الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
ملفات الأيام

“بنة” رمضان.. هل تسرقها الفردانية؟

X Facebook TikTok Instagram

غيّرت التكنولوجيا من العادات اليومية للناس، وامتد التغيير إلى مجال العبادات، لا سيما في هذا الشهر الفضيل، الذي تميّز على امتداد قرون طويلة، بمظاهر خاصة لدى كل مجتمع إسلامي، تتفق جميعها في السمو الروحاني وتجدّد العلاقات الاجتماعية، عبر ترسيخ قيّم التكافل والتعاون والتعاضد، غير أنه في زمن بات يتّسم بالانكفاء والانغلاق على الذات، يُخشى أن تؤثّر “الفردانية” على الروح الرمضانية الجماعية، فيتحوّل رمضان إلى شهر آخر مثل باقي شهور العام!

قالت الكاتبة زينب أمهز: “رمضان – كما عرفناه – لم يكن موسم تصوير، بل موسم تطهير، وكانت الموائد جسورًا إلى السماء، لا منصّات عرضٍ للأسماء”. هذه المقولة تقدّم صورة بليغة لما آلت إليه الطقوس الرمضانية، حيث يسارع الكثير من الناس، بعد الإفطار، إلى أجهزتهم الذكية للتواصل مع عوالم بعيدة عن واقعهم وعن بيوتهم أو بيئاتهم المحلية!

وترى الكاتبة سحر قلاوون: “إن رمضان، قبل أن يكون شهر صوم عن الطعام والشراب، وقبل أن يكون شهر صلاة وزكاة، هو شهر التعاون، فهو يأتي مرة بعد الأخرى ليذكرنا بما قد ننساه أو نتناساه: نحن البشر بحاجة إلى بعضنا البعض، ولا يستطيع الواحد منا أن يعيش وحيدا مهما كان قويا، فالقوة لا تلغي احتياجنا للآخر. سنة بعد سنة، يعيد إلينا رمضان المفاهيم الصحيحة بعد أن يضع علامة خطأ على المفاهيم المغلوطة التي غزت أيامنا، فمن خلاله نعيد ترتيب أولوياتنا كما سائر أمور حياتنا”. بمعنى أن رمضان هو فرصة يمنحها لنا الله مرّة في العام لنجدّد أنفسنا وقوانا الروحانية، ونؤكّد استعدادنا الدائم لنتكامل بكل محبة لما فيه خيرنا جميعا.

صورة أخرى حول رمضان يقدّمها لنا الكاتب شريف إبراهيم أحمد، قال: “كان رمضان، ببساطة، يعلّم الناس أن الإنسان لا يكتمل وحده، وأن العبادة لا تكتمل إلا حين تمتدّ إلى الآخرين. كان الشهر الكريم مدرسة في الاجتماع الإنساني، وفيه يتعلّم الناس أن الكرم ليس في وفرة الطعام، بل في اتساع القلب”. وأضاف: “الذاكرة الشعبية تخبرنا أن رمضان كان يصنع مجتمعًا لمدة ثلاثين يومًا؛ يدرّب الناس على الكرم والتسامح والزيارات وصلة الرحم، ثم يترك أثره بقية العام. كان الشهر الكريم دورةً مكثفة في الإنسانية، يتخرج منها الناس أكثر قربًا من بعضهم، وأكثر صفاءً في نياتهم. أما اليوم، فنخشى أن يتحول إلى طقس موسمي سريع، ينتهي بانتهاء الإجازة لا بانتهاء الشهر، وتبقى بركته حبيسة الشاشات والإعلانات”.

هل غيّر رمضان من عاداته أم أن الناس هم الذين تغيروا؟ سؤال حاولت الكاتبة غدير حميدان الزبون الإجابة عنه قائلة: “اليوم، تغيّرت المشاهد، ولم يعد السؤال: مع من سنفطر؟ وإنما: ماذا سننشر؟ صارت المائدة أحيانًا عرضًا بصريًّا، تُلتقط قبل أن تُؤكل، وحلّت الشاشات ضيفًا دائمًا على الإفطار، لتقطع الحديث قبل أن يبدأ.. وتسللت الفردانية، بوصفها نزعةً تُمجّد الإنجاز الشخصي والخصوصية المطلقة، إلى الشهر الفضيل، فأصبح الصوم تجربةً ذاتية بحتة: أمارسها وحدي، وأتعبّد وحدي، وأخطط لأهدافي الروحية وحدي. حتى العائلة الواحدة قد تجتمع جسديًّا وتفترق ذهنيًّا، كلٌّ في عالمه الرقمي”.

وفي مقارنة بين رمضان الأمس ورمضان اليوم، قالت الكاتبة منى أبو حمدية: “رمضان اليوم ليس أقل جمالاً من رمضان الأمس، لكنه أكثر امتحانًا. الامتحان في قدرتنا على الموازنة بين الروح والجسد؛ بين متطلبات الحياة وضجيجها، ونداء السكينة الذي يحمله الأذان. الصيام ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل هو تدريب على إعادة ترتيب الأولويات، وعلى تحرير النفس من سطوة الاستهلاك، وعلى استعادة مركزية المعنى”.

ربما من المُجدي أن نعيد البحث عن معنى رمضان في أبعاده التاريخية والتراثية والاجتماعية، وليس الدينية فحسب، لنستشرف الأخطار التي تتهدّد القيم الإنسانية المرتبطة بالشهر الفضيل والتي توارثتها الأجيال الإسلامية عبر مختلف العصور، قال الكاتب ياسر أبو بكر: “ذلك لأن رمضان، في جوهره، لم يُشرّع فقط لضبط علاقة الإنسان بجسده، بل لإعادة ضبط علاقته بالآخرين. الصيام لم يكن مجرد تدريب على الحرمان، بل تدريبا على الإحساس بالآخر، وعلى كسر وهم الاكتفاء بالذات. كان يُعيد الإنسان إلى موقعه الطبيعي: كائنًا يعيش مع الآخرين، لا بمعزل عنهم”.

وأضاف الكاتب قائلا: “في زمننا، أصبح من الممكن أن يصوم الإنسان دون أن يلتقي بأحد، وأن يُتمّ رمضان كاملًا دون أن يعيش تجربته الجماعية. دخلت الفردانية بهدوء، لا بوصفها فكرة فلسفية، بل كأسلوب حياة. أصبحت الشاشات وسيطًا بدل المجالس، والاستهلاك بدل المشاركة، والعزلة بدل اللقاء. لم تختفِ الطقوس، لكنها فقدت كثيرًا من وظائفها الاجتماعية. بقي الشكل، لكن المعنى تراجع. أصبح رمضان، في كثير من الأحيان، تجربة يعيشها الإنسان داخل ذاته، بدل أن يعيشها داخل مجتمعه”.

في مدار هذه الأفكار، توجهت “الأيام نيوز” إلى نخبة من الكتّاب الأفاضل بهذه الرسالة: سمات إنسانية كثيرة اختفت أو تكاد أن تختفي من الحياة المجتمعية اليومية، لا سيما تلك المتعلقة بالتعاون والتراحم والتكافل.. وشهر رمضان كان “يضمن” تجديد هذه السمات، وتفعيل هذه القيم النبيلة السامية، فهل ما يزال الشهر الفضيل يقوم بعملية التجديد الروحي في المجتمع، أم أن “الفردانية” طغت على العلاقات، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، فغابت – أو تكاد – الطقوس الاجتماعية التي تحقق الرسالة الرمضانية..

ما الذي تحتفظ به ذاكرتكم عن رمضان الذي عشتموه في طفولتكم، أو الذي سمعتموه عن كباركم في العائلة والحي…؟ وكيف ترون رمضان في أيامنا؟ وما هي رؤيتكم للمعادلة التي توازن بين الروح والجسد في رمضان؟

عزيزي القارئ، ما هي رؤيتك لشهر رمضان الكريم بين الأمس واليوم؟ وهل تعتقد بأن القيم الروحانية والجماعية بدأت تختفي وتحل محلّها قيم أخرى “فردانية” بحُكم بضرورات العصر وانحياز الإنسان إلى التكنولوجيا؟ نترك لك الإجابة عن السؤال على ضوء هذا الملف.

بقلم: د. عماد مخيمر

رمضان كريم

رمضان زمان… رمضان رفح… رمضان الأهل والأم والأب والأخوة الذين ارتحلوا… رمضان الأماكن التي هُدمت والمنازل التي نُسفت والشوارع التي أُزيلت والمعالم التي مُحيت… رمضان ساعة المغرب وانتظار الآذان… رمضان زمان السوق الغربي في رفح الفواكه والخضار والمخللات…

رمضان زمان والليل والسهر والتلفزيون والجلوس على الطرقات والدفاع المدني وملعب برقة وحسن الفوال ومطعم منى والفول والفلافل المحشي.. رمضان الفجر وجامع العودة ونسمات الصباح.. رمضان زمان قُل لرمضان اليوم: لماذا تغير وجاءنا بالوحشة والوجع والبرد… نعرفك يا رمضان بأنك كريم فاسترجع ملامحك وعد كما كنت أكثر كرمًا وخفف من أوجاعنا..

رمضان كريم رغم كل شيء.

وحيد حمّود (كاتب من لبنان)

لن نعود كما كنّا!

كنّا نستيقظ من أجل أن نسمع صوت الطبلة، يحملها “مسحّراتي الحيّ”. كنت في السابعة من عمري، ولا أذكر أنّني كنت أصوم حينها، ولكنّني كنت أستحلف أمّي بأغلى ما عندها أن توقظني على وقت السّحور، ولكنّها حين كانت تتركني أغفو وترمي بأمنيتي هذه عرض الحائط، كنت أسمع صوت أبي هامسًا يغافل أمّي فيوقظني، ويقول: صه! لا تصدر صوتًا، قم وأغسل وجهك وتعال.

كانت تتفاجأ أمّي بالبرميل الذي يتدحرج فيصل إلى سفرة السحور الممدودة على الأرض، طبعًا هذا البرميل المتدحرج هو أنا، كي لا يذهب خيالكم إلى البعيد.

كنت أجلس أرضًا إلى جانب إخوتي، وأنظر إليها مستفزًّا كسر قرارها، محدّقًا في وجه أبي الحنون. هذه هي الحياة التي فقدناها اليوم إلى غير رجعة.

