معانيها الاصلية. ان نسمي الخيانة خيانة، لا براغماتية. وان نسمي التنازل تنازلا، لا مرونة. وان نسمي الصمت صمتا، لا حكمة. فبغير هذه الاستعادة، سنظل ندور في حلقة مفرغة من التبرير، حيث لا شيء يسمى باسمه، ولا شيء يحاسب على حقيقته.
ان تجميل الخيانة ليس مجرد انحراف لغوي، بل ازمة وعي، تتطلب مواجهة فكرية عميقة، تعيد ترتيب العلاقة بين اللغة والواقع، بين المفهوم والممارسة، بين القول والفعل. وفي غياب هذه المواجهة، سيظل الخطاب قادرا على ان يلون الحقيقة، وان يعيد تشكيلها، حتى تبدو على غير ما هي عليه.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقا: هل المشكلة في من يخون، ام في من ينجح في اقناعنا بان الخيانة وجه من وجوه الحكمة؟ هنا، تحديدا، تبدأ المعركة الحقيقية، لا في الميدان، بل في الوعي.

Author رائد ناجي
أكاديمي ومحلل سياسي فلسطيني