السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

بلمسة متوسطية.. كيف تصنع الشراكة الجزائرية الإيطالية فارقا سياحيا؟ 

Author
هارون عمري 09 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تكتسب اللقاءات الرسمية معناها الحقيقي عندما تتحول إلى إشارات عملية على مستوى السياسات العامة والأسواق في الوقت نفسه، لقاء وزيرة السياحة والصناعة التقليدية، حورية مداحي، مع وفد المجموعة البرلمانية للصداقة الجزائرية – الإيطالية، جاء في هذا السياق، حيث طُرحت ملفات تتعلق بتطوير السياحة وتحسين الخدمة وتوسيع الاستثمار السياحي، مع ربطٍ واضح بين تجربة الزائر والمنتج الحرفي المحلي. الحديث هنا يدور حول تعاون يُختبر بقدرة الطرفين على تحويل التقارب السياسي إلى أدوات تنفيذ، التكوين السياحي، التسويق السياحي، مشاريع، ومسارات سفر قابلة للتجربة. 

وفي تصريحات لـ”الأيام نيوز”، يتقاطع رأي مهنيين من الميدان مع هذا الاتجاه، سفيان مخناش يلفت إلى أن الرقمنة لم تعد ترفا في عمل الوكالات، وزكرياء رهيوي يرى أن تثمين السياحة الثقافية والصحراوية والمستدامة ينسجم مع طلب أوروبي متزايد.

سياق اللقاء ودور الدبلوماسية البرلمانية 

يندرج هذا اللقاء ضمن مناخ دبلوماسي يعتمد على قنوات متعددة، من بينها الدبلوماسية البرلمانية التي تُستخدم لتقريب وجهات النظر حول ملفات اقتصادية واجتماعية، في هذا النوع من اللقاءات، يُتاح للبرلمانيين الاطلاع على أولويات القطاعات وتحدياتها، كما يُتاح للوزارات تقديم تصورها بلغة قابلة للترجمة إلى شراكات ومبادرات. 

التركيز على السياحة والصناعة التقليدية يحمل دلالة إضافية، لأن الملفين يتقاطعان على مستوى التجربة اليومية للزائر، طريقة الاستقبال، جودة الإقامة، انتظام النقل، ثم ما يحمله الزائر معه من أثرٍ مادي، غالبا ما يكون منتجا حرفيا أو تجربة مرتبطة بالمكان. عندما يُدار هذا التقاطع بسياسات متماسكة، تصبح السياحة أداة لتنشيط الاقتصاد المحلي وتثبيت المهارات التقليدية ضمن دورة إنتاج حديثة. 

سياحة وصناعة تقليدية في عرض واحد 

تقوم رؤية تطوير السياحة على فكرة أن الوجهة لا تُعرَّف بالمناظر وحدها، بل تُعرَّف أيضا بما تقدمه من معنى وتفاصيل. الصناعة التقليدية تمثل جزءا من هذا المعنى، لأنها تعكس خبرة تراكمت عبر أجيال، ويمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية عندما تندمج في سلاسل التوريد السياحية، المتاجر، المعارض، الفنادق، المسارات الثقافية، والفعاليات المحلية. 

في البيئات السياحية الحديثة، يتقدم الزائر نحو تجربة متكاملة، يتعرف على المطبخ المحلي، يزور ورشات الحرف، يشتري منتجا موثق المصدر، ثم يشارك تجربته رقميا، هذا المسار يجعل الحرفة جزءا من السردية السياحية، ويجعل التسويق الرقمي أداة لاختيار الوجهة قبل الوصول إليها، لذلك يصبح الحديث عن مهارات البيع الرقمي للحرفيين امتدادا طبيعيا لأي سياسة ترويج سياحي. 

جودة الخدمة والموارد البشرية 

أبرز ما لفت في مضمون النقاشات هو التركيز على تحسين نوعية الخدمات السياحية ورفع كفاءة العنصر البشري، باعتبارهما نقطة ارتكاز لأي قفزة في تنافسية الوجهة. جودة الخدمة ترتبط بتفاصيل كثيرة، معايير الاستقبال، النظافة، السلامة، إدارة الشكاوى، وضوح الأسعار، ثم القدرة على تقديم معلومة دقيقة للزائر حول المسارات والأنشطة. 