عمّاذا أكتب؟ أنا اليوم شاب ناضج، أفتقد أشياء كثيرة، من بينها وجه أبي، هذا الذي كلّما ذكرته وحدي كرجت من عينيّ الدموع، ماذا لديّ عن رمضان؟ وعن أيامه، وسهراته، صوت المسحّر ينقر طبلة أذني ولكنّه لا يعيد إليّ كل ما مرّ، المشاهد كانت قاسية، الخبز كان يابسًا، والطعام كان كمنتخبات كرة القدم في المونديال، يتأهّل المتبقّي من طعام الأمس لليوم وما تبقّى من طعام الإفطار للسّحور، ويفوز في نهاية الأمر من وصل للنهائي. وكنا سعداء، لست أدري لمَ، ربّما لأنّ السعادة تكمن فيما كنّا نحياه، لا بما صرنا نحيا لأجله.

رمضان الأمس كان أحلى وألطف، اليوم لا رمضان سوى فوق الروزنامة وفي الإمساكيات، أما في المنازل فقد هجرنا رمضان، وهو حين يهجر المنازل إنما يهجر القلوب.

أتذكّر جارتنا “أم علاء” وبناتها الستة، كانت فقيرةً إلى حدٍّ يشبه حالنا ويسبقه بشَوط، ولكنها لم تترك يومًا باب جيرانها من دون أن تنقل إليهم جزءًا من طعام بيتها، وبهذا كانت تعطي بيد وتأخذ بيد، لأنّ الحياة وقتها كانت بسيطة، أنا الآن أفكّر بما كنت أراه، وأحسّ بما أفتقده اليوم، ليتني بقيت صغيرًا وبقيت الحياة كما كنت أعرفها.

لا أريد أن أكتب المزيد، فإنّ قلّة شرب القهوة تصيبني بصداع، تعرفون ذاك الصداع الذي يتسبّب به ضجيجٌ متكرّر تصدره آلة؟ إن كنتم لا تعرفونه فلن أفسّره، فتّشوا عنه، لكنّني أردت أن أقول لكم أنّنا لن نعود كما كنّا، حتى لو عدنا إلى فعل كلّ ما كنّا نفعله فما قد تغيّر فينا لن تستطيع عاداتٌ نحييها أن تُرجعه، لقد فقدنا البساطة والعفوية، كلّ شيء بات ممنهجًا، مقصودًا، ومزيّفا.

سعاد عبد القادر القصير (باحثة وكاتبة من لبنان)

مدفع رمضان.. ومدافع حرب

ضرب المدفع، وحان وقت الإفطار! كنت قد نويت أن أكتب هذه المقالة على وجه السّرعة، فالطّعام على النّار، والسّلطة تحتاج الزّيت والحامض، والسّفرة ليست جاهزة، والمدفع على وجه الانطلاق تمهيدًا لأذان المغرب. كلّ شيء في هذه اللّحظات يسابقني حتى خطّ الإفطار. يبدو أنّني لن ألحق المقال، سأترككم لأعود غدًا أقصّ عليكم سيرة الشّهر الفضيل.

أشرقت شمس الصّباح التّالي، السّاعة السّابعة صباحًا، عادة ما يكون النّاس نيام في هذا الوقت، (notifications) كثيرة ترجّ هاتفي وترجّ معها راحتي، ما يزال الوقت مبكّرًا للذّهاب إلى العمل، فدوام رمضان يبدأ في التّاسعة، ما هذا الخبر الهام الذي يؤرق صفو نفوسنا في هذه الأيام الفضيلة؟

“العدوّ الصّهيونيّ يشنّ هجومًا”. شهدت ليلتنا السّابقة روتينًا رمضانيًّا مناسبًا لروحانيّات الصّوم والعبادة، صلاة، وقراءة قرآن، وتضرّع إلى الله. سلام يحيكه لنا رمضان من كلّ عام، تدنّسه الشّهور الأخرى، وننتظر الغسيل السّنوي لننقّي أرواحنا من الدّنس. فهل يحمل معه رمضان هذا العام الطّهارة الكبرى؟

ألف جرح ينهش جسدنا، يداويه ليل يشدّنا إلى الله، تغرقنا ذنوب نعلمها وذنوب لا نعلمها، وندعو بالرّحمة والمغفرة، نرمي بكلّ ما أثقلت به الحياة فوق كاهلنا فوق سجّادة صلاة طاهرة. أمّا نحن البلدان العربيّة فنزيد عليهم الدّعاء بالأمن والأمان والسّلام والاستقرار، نحن من إذا دارت حرب على المرّيخ، تكون أرضنا ساحة القتال، حتى فاضت الذّاكرة بصوت المدافع. لسنا ببدر، وليست المعارك متشابهة، لا يجمعها سوى التّاريخ، رمضان!

رمضان شهر تطهير الرّوح، جهاد الرّوح، وجهاد النّفس، وجهاد الدّين؛ قرآن بين أيدينا، وأخبار بين أيدينا، وسبحة بين أيدينا، ودمار بين أيدينا، وأيدينا تلملم بقايا طاقاتها من أجل إطعام صائم، وهناك من يعدّ لنا سفرة حرب عالميّة ثالثة لنصوم عن الحياة.

طبول الحرب قد دقّت وعروق الصّبر قد جفّت، نفطر دمع مآسينا.

نحن الجيل الذي عايش تداعيات الحروب السّابقة، وكافح ليحيا بين منعطفات المعارك العصريّة، فهل نعيش اليوم الحرب الكبرى؟ نحن الجيل الذي لم يذق من طعم الحياة حلوها، ومع كلّ شهر فضيل ندعو أن يمرّ المرّ، فهل رحمة الله علينا أن نشهد الاقتتال لنشد على ديننا كالشّاد على جمر؟

في رمضان تصفّد الشّياطين لنتيقّن أن شياطين البشر أكثر فتكًا وكفرا. وليس لنا إلّا الصّبر على علقم الحياة، ينتهي بنهر من العسل ينسّينا مرارة ما ذقنا، حلاوة ما صبرنا، ما محاه رمضان من ذنوب، وما كتبه لنا من نجاة.

رمضان، وحرب على وجه السّرعة تمتدّ على سفرة إفطاراتنا، ودعاء!

عصمت حسان (رئيس منتدى شواطئ الأدب بشامون الضيعة – لبنان)

قدوةُ الزيف

إلى أحدهم يصوم عن الطعام ويحلّل الحرام

ماذا إذا تــركَ الطعــامَ

الصائـــمُ

ودعتــهُ للإفْـكِ الحــرامِ ولائـــمُ

لا يقـربُ الأكـلّ الشّــهيَّ

كمؤمنٍ

وضميـرهُ المفقـــودُ نهشٌ دائـمُ

يُخفـي أبالســةَ الجحيمِ

بقلبــهِ

وتطـلُّ من فوقِ الجحودِ عمائمُ

نلقــاهُ في كـلّ المحافــلِ

حاضراً

ومحاضرا، وهوَ الفهيـمُ الفاهــمُ

فيكونُ في الآدابِ حرفا

رائيـًّـا

وإذا دعـاهُ النقـــــدُ رأيٌ لازمُ

ويؤمُّ في الشـعراءِ

وقتَ طوافهــمْ

وإذا دعــاهُ العلــمُ فهْــوَ العالمُ

ويكونُ أوقاتَ الخنوعِ

مسـالماً

ويقولُ إنّــي فــارسٌ ومقـاومُ

رجـلٌ فريـدُ الطبعِ

من أحوالـهِ

من أجلِ أن يبقى الزعيمَ يساومُ

ويصيرُ سمســـارا لأجلِ

منـافعٍ

تكفيـهِ كي يرقى الحيـاةَ دراهــمُ

هو قدوةٌ في الزّيــفِ

باتَ متوّجـاً

لمّـــا رأى أنّ الجميــعَ أوادمُ

رفضَ الأمانة فالأمانة

هيبـــةٌ

وترأسَ الوهــمَ العظيمَ ينادمُ

 

شطبَ الحياءَ ومن غياهب

فكرهِ

صارت مواعيدَ الحياءِ مواسمُ

ويظـنُّ قد أضحى مليكَ

زمــانهِ

وإذا يُقاسُ هــو الوضيعُ الخادمُ

عدوية موفق الدبس (باحثة وكاتبة سورية – لبنان)

رمضان.. بين طفولة “صوم العصافير” ومرارة “مدافع الرحيل”

ككلِّ عام، تخرجُ القلوبُ من أقفاصها لاستقبال الضياء، تُقرَعُ الطبولُ بانتظام، ونرتقبُ أذانَ المغرب بسلام، بانتظار التماس الهلال؛ هلال الخير الذي يحلُّ علينا بالبِشرِ والآمال. يأتي محمّلًا بالروحانيات، تسبقه العاداتُ والطقوس، التي احتفينا بها منذ نعومة الأظفار، وتشبثنا بأطرافها ونحن صغار، حتى صرنا اليوم كبارًا نحمل على أكتافنا ذكريات الديار.

إليكم يا من كبرتم…أردتكم أن تعرفوا أنَّ قطار العمر قد مضى، فلا تكترثوا لفوانيسَ علّقتموها في الزوايا، ولا تلحقوا بذاك الذي يقرع الطبل ليوقظ النيام. أتذكرون حين كنا نردد: “يا مفطر وينه.. شو مخبي له؟ فارة مقلية تحت الصينية”؟ كنا نمسك أصابع الرفاق، نبرمها بقوةٍ واشتياق، لنكشف الصائم من المفطر في “فحوصاتٍ” طفولية لا يعلم سرَّها إلا الصغار. وإن فشلت المحاولات، نطلب “فتح الفم” ومدَّ اللسان، لنحدق بعينين حادتين كالصقر ونقول: “تقبل الله.. ريقك جاف، أنت صائم بلا خلاف!”.

أما عن “المسحر” ووقاره، فكانت تلك قصة أخرى. حين نسمع ضربات طبله من بعيد، يرقص قلبنا كأنه يوم عيد. نخرج مسرعين من تحت الأغطية، نلحق بظله في الأزقة الملتوية، حفاةً غير آبهين ببرد الشتاء أو صمت الشوارع. كنا نتحلق حوله كالفراشات، نرجوه أن ينادي أسماءنا بين الدعوات. وبلمحة كرمٍ منه، يترك لنا “عصا الطبل” لنقرع ضربةً تهز السكون، فنشعر أننا ملوك الزمان وما يكون! وفي الصباح، نمسك بطرف الحديث ونبالغ في الروايات، ونقسم لأولاد الحي أننا كنا “مساعديه” في تلك الليلة المباركة.

وماذا أقول وأقول عن ملاحم “المفرقعات” وشرار الليف.. حين يغيب الضياء ويحين الإفطار، نبتلع لقماتنا على عجالة لنلحق بـ”ساحة الأسرار”. نشتري بمدخراتنا البسيطة أصناف “الفتاش” والشرار، ونحضر “الليفة السلكية” لنصنع منها عجائب النار. نشعل طرفها، ونفتلها في الهواء بحركات دائرية، فتتناثر حولنا كأنها مجرات ذهبية. نركض وسط الدخان، ولا نبالغ إن قلنا إنَّ التعب كان يتعب منا ولا نتعب! كنا نصنع ذكرياتٍ من “بارود الفرح”، نلعب حتى يداهمنا النعاس، فننام وفي جيوبنا بقايا مفرقعات لليوم التالي.

ناهيك عن فتاوى “المضمضة” وحقيقة “الصبر”.. كنا إذا اشتد بنا العطش، نبحث عن “ثغراتٍ” في قوانين الصيام. تقول الأم: “بإمكانكم المضمضة”، فنتمدد بجانب الصنبور، ونمكث في المضمضة دهورًا، حتى تمتلئ البطون بالماء “سهوًا”! ثم نخرج للجميع بوجوه بريئة لنقول: “لقد أهداني الله هدايا كثيرة اليوم!”. كنا نجهل أن الأم تفطر لسببٍ لم نكن نفقهه، وحين نراها تشرب، نتهمها بـ”الإفطار”، فتجيب بابتسامة صابرة: “الله يعطي الأمهات فرصة فقط لتذوق الطعام”.

وها نحن اليوم، نستيقظ في أواخر العشرين، ورمضان يعود في الشتاء كما وعدتنا الأمهات قديمًا. يفي الشهر بعهده، يأتي في موعده، لا يظلم أحدًا ولا يغيّر عاداته، فهل يا رفاق تغيّر الزمان.. أم تغيّر الإنسان؟ في الحقيقة نحن من كبرنا، ونحن من تغيّرنا!

لم نعد ننتظر مدفع الإفطار لنفرح، بل أصبحت المدافع في بلادنا تضج لتجرح. المفرقعات التي كانت تسعدنا، صارت “قذائف” ترهب الصغار، وصار السلام في رمضان مجرد أمنية بعيدة المنال. لم نعد نفطر على “تمر وماء”، بل صار البعض يفطر على “حقوق الضعفاء”، ويدّعون التقوى وهم أبعد ما يكونون عن نقاء السماء.

لا تلوموا رمضان، ولا تكتبوا على المنصات أنه “تغيّر”. رمضان هو الجمال والجلال، ولكن “الإنسان” هو من أفسد الجوهر، وغيّر في نفسه ما كان يجب ألا يتغير.

غدير حميدان الزبون (كاتبة من فلسطين)

رمضان.. من دفء الجماعة إلى عزلة الشاشات.. أيّ روح تسكننا اليوم؟

في الليلة التي يتراءى فيها الهلال يتبدّل إيقاع القلوب، ويكأنّ الزمن يخلع معطفه الثقيل، ويقف على عتبة شهرٍ يعرف أسماءنا واحدًا واحدًا. تتقدّم رائحة الخبز من الأزقة، وتتصاعد همسات الأمهات في المطابخ، ويتهيأ البيت لاستقبال ضيفٍ لا يُشبه سواه. غير أنّ السؤال الذي يمرّ خفيفًا بين الضوء والظلّ ليس عن عدد الأطباق ولا عن برامج السهرة، فهو عن شيءٍ أعمق: أيُّ رمضان سيزورنا هذا العام؟

أتذكّر بابًا كان يُطرَق قبل الأذان بدقائق، وصحنًا يعبر الشارع كأنه رسالة محبة، وضحكاتٍ تتشابك حول مائدةٍ لا تتسع إلا بالقلوب. وأتأمّل اليوم شاشاتٍ مضيئة تحيط بالوجوه، وصمتًا رقميًا يسبق اللقمة الأولى، وبين المشهدين مسافة زمن، ومسافة معنى.

رمضان هو ذاكرةٌ جمعية، ومرآةٌ تعكس صورة المجتمع في كلّ مرحلة من تاريخه. في الأمس كان الشهر الفضيل مساحةً يتسع فيها البيت للجار، والحيّ للغريب، والقلوب لبعضها بعضًا.

أما اليوم، في زمن السرعة والشاشات والنزعة الفردانية المتنامية فإنّ السؤال يلحّ: هل ما يزال رمضان قادرًا على تجديد القيم الروحية والإنسانية كما كان؟ أم أنّ الفردانية أعادت تشكيله ليصبح تجربةً شخصية معزولة أكثر منه موسمًا اجتماعيًا جامعًا؟

هذا المقال محاولةٌ لاستحضار صورة الأمس، وتأمّل مشهد الحاضر، وفتح حوارٍ عقلي مع القارئ حول مستقبل المعادلة بين الروح والجسد، وبين الفرد والجماعة.

رمضان الأمس: طقس الجماعة وروح التكافل

في ذاكرة الطفولة كان رمضان يبدأ قبل الهلال، وكانت البيوت تتزيّن بالمصابيح، وبترقّبٍ مشترك، إذْ كانت الأم تُعدّ ما تيسّر لتشاركه مع غيرها، وكان صوت المدفع أو الأذان لحظةً جامعة يتوحّد فيها الإحساس بالزمن.

كان الإفطار مائدةً ذات معنى، ولك أن تتخيّل كيف تتزاور الأطباق، فطبق الشوربة يعبر العتبات دون استئذان، وتصل صحون الجيران قبل أن تُرتَّب السفرة.

وكان الفقير معروفًا بالاسم لا بالرقم، ويُقصَد دون أنْ يُنتظر، فالزكاة كانت علاقة إنسانية، ونظرة في العين، ودعاءً يُسمَع.

وفي ليالي رمضان كانت المساجد تضيق بالمصلين، لكنّ القلوب تتسع، فالتراويح لا تقتصر على طقوس الصلاة فهي لقاء اجتماعي، والسهرات كانت استثمارًا في الحكاية، وفي الذكر، وفي تبادل الخبرات بين الأجيال.

رمضان الأمس كان مدرسةً عملية لإعادة ترميم النسيج الاجتماعي. كان يذكّر الإنسان بأنه جزء من كلّ، وأنّ الصوم ليس امتناعًا عن الطعام فقط، وإنما هو تدريب على كبح الأنانية.

رمضان اليوم: الفردانية وتحوّل المعنى

اليوم، تغيّرت المشاهد، ولم يعد السؤال: “مع من سنفطر؟”، وإنما “ماذا سننشر؟”. صارت المائدة أحيانًا عرضًا بصريًّا، تُلتقط قبل أن تُؤكل، وحلّت الشاشات ضيفًا دائمًا على الإفطار، لتقطع الحديث قبل أن يبدأ.

وتسللت الفردانية، بوصفها نزعةً تُمجّد الإنجاز الشخصي والخصوصية المطلقة، إلى الشهر الفضيل، فأصبح الصوم تجربةً ذاتية بحتة: أمارسها وحدي، وأتعبّد وحدي، وأخطط لأهدافي الروحية وحدي. حتى العائلة الواحدة قد تجتمع جسديًا وتفترق ذهنيًا، كلٌّ في عالمه الرقمي.

لكنّ الإنصاف يقتضي ألّا نقع في فخّ النوستالجيا المفرطة، فالحاضر يحمل ملامح إيجابية أيضًا، ومبادرات الخير صارت أوسع انتشارًا بفضل وسائل التواصل، وحملات التبرع تصل إلى أبعد مدى، والمعرفة الدينية متاحة بضغطة زر. غير أنّ الفرق الجوهري يكمن في طبيعة العلاقة: هل هي علاقة مشاركة حيّة، أم تفاعل افتراضي عابر؟

هل فقد رمضان قدرته على التجديد؟

السؤال الأعمق ليس: هل تغيّر رمضان؟ وإنما: هل تغيّرنا نحن؟ رمضان في جوهره ثابت من صيام، وقيام، وقرآن، وزكاة، فما يتبدّل هو استعداد الإنسان لاستقبال هذه القيم. فإذا طغت الفردانية حتى صار الإنسان محور ذاته تحوّل الصوم إلى حمية، والقيام إلى عادة، والزكاة إلى إجراء.

والتجديد الروحي لا يحدث آليًّا بقدوم الشهر، فهو قرارٍ داخلي، ورمضان فرصة، لكنه لا يُجبر أحدًا على التغيير، فهو يعرض مرآةً صافية بأنّ من أراد أنْ يرى نفسه بصدق حتمًا سيرها.

رمضان في فلسطين: الروح التي لا تُحاصَر

في فلسطين يجيء رمضان مثقلًا بواقع الاحتلال والحصار والفقر، لكنه يجيء أيضًا محمّلًا بقدرةٍ استثنائية على إحياء المعنى وسط الركام. ففي الضفة الغربية تُثقل الحواجز تفاصيل اليوم فيغدو الوصول إلى المسجد رحلة صبر، ويصبح الأذان إعلانًا عن هويةٍ لا تُمحى.

وفي القدس يتضاعف الشوق إلى الصلاة في المسجد الأقصى، فتتحوّل الخطوة نحوه إلى فعل صمود، وتغدو مائدة الإفطار في ساحاته رسالةً تقول إنّ الروح أوسع من الجدار.

أما في غزة فالحصار يضيّق المجال الحيوي للحياة، فرمضان يخرج من بين الخيام كإرادة بقاء، ففي مخيمات النزوح تُقيم عائلات فقدت بيوتًا وأحبة، تُفرش موائد متواضعة فوق أرضٍ باردة، ويتقاسم الناس ما تيسّر بكرامةٍ عالية.

فلا تُقاس المائدة بوفرتها وإنما بنبض التضامن الذي يحيط بها، فالأم التي فقدت ابنًا شهيدًا تُعدّ الطعام كأنها تُعدّ ذاكرة، والأب الأسير الغائب حاضرٌ في الدعاء عند كل أذان، وأسماء الشهداء تُذكَر قبل اللقمة الأولى، وصور الأسرى تُعلّق في الخيام كأنها نوافذ نحو الحرية.