رفع كفاءة الموارد البشرية يمر عبر منظومات تكوين مستمرة، وليس عبر دورات قصيرة متقطعة. في السياحة، تتحول المهارة إلى سمعة، والسمعة إلى طلبٍ متكرر. لذلك ظهر في اللقاء اهتمام بتطوير التكوين السياحي، مع تصور لتبادل الخبرة مع الشريك الإيطالي في مجالات التدريب وإدارة المؤسسات السياحية وأساليب التسويق وإدارة التجربة. 

الرقمنة في قلب الخدمة السياحية 

يتقاطع حديث تطوير السياحة مع التحول الرقمي الذي تعيشه الوكالات في تفاصيل الحجز والدفع والمتابعة، وفي هذا السياق قال الناشط السياحي وصاحب وكالة نبتون للسياحة والأسفار، سفيان مخناش، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، إن الحلول الرقمية والتعاملات الإلكترونية والخدمات عن بعد كانت إلى وقت قريب تُعدّ ضربا من ضروب الرفاهية، وكانت مقتصرة على بعض الدول المتحكمة في التكنولوجيا، حيث كان مجرد استخدام شيفرات للتعاملات المالية أو بضع نقرات على الهاتف الذكي يثير الانبهار، في حين أن هذه الخدمات كانت في السابق تستهلك جهدا ومالا ووقتا كبيرا. 

وأوضح أن الأمر لم يعد ترفا، بل أصبح أكثر من ضرورة، في ظل توسع نطاق الخدمات وتزايد الطلب عليها، بعدما صارت الطائرات والرحلات السياحية والتعاملات التجارية في متناول الجميع، بعد أن كانت من مظاهر البرجوازية وحكرا على فئة محددة. 

وأضاف أن القليل من الوقت يعني الكثير من المال، في عالم سريع يعيش عاما واحدا في ساعة، بين مسافرين يركبون الطائرات وآخرين ينزلون، وأشخاص في المصايف وآخرين في مواقع العمل، في حركة دائمة تشبه خلية نحل لا تعرف الراحة. 

وأشار مخناش إلى أن الجزائر ليست بمعزل عن هذا التحوّل العالمي، وأن انتهاج السبل الرقمية أصبح ضرورة لا خيارا، وهو ما يفسّر توجه معظم الوكالات السياحية لتطوير خدماتها يوما بعد يوم، حيث باتت أغلب الخدمات تُقدَّم عبر المنصات الرقمية. 

ولفت إلى أن حتى خدمات التأشيرة، رغم حساسيتها، تشهد تخليا تدريجيا عن الصيغة الورقية الكلاسيكية المثبتة على الجواز، لصالح تأشيرات رقمية تُمنح خلال ساعات عبر البريد الإلكتروني وبخطوات بسيطة وسريعة. 

وأكد أن تطور الدفع الإلكتروني وانتشاره سيساهم في جعل الخدمات السياحية أكثر مرونة وأريحية، ما يسمح للوكالات بالتركيز على كيفية استقطاب السياح وتحسين العروض، بدل الانشغال بإجراءات الدفع أو معالجة الملفات الإدارية. 

أنماط سياحية واعدة 

أشار عرض القطاع إلى مجموعة من الأنماط التي تشهد اهتماما متزايدا، من بينها السياحة الحموية والسياحة الثقافية والسياحة المستدامة والسياحة الموجهة للعائلات ولأبناء الجالية، في هذا السياق، يرى الناشط السياحي والجمعوي وخريج تسيير وفندقة، زكرياء رهيوي، أن التوجه الجزائري نحو تعزيز التعاون السياحي مع إيطاليا ينسجم مع التحولات التي يعرفها القطاع السياحي الوطني، خاصة فيما يتعلق بتثمين السياحة الثقافية والصحراوية والمستدامة، باعتبارها أنماطا تحظى باهتمام متزايد لدى السياح الأوروبيين. 

وأوضح، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن الجزائر تمتلك مؤهلات تجعلها قادرة على بناء شراكات سياحية حقيقية مع الفضاء المتوسطي، بالنظر إلى ما تزخر به من إرث أثري روماني ومواقع تاريخية مشتركة مع إيطاليا، إضافة إلى تنوعها الطبيعي والثقافي الذي يمنحها خصوصية ضمن الوجهات المتوسطية. 