الفقر هنا ليس رقمًا في تقرير، لقد أصبح تجربة يومية تُدار بالصبر، ومع ذلك، تتجدّد أشكال التكافل فهناك جارٌ يقتسم ما وصله من معونة، وشابٌّ يوزّع وجبات على خيامٍ أبعد، ومتطوعون يقيمون إفطارات جماعية تُعيد تشكيل العائلة الكبرى.

وكذلك ترى الأطفال الذين يعرفون أصوات الطائرات أكثر مما يعرفون أصوات الألعاب يحفظون أناشيد رمضان، ويصرّون على الفوانيس ولو صُنعت من علبٍ فارغة، فالصوم في غزة امتناع عن اليأس.

في هذا السياق يتجلّى البعد الإنساني للشهر بصورةٍ أكثر صفاءً، فالصبر ممارسة، والرجاء ضرورة نفسية تُبقي القلب متماسكًا، وقيام الليل في خيمةٍ مهتزّة يصبح شهادةً على أنّ الروح لا تُقصف، وأنّ العلاقة بالله مساحة حرّة لا يطالها حصار. فالزكاة والصدقات تتجاوز معناها المالي إلى معنى الحضور والمواساة فيغدو السؤال عن الجار فعل مقاومة أخلاقية.

إنّ رمضان في فلسطين ليس حنينًا إلى ماضٍ مريح بقدر ما هو تثبيتٌ للكرامة في حاضرٍ قاسٍ. هو موسم تتقاطع فيه العبادة مع المعاناة، ويُختبر فيه معنى الجماعة على نحوٍ مكثّف، وهنا تتراجع الفردانية أمام حاجةٍ ملحّة إلى التكاتف، وتنكشف القيمة الحقيقية للصوم بأن يظلّ الإنسان إنسانًا كريمًا معطاءً حتى في أقسى الظروف

المعادلة بين الروح والجسد: رؤية للمستقبل

التوازن المنشود لا يقوم على إلغاء الجسد ولا على تمجيد الروح على حساب الواقع، لأنّ رمضان ليس إنكارًا للحياة إنما هو إعادة ترتيب للأولويات بأن نأكل باعتدال، ونعمل بإتقان، ونعبد بوعي، ونتواصل بصدق.

فالمعادلة الحقيقية تكمن في تحويل الصوم من فعل امتناع إلى فعل امتلاء، امتلاء بالمعنى، وبالتراحم، وبالمسؤولية الاجتماعية، وأن نعيد للمائدة بعدها الإنساني، وللزكاة بعدها العلاقي، وللصلاة بعدها الجماعي.

قد لا نستطيع إعادة الزمن إلى الوراء، لكن يمكننا استعادة الروح التي سكنت ذلك الزمن، فيمكن للأسرة أن تتّفق على ساعة بلا هواتف، وللجار أن يطرق الباب كما كان، وللأب أن يحكي لأبنائه عن “رمضان زمان” لا ليبكيه، وإنما ليبنيه من جديد.

رمضان هو امتحانٌ سنوي لضمير المجتمع، ففي كل عام يسألنا السؤال ذاته: هل نصوم بأجسادنا فقط، أم نصوم بأنانيّتنا أيضًا؟

بين دفء الجماعة في الأمس، وبرودة العزلة الرقمية في بعض ملامح اليوم، يبقى الخيار بأيدينا، فإما أن نسمح للفردانية أن تفرغ الشهر من رسالته، أو نعيد اكتشاف معناه فنحوّل الصوم إلى جسرٍ يصل بين القلوب، لا جدارٍ يعزلها.. رمضان سيبقى موسمًا للتجديد، لكنّ التجديد يبدأ من الداخل.

وعندما ينقضي الشهر لن يرحل دفعةً واحدة وإنما سيترك خلفه أشياء صغيرة تشبه الهمس: مصحفًا ما زال مفتوحًا عند آيةٍ مؤثرة، وسجادة صلاة تحتفظ بحرارة الجبين، وقلوبًا اختبرت معنى الجوع فاقتربت من معنى الرحمة. والسؤال الحقيقي يُطرح في صباحٍ عادي بعده: ماذا بقي فينا من رمضان؟

ربما لا نستطيع أن نعيد الأزقة القديمة كما كانت، ولا أن نطفئ ضجيج العصر من حولنا، غير أنّ في وسعنا أن نحفظ شعلةً صغيرة في الداخل، فنتذكّر أنّ الصوم لم يكن امتناعًا عن الطعام بقدر ما كان امتناعًا عن القسوة، وأنّ الإفطار لقاء روح بروح، فإن خسرنا بعض الطقوس فلا نخسر المعنى، وإن تغيّر شكل العالم فلا يتغيّر جوهر الإنسان إلا إذا سمحنا له بذلك.

رمضان يطلب منا أن نصعد إلى الأعلى، ونرتّب أولوياتنا كما تُرتّب المآذن نداءها في الفجر واضحًا صادقًا ممتدًا في السماء. فإذا استطعنا أن نحمل من الشهر عادةَ السؤال عن الآخر، وفضيلةَ المشاركة، وهدوءَ المناجاة صار كلّ عامٍ بعده امتدادًا له لا قطيعةً معه.

هكذا يظلّ رمضان وعدًا متجدّدًا بأنْ يكون في داخل كلّ واحدٍ منا بيتٌ يتّسع للآخرين، ومائدةٌ لا تخلو من الرحمة، وقلبٌ يعرف طريقه إلى النور مهما تكاثفت حوله العتمة.

وإذا نجحنا في ذلك فلن يكون السؤال: أين ذهب رمضان؟ سيصبح الأجمل أن نقول: ها هو ما يزال يسكننا؟

غنى نجيب الشفشق (كاتبة من لبنان)

ماذا تعرفون عن “أمّ سعد”؟

عباءةُ أمِّي المطرّزة بقيت بلا خيطٍ ينهيها. وشاح والدي عُلِّقَ في الخزانة، ينتظرُ من يرتديهِ. أختي الصُّغرى تطالبني بصنعِ قطعِ حلوى يوميًّا بعد الإفطار، وتنسى أنَّني مبتورةُ الأصابع. أخي يتفقَّد المؤونة كلَّ مساءٍ خشيةَ الإملاقٍ، ولا يدرك أنَّنا منذ سنتين هجرتنا الفئرانُ.

بالأمسِ كان عشاؤنا علبة سردينٍ مع أرزٍ بائتٍ، حبَّة تمرٍ لكلِّ واحدٍ منَّا، قطعة خبزٍ لا تكفي لإشباعِ عصفورٍ، وتفاحة. بعدها علينا أن ندعو بالعمر الطَّويل للجمعياتِ الخيرية، ثمَّ للدولة العميقةِ لدعمها لهذه الجمعياتِ.

جارنا يعدُّ كل يومٍ وليمةٍ ليدعو إليها الأغنياء المساكين المتخمين، ثمَّ يكتب في صفحته على “فيسبوك”: تم بعونِ الله إقامة إفطار جماعي لأربعينَ مسكين من إخوانِنا الأيتام. في الشقَّة نفسها، نامت أمُّ سعد ليلتها جائعةً.

تمشي في الشَّوارع ترى كلَّ الشرفاتِ مضاءة بالزِّينة. وأنا أيضًا أضأتُ زينتي، لكنَّها مطفأة في غيابِ والديّ. زينتي تضيء أحمر، أخضر، برتقالي… مطفأة في عينيَّ.

قبل أسبوعٍ من رمضان قررت بلدية قريتنا تعليق أقمار على أعمدة الكهرباء، فأخطأوا وفصلوا التيار الكهربائي عن كل من ليس بقدرتِه دفع الفاتورة للمولِّد.  قيل إنَّهم في حالةِ عجزٍ هذه السَّنة، فلم تقدّم البلديّة صدقة الشَّهر إلا للأقارب والأقارب أولى بالمعروف كما هو معروف.

أخبرتُ أختي الصغرى أن الحليب كافٍ لإشباعنا، وإن كان غير ذلك لماتت القطط حديثة الولادةِ. ضحكت وقالت:” غرني حديثك الكاذب وإن جعتُ أثناء النّهار؟”. كان سؤالها أعمق من صمتي… أجابها أخي:” اُرسمي أمَّنا في المطبخ تعدُّ أطباقًا شهيةً”.

في مخيلتي لم أرسم أمِّي أنا، بل رسمت والدي عائدًا من العملِ وبيدهِ عشاء هذه اللَّيلةِ.

مرحبًا، هل تذكّرتموني؟ نسيت أن أتحدّث عن زمنَين مختلفَين، لكنّني شئت أن أكتب لكم فصلًا من روايةٍ مبتورة، هي رواية لم يقرأها أحدٌ بعد، أو على وجه الدّقّة، لا أحد يريد أن يراها، فالكلّ مشغولٌ بنفسه، لا أحد يحدّق في المشاهد الماثلة أمام عينيه كلّ يوم، وكأنّ ما يحدث هو “بروفا” لمسرحيّة هزليّة بصيغة الكوميديا السّوداء، لا بأس، الفردانيّة سمة العصر، ولكن هل فتّش أحدكم في جعبته عن دوره الحقيقي؟ ماذا تعرفون عن أمّ سعد؟ وعن جارنا الفوتغرافر قنّاص الولائم؟ ماذا تعرفون عنّي؟ وعن أخي؟ وعن أختي؟ وعن الفئران التي باتت تُبغضنا بعد أن تضوّرت جوعًا في بيتنا؟ لا بأس، إنّنا سنُطعم القطط، ونرسم وجه أمّنا وظلّ والدنا، سنزيّن قلوبنا برمضانٍ تعلّمناه من خالقكم لا من خلقكم، لا بأس، هذا فصلٌ من رواية لا تكترثون بها، إنها الواقع.

عبد السلام عابد (أديب وشاعر، من شعراء منبر أدباء بلاد الشام – فلسطين)

ذكريات رمضانيّة..

في المساء الرمضانيّ، يطيب له أن يجلس وحيدا، بانتظار موعد أذان المغرب؛ حتى يتسنّى له الإفطار، مع أفراد أسرته، بعد صيام نهار طويل. يعود بذاكرته إلى رمضان.. أيام زمان. لم تكن بيوت القرية مضاءة بالكهرباء، بل بقناديل وأسرِجة، لا تكاد تقوى على طرد جيوش العتمة المتراكمة.. صوتُ المسحراتي الجميل بطبلته، وأدعيته ونداءاته، كان له وقعُ الموسيقى العذبة، في سمْعه وفؤاده.

ذات يوم قال لأمّه: أحبُّ سماع صوت المسحراتي، أرجوك أن تنبهيني من نومي؛ لأسمع صوته. لبّت الوالدة طلبه، وسمع في الظلام، وعلى متن الرياح الشّتوية صوت المسحراتي ينادي من طرف القرية الجنوبي: يا غافل، وحّد الله.. لا إله إلا الله.. ويَتبعُ هذا النداءَ العذبَ صوتُ الطبلة: طُبْ.. طبْ.. طبْ.. يا لها من أصوات رائعة، لا يزال صداها يتردد في الذاكرة، رغم مرور السنين..

ويتجمّع أفراد الأسرة حول مائدة السّحور، ويصلّون، ثم يقول الوالد، بعد أن يُخفض فتلة السّراج: ناموا يا أطفال؛ حتى تزوركم في الأحلام غزالة رمضان…!

ويحاول الصغار تقليد الكبار، فيعمدون إلى الصوم، ويتحمّلون مشاق الصبر على العطش والجوع. وقُبيْل أذان المغرب، كانوا يتجمعون، ويراقبون المؤذن، وهو يصعد إلى سطح المسجد، بخطواته البطيئة، فيجلس على كرسي، ويُخرج ساعة الجيب البيضاء، ويراقب عقارب الساعة، ثم يقوم، ويرفع يديْه إلى أذنيه، فيما تنطلق أصواتهم بالأناشيد الشعبية الجميلة: “أذّن يا سيدي.. سيدي، بذبحلك جاجي بإيدي… توكلها وتنام… على رف الحمام…”. وتبلغ سعادتُنا ذُروتَها، حينما يرتفع صوتُ المؤذّن لصلاة المغرب، حيث يحين الموعد الإلهيّ، لتناول الطعام والشراب.. فينطلق الأطفال إلى بيوتهم، سعداء.. فرحين.. مستبشرين.. “أفطروا يا صايمين..”.

وفي نهارات رمضان، ولا سيما قبيل فرحة الغروب، يتجمّع أطفال الحارة، ويتحدّى الصائمون منهم زملاءهم المفطرين الذين لم يستطيعوا الثبات والصمود والتحدي؛ ويطلقون على مسامعهم بعض الأناشيد التي تنتقد ضعف همّتهم وإرادتهم، وعدم تحملهم لمشاق الصوم: “يا مفطر رمضان، يا مقلّل دينك…”.

ولصلاة التراويح سحرُها الخاص، وأجواؤها الإيمانية المفعمة بالفرح، ولا سيما في الأيام الأخيرة من رمضان، حيث يشعر الأطفال بالحزن والفرح في الوقت ذاته، فهم يحزنون لقرب فراق رمضان، ويفرحون لمجيء عيد الفطر السعيد.

وفي ليالي رمضان الأخيرة، كان الأطفال يتحلّقون حول إمام المسجد بوجهه البشوش، وابتسامته المشرقة، ومعاملته اللطيفة والسمحة، ويردّدون معه نشيدا شعريّا معبّرا يبدأ بهذا البيت:

لا أوحش الله منك يا رمضان — يا معدن الخيرات والإحسان

د. منى أبو حمدية (باحثة في علم التراث الفلسطيني – من فلسطين)

تأملات في الروح الغائبة والحاضرة.. رمضان بين ذاكرة الجماعة وقلق الفرد

رمضان، في الذاكرة الشعبية الفلسطينية، لم يكن شهرًا عابرًا في تقويم الأيام، بل كان زمنا مغايرا، له طقوسه التي تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الفرد وجماعته. كان شهرا يعيد وصل ما انقطع، ويُجدّد في المجتمع سمات التعاون والتراحم والتكافل، كأنّه موسم سنوي لإحياء القيم التي قد تُرهقها تفاصيل الحياة اليومية.

في طفولتي، كان قدوم رمضان يُستشعر قبل أن يُعلن. زينة البيت كانت أول البشائر؛ ألوان صغيرة تتدلّى من السقف، وفوانيس تُعلّق بشغف طفولي، كأننا نهيّئ المكان لاستقبال ضيف عزيز. لم تكن الزينة مجرّد مظهر، بل كانت إعلانا داخليًّا بأننا مقبلون على زمن مختلف، زمن تُصقل فيه الأرواح.

أتذكّر الذهاب إلى صلاة التراويح في المسجد المجاور لمنطقتنا. كان المسجد يمتلئ بالوجوه المضيئة، كبارا وصغارا، رجالاً ونساءً، وكان صوت الإمام يمتزج بدعوات الأمهات وهمسات الأطفال. لم تكن التراويح صلاة فحسب، بل كانت اجتماعاً روحياً يعيد تشكيل الحيّ كعائلة واحدة. بعد الصلاة، تمتد الأحاديث بين الكبار؛ يتحدثون عن رمضانات مضت، عن موائد عامرة رغم قلة الإمكانات، وعن ليالٍ كان فيها الجار يسأل عن جاره قبل أن يسأل عن نفسه. تلك الأحاديث كانت جزءًا من تراث شفهي حيّ، ينقل القيم كما ينقل الذكريات.

رمضان الأمس، كما سمعناه من كبارنا وعشناه في طفولتنا، كان يقوم بدور “الضامن” الأخلاقي للمجتمع. كان يُجبرنا – بلطف – على الخروج من شرنقة الذات، لنتذكّر المحتاج، ونزور القريب، ونتصالح مع المختلف. كانت المائدة الرمضانية مساحة اجتماع لا تُختصر في الطعام، بل تتسع للقصص والضحكات والمسامحة.

أما اليوم، فنحن نعيش زمنا تتصاعد فيه النزعة الفردانية؛ انشغال كل فرد بشاشته، بعالمه الخاص، بإيقاعه السريع. حتى داخل الأسرة الواحدة، قد يجلس كل فرد إلى جهازه، فتغيب الأحاديث التي كانت تُنسج حولها العلاقات. هنا يبرز السؤال: هل ما يزال رمضان قادرا على تجديد الروح الجماعية؟ أم أن الفردانية طغت حتى كادت تطمس الطقوس الاجتماعية التي شكّلت رسالته الإنسانية؟

أرى أن رمضان، رغم كل التحوّلات، ما يزال يحمل في جوهره القدرة على المقاومة. إنه شهر يأتي بعد ملل من روتين الأيام، فيأخذنا إلى الصفاء والتأمل والتسامح، ويفتح صفحة جديدة مع الحياة. غير أن هذه القدرة تحتاج إلى وعي مقصود؛ أن نُعيد الاعتبار للّمة العائلية، أن نُطفئ الشاشات ساعة الإفطار، أن نُحيي عادة السؤال عن الغائب، وأن نُدرّب أبناءنا على معنى العطاء لا استهلاك العروض الرمضانية.

في السياق الفلسطيني، يجيء رمضان مثقلاً بوجع الواقع. في ظل الحرب على غزة، والاقتحامات المستمرة في الضفة، تبقى فرحتنا بالشهر الفضيل منقوصة. لا ننسى من فقدناهم بسبب الحرب، ولا تغيب عن موائدنا صور الأحبة خلف القضبان. ثمة مقاعد فارغة على مائدة الإفطار، لكنها ممتلئة بالدعاء. هنا يتجلّى البعد الإيماني لرمضان؛ أن نحمل الحزن إلى الله، وأن نحول الفقد إلى طاقة صبر وثبات.

رمضان اليوم ليس أقل جمالاً من رمضان الأمس، لكنه أكثر امتحانًا. الامتحان في قدرتنا على الموازنة بين الروح والجسد؛ بين متطلبات الحياة وضجيجها، ونداء السكينة الذي يحمله الأذان. الصيام ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل تدريب على إعادة ترتيب الأولويات، وعلى تحرير النفس من سطوة الاستهلاك، وعلى استعادة مركزية المعنى.

من منظور علم التراث، فإن الطقوس ليست مجرد عادات، بل هي حوامل للهوية. وإذا تراجعت بعض الطقوس الجماعية، فإن مسؤوليتنا تكمن في إعادة تأويلها وتفعيلها بما ينسجم مع زماننا دون أن نفقد جوهرها. يمكن للفردانية أن تتحوّل من انكفاء على الذات إلى وعي ذاتي يُغني الجماعة، إذا ما أُحسن توجيهها.

رمضان، في النهاية، ليس زمنًا ماضيًّا نتحسّر عليه، ولا حاضرا ننتقده فحسب، بل هو فرصة سنوية لإعادة بناء إنسانيتنا. هو سؤال مفتوح: كيف نكون أكثر رحمة؟ أكثر عدلًا؟ أكثر قربًا من الله ومن الناس؟

وما دامت هذه الأسئلة حيّة فينا، فإن روح رمضان باقية، تقاوم الغياب، وتجدّد العهد بين السماء والأرض.

علاء عاشور (أديب من فلسطين)

من ذاكرة رمضان في مدينة نابلس

رمضان، آه يا رمضان، يا شهر التقوى والإحسان، يا مسرح الدراما الجميلة وانفعال الوجدان. كم أحزن على هذا الحاضر الذي افتقدنا فيه كثيرًا من تفاصيله الرائعة؛ من لمة العائلة التي لم تعد تقتصر على الأب والأبناء فقط، بل تمتد لتشمل الأخوال والخالات والأعمام والعمات والأجداد. كل ذلك نفتقده اليوم، للأسف.

لمة العائلة المفقودة

الطقوس الرمضانية والأمسيات الجميلة، والمسلسلات، والفوازير، والبرامج ذات الرسائل القيمة، كلها اليوم أصبحت بلا طعم ولا قيمة. نتابع عشرات المسلسلات في بلاد كانت تصنف ممالك للدراما والسينما، لكنها اليوم في حالة يرثى لها. النجوم السابقون كانوا يمتلكون الكاريزما التي نفتقدها في فناني اليوم، أما السيناريوهات فغالبًا ضعيفة وغير واقعية، وتغرق في تسطيح القيم والابتعاد عن الواقع المعيشي الصعب.

ذكريات رمضانية جميلة

هناك ذكريات جميلة لا تُنسى: المسحراتي، الإفطارات الجماعية، التركيز على العبادة والزهد، وليس على ملء البطون أو التباهي بالمائدات المترعة على مواقع التواصل الاجتماعي.

نابلس وطقوسها الأصيلة

وأنا من مدينة نابلس في فلسطين، ربما لم يزرها الكثير من القراء، لكنها أكثر المدن الفلسطينية التزامًا بالطقوس الرمضانية الجميلة. الأسواق تكون عامرة، خصوصًا في البلدة القديمة، رمز التراث الأصيل لهذه المدينة الكنعانية العريقة.