وأضاف أن تطوير التعاون مع الشريك الإيطالي، خاصة في مجالات التسويق السياحي والتكوين والاستثمار الفندقي، من شأنه أن يساهم في رفع جودة الخدمات السياحية وتوسيع جاذبية الوجهة الجزائرية لدى الأسواق الأوروبية، لاسيما مع تنامي الطلب على السياحة الأصيلة والبعيدة عن النمط الجماهيري. 

وأشار إلى أن السياحة الصحراوية تمثل اليوم أحد أبرز عناصر القوة في العرض السياحي الجزائري، بالنظر إلى الإقبال المتزايد عليها من قبل السياح الأوروبيين، خاصة الباحثين عن التجارب الثقافية والبيئية الفريدة، وهو ما ينسجم مع الرؤية الجزائرية القائمة على ترقية سياحة مستدامة تحافظ على الخصوصية الثقافية والعمرانية للمناطق السياحية. 

وختم بالتأكيد على أن الانفتاح على التجارب المتوسطية، وفي مقدمتها التجربة الإيطالية، يمكن أن يشكل فرصة لتطوير الاستثمار السياحي ونقل الخبرات في مجالات التكوين والتسويق الرقمي وتسيير الوجهات الثقافية، بما يعزز مكانة الجزائر كوجهة متوسطية ذات طابع حضاري وتاريخي مميز. 

إطار التعاون ومذكرة تفاهم 26 ماي 2022 

يوفر الإطار القانوني أساسا لتفعيل التعاون، وقد أُشير إلى مذكرة التفاهم في مجال السياحة الموقعة بروما في 26 ماي 2022. وجود هذا النوع من الاتفاقيات يسهل وضع برامج مشتركة للتكوين والترويج وتبادل الخبرات، ويمنح اللقاءات اللاحقة مرجعية للتخطيط والمتابعة. 

من الناحية العملية، تتحول الاتفاقيات إلى نتائج عندما تتوافر ثلاث حلقات، تحديد مشاريع قابلة للتطبيق، توزيع أدوار واضحة بين المؤسسات، ثم مؤشرات متابعة تقيس التقدم. لهذا يبرز دور مجموعات الصداقة البرلمانية في تسهيل التنسيق وتشجيع الإدارات والفاعلين الاقتصاديين على الالتزام بمسارات تنفيذ قابلة للتحقق. 

الاستثمار والشراكة في المشاريع السياحية 

طُرح خلال اللقاء مجال الاستثمار السياحي كعنوان للتعاون، مع اهتمام خاص بمشاريع فندقية وقرى سياحية. الاستثمار في السياحة ينجح عندما يُبنى على دراسة للطلب، وإدماج للموارد المحلية، وربطٍ فعّال بالبنية التحتية والخدمات. كما يتطلب وضوحا في المساطر الإدارية وتنافسية في كلفة التشغيل وجودة الخدمة. 

إشارات الترحيب باستثمارات المؤسسات الإيطالية تعكس رغبة في تحويل الشراكة إلى مشاريع تخلق وظائف وتطويرا في الخدمات، مع التأكيد على أن السياحة جزء من استراتيجية تنويع اقتصادي. في هذا السياق، يصبح الحديث عن قانون الاستثمار عنصرا داعما للثقة الاستثمارية، مع أهمية المرافقة العملية للمشاريع من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التشغيل. 

التسويق الرقمي للحرف من الورشة إلى السوق 

عندما يتحدث قطاع السياحة عن تعزيز كفاءات الحرفيين في التسويق الرقمي وتقنيات البيع، فهو يتعامل مع تحدٍ متكرر في الاقتصاد المحلي، جودة المنتج قد تكون عالية، غير أن الوصول إلى المستهلك يظل محدودا. التسويق الرقمي يفتح قنوات جديدة عبر المتاجر الإلكترونية، والتوثيق البصري، وحملات القصص المرتبطة بالمكان. 

تطوير قدرات الحرفيين يتطلب أدوات عملية، تصوير احترافي، كتابة وصف دقيق للمنتج، تسعير واضح، سياسات إرجاع، ثم منصات دفع وشحن. ويمكن للشراكة مع مؤسسات إيطالية أن تقدم نماذج في حماية المؤشرات الجغرافية للمنتجات، وفي تنظيم المعارض والبيع عبر مواسم سياحية. وجود هذه الأدوات يجعل المنتج الحرفي جزءا من اقتصاد التجربة، ويزيد من فرص بقاء الحرفة ضمن دورة إنتاج تحترم قيمتها. 

 

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"