المسجد الصلاحي الكبير، ذو الشهرة العريضة لدى المواطن النابلسي، يكون مزارًا للمصلين في مختلف الأوقات، وخصوصًا صلاة الجمعة.

نابلس مشهورة أيضًا بطقوس شهر شعبان، الذي يأتي احتفالًا بقدوم رمضان. وما تزال المدينة تلتزم بهذه العادات الجميلة بإقامة الولائم للعائلة، فضلاً عن الزيارات العائلية لتقوية الروابط وصلة الرحم بين أفراد العائلة، خاصة النساء من الأقارب، من قبل الرجال.

التحديات الحديثة والجيل الجديد

الجيل الجديد من هذا القرن الواحد والعشرين لا يشعر بجمال هذه الطقوس: صلاة التراويح، الرياضة الروحية، تلاوة القرآن الكريم، وتذوق فلسفته الروحية والقيمية. كل ذلك تقلّ جماله بسبب الإدمان على الهاتف الذكي وتطبيقاته المملة.

النزعة البرجوازية والفجوة الاجتماعية

تُظهر طبقة صاعدة جديدة من البرجوازية نزعة فردانية، وتتباهى بثروتها ونفوذها، مقدسةً اللذة والنفعية في العلاقات الإنسانية. هذا خلق هوة بين غالبية المواطنين من طبقة البروليتاريا، في ظل تآكل الطبقة المتوسطة نتيجة التضخم وندرة فرص العمل والركود الاقتصادي، وبنية هشة لا تتحمل الصدمات.

كل ذلك أفرز أمراضًا اجتماعية قائمة على الضغينة تجاه الطبقة المسيطرة على وسائل الإنتاج، التي استحوذت على مقدرات الأمة وتكبرت على أصلها، ولا تعطي الفقراء سوى الفتات، في ظل التهرب الضريبي وعدم القيام بواجب الزكاة الذي يحمي المجتمع من الانقسام.

رمضان والعدالة الاجتماعية

في شهر رمضان، يجب أن نقف وقفة جادة مع النفس لإحياء قيمة العدالة الاجتماعية التي نادى بها الفيلسوف “كارل ماركس”. وحتى غير المسلمين لهم حق التبجيل والعرفان إذا كان في سبيل العدالة الإنسانية، فرمضان أكبر من كل الثروات والفوقية الاجتماعية.

د. بسيم عبد العظيم عبد القادر (شاعر وناقد أكاديمي، كلية الآداب ـ جامعة المنوفية، رئيس لجنة العلاقات الخارجية باتحاد كتاب مصر)

رمضان بين الأمس واليوم.. أثر النزعة “الفردانية” على القيم الروحية والإنسانية

لا شك أنَّ هناك سمات إنسانية كثيرة اختفتْ أو تكاد أنْ تختفي من الحياة المجتمعية اليومية، لا سيما تلك المتعلقة بالتعاون والتراحم والتكافل، خصوصا في مجتمع المدينة العربية، وكان شهر رمضان “يضمن” تجديد هذه السمات، وتفعيل هذه القيم النبيلة السامية، وما يزال الشهر الفضيل يقوم بعملية التجديد الروحي في المجتمع، بالرغم من طغيان “الفردانية” على العلاقات، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، فغابتْ – أو تكاد – الطقوس الاجتماعية التي تحقق الرسالة الرمضانية، فما تزال القرى تتمسك جاهدة بإحياء التقاليد الرمضانية، وتستميت المدينة لتعيد شيئا من هذه التقاليد، وإنْ كانت الحياة القاهرة وغلاء المعيشة وطغيان المادية، وانتشار أدوات اللهو والترف تحول بين المدينة وبين هذه العادات الرمضانية الأصيلة.

ومما تحتفظ به الذاكرة عن رمضان الذي عشناه في طفولتنا، والذي سمعنا عنه من كبارنا في العائلة والقرية، شخصية المسحراتي، ذلك الرجل الذي كان يجوب شوارع القرية من بعد منتصف الليل حتى قبل الفجر بمدة كافية ليوقظ المسلمين لتناول وجبة السحور التي حضَّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “تسحروا فإن في السحور بركة”، وكان الأطفال يتبعونه ويتغنون وراءه بالفلكلور الشعبي من أغاني الصيام مثل: “اصحى يا نايم صحي النوم، احنا بقينا في شهر الصوم”، “اصحى يا نايم وحّد الدايم، وقول نويت بكرة إنْ حييت الشهر صايم والفجر قايم اصحى يا نايم يا نايم اصحى، وحد الرزاق”

وكان المسحراتي يطرق على طبلةٍ لإيقاظ النائمين وينادي عند كل بيت بأسماء الأطفال إدخالا للسرور على نفوسهم، واستدرارا لكرم أهليهم عندما يدور يوم العيد ليأخذ العيدية، مقابل تعبه طيلة الشهر في الدوران على أهل القرية.

وعند انتقالنا للعيش في المدينة، ظل المسحراتي طقسا رمضانيا، خصوصا في الأحياء الشعبية، وشيئا فشئيا انحسر هذا الطقس، وقد كنتُ أقف في الشرفة بأبنائي ليشاهدوا المسحراتي وأسجّله لهم لعلمي أنه قد ينقرض مع التقدم التقني والمدنية التي استغرقت الناس، وقد صدق حدسي، فلم أر المسحراتي في حيّنا هذا العام، وربما لأننا نسكن في حي راق لا ينام تقريبا، وقد كان يمر في الأعوام الماضية وكنت أنزل بأحفادي ليشاهدوه ويهدوه شيئا من المال فيذكر أسماءهم فيبتهجون بذلك ويحرصون على متابعته حتى يغيب عن أنظارهم، وربما اضطروني للمشي وراءه لبعض الوقت.

ولا ننسى برنامج المسحراتي الذي كان يكتبه شاعر العامية الكبير “فؤاد حداد” ويلحنه يؤديه الفنان “سيد مكاوي”، والذي كان يتضمن كثيرا من المعاني الجميلة والموضوعات التي تغرس حب الفضائل في نفوس الناس، بالإضافة لحب والوطن والانتماء للأمة العربية والإسلامية، وهناك كثير من الشعراء الآن يكتبون المسحراتي ومنهم أخي د. أسامة محمد نقيب كتاب المنوفية ويقوم بتلحينه وأدائه الفنان القدير أ. مصطفى طبانة، والشاعر أ. خالد الطبلاوي الذي يستلهم التاريخ الإسلامي وحياة الصحابة والتابعين.

ومن طقوس رمضان، التي كنا نحرص عليها وما تزال حتى اليوم، فانوس رمضان الذي تطور تطورا مذهلا خلال ستين سنة، فقد كان يصنع محليا من الصفيح المعشق بالزجاج الملون وكنا نضع فيه الشمع، وصار الآن يستورد من الصين وله أشكال وألوان متعددة ويضيء بالبطاريات الجافة أو بالكهرباء ويغني أغنيات رمضان التراثية التي شاعتْ وذاعتْ منذ طفولتنا، وما زلتُ أحرص على شراء فانوس رمضان لأحفادي كما كنتُ أشتريه لأولادي بوصفه مظهرا تراثيا شعبيا من مظاهر رمضان، وأنا أعمد إلى شراء الفوانيس التقليدية القديمة اعتزازا بالتراث الشعبي المصري.

ورمضان في الوجدان العربي ليس مجرد تقويم زمني، بل هو “حالة شعورية” تتصادم فيها ذكريات الماضي الدافئة مع إيقاع الحاضر المتسارع.

رمضان الأمس: “المجتمع هو البطل”

كانت القيمة المركزية في رمضان قديماً هي “الجماعة”، فلم يكن الصوم فعلاً فرديًّا بقدر ما كان طقساً تشاركياً بامتياز:

تلاشي الجدران: كانت الأبواب مفتوحة، وروائح الطعام تنتقل بين الجيران كرسائل محبة (طبق الجار).

الذاكرة الجمعية: ذاكرة الطفولة تضج بصوت “المسحراتي”، وتجمعات “العائلة الممتدة” حول مائدة واحدة، واللعب في الحواري المضاءة بفوانيس بسيطة، حيث كان الأمان نابعاً من رقابة المجتمع الحانية، لا من كاميرات المراقبة.

التكافل الفطري: كان التكافل يتم بستر شديد وعفوية، كجزء أصيل من نسيج الحياة اليومية.

رمضان اليوم: سطوة “الفردانية” والنزعة الاستهلاكية

لا يمكن إنكار أنَّ “الفردانية” قد تركتْ ندوبا على وجه الطقوس الرمضانية، حيث تحول التركيز من “نحن” إلى “أنا”.

العزلة الرقمية: حتى وإنْ اجتمع أفراد الأسرة على مائدة واحدة، فإنَّ “النزعة الفردانية” تظهر في انشغال كل فرد بشاشته الخاصة، “اللمة” أصبحْت أحيانا جسدية فقط، بينما الأرواح تسبح في عوالم افتراضية، وقد كنت في إفطار العائلة بقريتنا أمس، وهو تقليد متوارث عن والدي (يرحمه الله) الذي كان يجمع العائلة الكبيرة وبعض أصدقائه على الإفطار، وما نزال ولله الحمد نحرص على هذا التقليد الجميل، وقد نسيت هاتفي في بيتي بشبين الكوم، فحمدتُ الله حتى لا أنشغل عن ضيوفنا بالهاتف.

الاستهلاك المظهري: تحول الشهر في كثير من الأوجه إلى موسم “تسويقي” ضخم، حيث الاهتمام بشكل المائدة وتصويرها (للإتيان بالقبول الاجتماعي الرقمي) طغى أحياناً على جوهر الإطعام والتراحم.

ضيق الدوائر: انكمشتْ العلاقات من “الحي والشارع” إلى “الأسرة النووية” الصغيرة، مما أضعف دور الشهر كـ “مجدد” للروابط الاجتماعية الواسعة.

ورغم غبار الحداثة، لا يزال رمضان يمتلك “سلطة روحية” فطرية تقاوم الفردانية:

المقاومة الجماعية: يظل رمضان هو التوقيت الوحيد الذي يقرر فيه الملايين كسر عاداتهم البيولوجية (الأكل والشرب) في لحظة واحدة، وهذا في حد ذاته فعل “جماعي” يكسر حدة الفردانية.

صحوة الضمير: تزداد المبادرات التطوعية الفردية والمؤسسية، مما يثبت أنَّ “القيم النبيلة” لم تختفِ، بل تغيرتْ قوالب التعبير عنها لتناسب العصر، وقد حضرت منذ أيام قلائل افتتاح المستوصف الخيري بقريتي وكنت سعيدا جدا بهذا العمل التطوعي من أهل القرية لخدمة الفقراء، وقد قامت إذاعة القرآن الكريم مشكورة بإقامة أمسية دينية في المسجد الملحق بالمستوصف.

معادلة التوازن: الروح والجسد

الرسالة الرمضانية تكمن في معادلة دقيقة: (تجويع الجسد لتغذية الروح).

الجسد: يمثل الطين، والشهوة، والنزعة الاستهلاكية، وفي رمضان، يُطلب من الجسد “الانسحاب” قليلاً.

الروح: تمثل الترفع، الصبر، والاتصال بالخالق والآخرين.

رؤية للموازنة: أنْ يتحول الصيام من “إمساك عن الطعام” (فعل مادي) إلى “كف عن الأذى” (فعل روحي)، ويتحقق التوازن عندما ندرك أنَّ الهدف من “جوع الجسد” ليس التعذيب، بل “خفة الروح” لتستطيع التحليق فوق الصغائر والأنانية.

فرمضان اليوم يحتاج منا إلى “مقاومة واعِيَة” لتيار الفردانية، بالعودة إلى قيمة “الإنسان” وتفقد الجار، وجعل الشاشات وسيلة للوصل لا فخاً للعزلة.

رمضان بين “طبلة” المسحراتي و”صمت” الشاشات: مرثية لزمن الودّ

في مصر، لم يكن رمضان يوما مجرد “فريضة”، بل كان “حالة اجتماعية” تُعيد صياغة الجغرافيا البشرية، بين زقاق المدن العتيقة ومصاطب القرى الخضراء، كان الشهر الكريم يغزل خيوطا من التراحم تشدّ الناس بعضهم إلى بعض، أما اليوم، فقد انفرط العقد تحت وطأة “الفردانية” التي حولت الصوم من فعلٍ جمعي مهيب إلى طقس شخصي يمارسه المرء خلف جدرانه الصماء.

في البدء كان “الحي”: عبقرية المكان المصري

في مدننا، كانت “الحارة” هي البطل، كان الفانوس الصفيح، بشمعته المرتجفة، هو وسيلة التواصل الاجتماعي الأولى، ولم تكن الزينة مجرد ورق ملون، بل كانت “بياناً للحب” يشترك في تعليقه المسلم والمسيحي، والغني والفقير، كان “المسحراتي” في المدينة يعرف أسماء الأطفال واحدا واحدا، يناديهم وكأنه “منبه كوني” يوقظ فيهم الشعور بالانتماء لا بالخوف من فوات السحور.

أما في “الريف”، فقد كان رمضان تجربة “أرضية” بامتياز، كانت الموائد تخرج من البيوت لتستقر في الشوارع وعلى المصاطب، لا لضيق المنازل، بل لرحابة القلوب، كان “عابر السبيل” في القرية المصرية ملكاً يُتوج على رأس المائدة، وكان التكافل يتم “بالفطرة”؛ فصاحب الزرع يرسل من خضراواته، وصاحب الضرع يوزع من ألبانه، في دورة اقتصادية وروحية لا تعرف البنوك ولا الجمعيات، بل تعرف “البركة”.

نقد الحداثة: حين صار الصيام “استعراضا”!

وعلى النقيض، نجد رمضان اليوم قد غرق في “وحل المادية”، فلقد تآكلت تلك الروح الجماعية لصالح “نزعة فردانية استهلاكية” يمكن رصد ملامحها في الآتي:

المائدة الرقمية: غاب “طبق الجار” ليحل محله “ستوري” الإنستجرام، فأصبح الاهتمام بـ “كادر التصوير” وتنسيق الأطباق أهم من إطعام الطعام نفسه، فنحن نصور الأكل لنثبت للعالم أننا “سعداء ومترفون”، بينما جوهر الروحية يكمن في “انكسار النفس” ومواساة المحروم.

العزلة المنزلية: تحولت البيوت إلى جزر معزولة، وصرنا نغلق الأبواب بـ “الأقفال الإلكترونية” ونكتفي بإرسال “ملصق” على الواتساب للتهنئة، بدلاً من المصافحة التي تُذهب غِلّ القلوب.

تخمة المسلسلات وسُبات الروح: تحول الليل الرمضاني من وقت “للقيام والذكر” إلى ماراثون درامي لا ينتهي، فالجسد الذي أنهكه الصيام نهارا، يُحاصر ليلاً بضجيج الإعلانات التي تبيع لنا “الوهم” في هيئة كمبوندات فاخرة، مما يعزز الشعور بالفوارق الطبقية ويقتل “روح المساواة” التي هي عماد الشهر.

الخيمة الرمضانية الزائفة: حتى محاولات استعادة الجو الشعبي تحولتْ إلى “سلعة”، فهناك “الخيم الرمضانية” في الفنادق الكبرى، وهي محاكاة مشوهة للحارة المصرية، حيث يُباع “الفول والطعمية” بأسعار فلكية، وتغيب عنها الروح الحقيقية لتحل محلها “البرستيج” والمظاهر.

العودة للميزان: روحانية الفعل لا الشكل

إنَّ ما ينقصنا اليوم ليس “الفانوس” ولا “المسحراتي”، بل “النية الجماعية”، فالتوازن بين الروح والجسد في رمضان يبدأ من الإدراك بأنَّ الصيام هو رحلة “للبحث عن الآخر” لا للهروب منه.

الرؤية المرجوة هي أنْ نستعيد “أخلاق القرية” في قلب “زحام المدينة”؛ أنْ نترك هواتفنا جانباً لننظر في عيون أمهاتنا وهنّ يعددن الإفطار، أنْ نتذكر أنَّ “الجوع” الحقيقي ليس في البطن، بل هو “جوع الأرواح” للحب والسكينة التي لا تُشترى بمال، بل تُنال بالبذل والتواضع.

ولطالما كان شهر رمضان مادة ثرية وجسرًا ممتدًا بين الأرض والسماء في نتاج كبار أدباء العصر الحديث؛ فقد نظروا إليه لا بوصفه مجرد شعيرة دينية، بل كحالة فنية ونفسية واجتماعية تُعيد صياغة النفس البشرية.

مصطفى صادق الرافعي: رمضان “مدرسة الأخلاق”

كان الرافعي يرى في رمضان فلسفة عميقة تتجاوز الجوع والعطش، وفي كتابه “وحي القلم”، صوّر الصيام كعملية “تربية للقوة” وتهذيب للنفس، فاعتبره ثورة على العادات النفسية السيئة، حيث يقول إنَّ رمضان جاء ليقول للإنسان إنك “روح” لا مجرد “جسد”

ووصف الصيام بأنه “فقر إجباري” يفرضه الدين ليعلّم الأغنياء معنى الجوع، فتتحقق المساواة النفسية والاجتماعية بين البشر.

مصطفى لطفي المنفلوطي: رمضان “رقة القلب”

بأسلوبه الحزين والرقيق، ركز المنفلوطي على الجانب الإنساني والوجداني في رمضان، فكان يرى في رمضان فرصة لصحوة الضمير والرحمة بالفقراء والمساكين، وكتب في مقالاته عن رمضان بلهجة الوعظ المؤثر، معتبرًا أنَّ الصيام الحقيقي هو صيام الجوارح عن الأذى، وأنَّ العيد لا يكتمل إلا بمسح دمعة يتيم أو إطعام جائع، وهو ما ينسجم مع نزعته “المنفلوطية” الرومانسية الميالة للإصلاح الاجتماعي.

أحمد حسن الزيات: رمضان “جمال الروح والترابط”

صاحب “الرسالة” ومحرر الأدب العربي، نظر إلى رمضان كلوحة فنية واجتماعية تجمع الأمة، فقد ركز الزيات على الجماليات؛ جمال السكينة التي تحل على المدن، والترابط الأسري، وصوت التراويح.

وكان يرى أنَّ رمضان يعيد صياغة “الشخصية العربية” ويذكرها بأمجادها وقيمها الروحية، في زمن بدأت فيه المادة تطغى على الحياة.

أحمد شوقي (أمير الشعراء): رمضان “جلال العبادة”

تغنى شوقي برمضان في شعره، جامعًا بين التوقير الديني والوصف البلاغي الرصين، فخصّ الصيام بكلمات تعبر عن جلال الطاعة، كما في قصيدته الشهيرة التي يقول فيها:

يا مديم الصوم في الشهر الشريف — صُمتَ عن غِيٍّ وعن إثمٍ مخيفِ

فقد ربط شوقي بين الصيام والصحة النفسية والجسدية، وكان يراه موسمًا لتقوية الإرادة وتجديد العهد مع الخالق، وصوّر الصائمين كجنود في معركة ضد الشهوات.

ولطالما تغنى الشعراء برمضان عبر العصور، وقد جمع المرحوم علي الجندي كثيرًا من الشعر في رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى في كتاب قيم جعل عنوانه: قرة العينين في رمضان والعيدين.

كما كتب الشعراء المعاصرون عن رمضان ومن أبرزهم صديقي الشاعر الكبير الدكتور جمال مرسي الذي يكتب كل عام رمضانيات كل يوم وقد خص رمضانيات العام الماضي بالحديث عن مأساة غزة، ومما كتبه تحت عنوان “مرسيات رمضانية” في استقبال الشهر الكريم هذا العام قوله:

رَمَـضَـانُ أَقْـبَلَ يَـا رِفَـاقُ فَـهَلِّلُوا — أهـــلاً بِـشـهرِ الـخـيرِ والـبـركاتِ

أهــلاً بِـشـهرٍ لـيس يُـشبِهُ غـيرهُ — وكـــأنّـــه آتٍ مــــــن الــجــنّـاتِ

يَنسابُ فوقَ الأرضِ كوثرهُ الذي — بـالخيرِ يـمشي واثـقَ الخطواتِ

قــد خـصّهُ الـربُّ الـكريمُ بـنورِهِ — وبِــذكـرِهِ فـــي مُـحـكَمِ الآيــاتِ

شــهـرٌ يُـبـشِّـرُ صـائـمِيهِ بـرحـمةٍ — تـربو عـلى مـا كـان مـن رحماتِ

وبــأنّ مــن قــد قـامـهُ فـجزاؤهُ — بـيـدِ الـمـهيمنِ أرفــعُ الـدرجـاتِ

شــهـرٌ تــنـزّل فـيـه قُــرآنٌ غــدا — لـلـخـلقِ مـنـهاجاً طــوالَ حـيـاةِ

فــيـه الـصـيامُ نـقـاوةٌ لـنـفوسِنا — وبـــه الـقـيـامُ مـنـارةُ الـظـلماتِ

يـا فـوزَ مـن قـام اللياليَ خاشعاً — يـرجو الـقبولَ بـصادقِ الدعواتِ

فاجعل صيامكَ يا حبيبي خلوةً — واغسِل فؤادكَ من سنا النفحاتِ

مـا الصومُ كفٌّ عن طعامٍ يُقتنى — بـل صـومُ روحٍ عـن دنيِّ صفاتِ

فـالعمرُ يـمضي كـالخيالِ وما لنا — إلا ارتــحــالٌ نــحــوَ دارِ ثــبـاتِ

وقد تعودتُ الكتابة عن رمضان شعرا، في استقباله، وفي تضاعيفه وفي ليلة القدر، ومما قلته في استقبال رمضان، قبل مجيئه، بعنوان “أهلا رمضان”، وكان ذلك في أواخر شعبان عام 1432هـ:

رمضان أقبل والصيام فريضة — والأجر فيه مضاعف، وعلاء

أما الصلاة ففي السماء فريضة — معراج مؤمننا، وذاك دعاء

وزكاتنا فرض بحالة قدرة — هي طهرة للباذلين نقـاء

والحج فرض مرة لمطيقه — في عمرنا، لله فيه نـداء

لبيك يا رباه إني مسلـم — أسمو بإسلامي، فذاك سماء

ومما قلته كذلك في أواخر شعبان عام 1440هـ:

رمضان أقبل يا إلهي بالمنى — وازداد فيه الخير وانهل السنا

فيه الملائك قد تجلتْ بالدعا — للصائمين، عساه يغفر ذنبنا

وبه يسود تراحم ومودة — وتعاطف وتقارب ما بيننا

نحيا بلا رفث ولا صخب ولا — جهل وإسراف يهدد أمننا

فيه المروءة والشهامة والندى — والبر بالأرحام ألف جمعنا

يا رب وفقنا لصوم كامل — نسمو به، يا رب تمم ديننا

وقلت في غرة رمضان، منذ خمسة عشر عاما:

رمضان يوافي بالحـب — وبأنــوار تغمــر قلبــــي

نفحات الله به فاضـت — بالجـود وغفران الذنب

والجنة فيه قد ازدانت — للصائم شوقــا في حب

باب الريان ينـــــــادينا — يفتح للصائـم ويلبــــي

كل الأعمـــــال لنا إلا — صوم مقبـــول للـــرب

يا رب تقبل وامنحنـا الـ — ـفردوس الأعلى يا ربي

ومما قلته كذلك في استقبال رمضان:

رمضان جاء فمرحبا — قد تم فيه هناؤنا

فيه نصلي نرتقي — يحلو به قرآننا

نرتاح فيه من العنا — تنزاح فيه همومنا

يا رب فاقبل صومنا — تسمو به أرواحنا

أنعم إلهي بالهدى — تهفو إليه نفوسنا

يا رب واهد قلوبنا — للحق أنت رجاؤنا

واشرح صدور أحبتي — للحق أنت إلهنا

وقد وصفت غروب الشمس في رمضان فقلت:

الشمس تجنح للمغيب تعبدا — للخالق المعبود أرشد للهدى

والمسلمون يهيئون فطورهم — صاموا وصلوا للإله تعبدا

يا رب فاقبل صومنا وصلاتنا — لولا قبولك ضاع ما نهدي سدى

واحفظ بفضلك يا كريم بلادنا — إنا على الأيام لبينا الندا

ومما قلته في وصف رمضان والثناء عليه بعنوان “الصوم مفتاح المكارم”:

الصوم مفتاح المكارم كلها — يهب النفوس مهابة وجلالا

بالصوم نشعر بالفقير وجوعه — فالصوم يمنحنا تقى وكمالا

والصوم راحة جسمنا من تخمة — وبه رأيت نفوسنا تتعالى

ومما قلت في وصف حال الأمة في رمضان:

رمضان جئت وحالنا هي ما ترى — لجراحنا، يا شهر أنت طبيب

ولأنت غيث ترتوي بك أمتي — فيعود جدب المسلمين خصيب

يا رب فاقبل صومنا وصلاتنا — ودعاءنا، يا رب تب فنتوب

لولا الرجاء بفضلكم يا ربنا — هلك الأنام، فجد فأنت قريب

ومما قلته في الَّليَالِي الأَوَاخِرْ من رمضان:

يا إلهي ظلمتُ نفسي ظلما — فاعف عني في ذي الليالي الأواخر

مر شهر الصيام كالبرق يجري — أو كطيف يسري فيغري المسافر

قد غنمنا فيه الصيام وقمنا — نرتجي الأجر يوم تبلى السرائر

رب فاقبل صيامنا وقياما — وانصر الحق ما سواك بناصر

ومما قلته في استمهال شهر رمضان الذي تمضي أيامه سراعا:

شهر الصيام أراك تمضي مسرعا — هلا أقمت فنحن فيك خشوع

نتدارس القرآن فيما بيننا — إنا بليلك سجد وركوع

راجين أنْ نحظى بفضل شفاعة — يوم الزحام وأنت نعم شفيع

ومما قلته في وصف حال مصرنا واستنهاض رمضان ليدركها ويصلح حالها، بعنوان: “رمضان أدرك مصرنا”، عام 1432هـ / 2013م:

أقبلت يا شهر الصيام ومصرنا — قد قسمت حزبين يا لخسارنا

قلبت لها ظهر المجن رجالها — وتنازعوا السلطان يا لخرابنا

رمضان شهر الخير أدرك أمة — طهر قلوب القوم من أدراننا

سل السخائم من قلوب أوشكت — أن تفقد المشهور من أخلاقنا

خلق التسامح كان يجمع بيننا — كنا نجــود به على أعدائنا

ما بالنا ضاع التسامح بيننا — والحقد يهدم ما استقر ببالنا

ضاع الأمان وزلزلت آمالنا — نحن الذين نضل عن آمالنا

لا يرتضي الرحمن فرقة أمة — وتنازعا للملك بين رجالنا

يا قوم ثوبوا للرشاد فمصرنا — تهفو لرشد كان طوع بناننا

رباه أكرمنا ووحد شملنا — لتكون مصر منارة لزماننا

ومما قلته في وصف رمضان:

الصوم مفتاح المكارم كلها — يهب النفوس مهابة وجلالا

بالصوم نشعر بالفقير وجوعه — فالصوم يمنحنا تقى وكمالا

والصوم راحة جسمنا من تخمة — وبه رأيت نفوسنا تتعالى

ومما قلته في ليلة القدر:

ليلة القدر في الليالي سلام — يتجلى بها علينا السلام

ليلة القدر خير من ألف شهر — يا لفضل حبته رسل كرام

عم فيها السلام دوما وحتى — مطـلع الفجر، عم فيها السلام

ينزل الروح والملائك فيها — ومن الخير يستفيد الأنام

رب فاغفر ذنوبنا وأجرنا — من عذاب النيران فهو غرام

رب عم الفساد في الأرض طرا — لم يعد ينفع العباد الكلام

طهر الأرض ربنا من فساد — فلقد ساد في البلاد الطغام

يسفكون الدماء جهرا إلهي — إن من شرعك الكريم انتقام

أرنا الله آية في الطواغيـ — ـت، تعمر الأرض، يستقر السلام

ونجد “الرصافي” يهجو المكثرين من أصناف الطعام في رمضان فيقول:

ولو أني استطعت صيام دهري — لصمت فكان دَيدَنيَ الصيام

ولكن لا أصوم صيام قوم — تكاثر في فُطورهم الطعام

إذا رمضان جاءهم أعَدُّوا — مَطاعم ليس يُدركها انهضام

فإن وضح النهار طَوَوا ِجياعاً — وقد نهِموا إذا اختلط الظلام

وقالوا يا نهار لئن تُجِعنا — فإنَّ الليل منك لنا انتقام

فقل للصائمين أداء فرض — ألا ما هكذا فُرض الصيام

وقد احتفتْ الشاعرات بشهر الصيام، حيث وصفته الشاعرة التونسية المبدعة “شيراز جردق” بـ”شهر الهبات”، فقالت:

عاد شهر الهبات يزجي التَّحايا — وكَسانا بِطيّبات السَّجايا

ودعانا إلى طـريقِ التَّسامي — بِصلاح الجوى وحُسنِ النَّوايا

فَهو للرفقِ والسَّماحةِ شهر — يتراءى بعمقِ طهر المرايا

ترتوي النفسُ من نَــداهُ معينا — يغسلُ الطيشَ والدُّجى والرَّزايا

تستوي تحتَ ظلِّه كُلُّ نفسٍ — بامتيازٍ يفوق كُلَّ المزايا

يعصمُ النفسَ من غثاءٍ ووحلٍ — جنَّة الصَّومِ قد تَصُدُّ البلايا

فيه قد أنزل المُهيمنُ آيا — تجعلُ الأنفس العِطاشَ رَوَايَا

يكشفُ الدَّرب للخُطى في الدَّيَاجِي — لِـنـنـالَ الـهُـدى سبيلا ورايـا

لا تصوم النفوسُ إلا لترقى — وبيومِ العطاء تَجنِي العطايا

في ظلال الصِّيام تُسلِمُ كَفًا — ولسانًا بما حَوَتـهُ الطَّوايا

فَـهْـوَ أمــنٌ وهَــدأةٌ وسَــلامٌ — ليس ساحًا تموجُ فيه المنايا

كل عام ومصر الحبيبة والجزائر الشقيقة والأمة العربية والإسلامية بخير وأمن وأمان، ورشاد وسلام، وعسى أنْ يفيق العالم العربي والإسلامي من غفوته، وأنْ يقلع العالم الغربي عن غطرسته حتى يعم السلام بدلا من الحرب التي تدمر الأخضر واليابس.

زينب أمهز (كاتبة وباحثة من لبنان)

زمان رمضان.. في دروب الذكريات

شهر رمضان، شهر البركة والرحمة، هو فجرٌ جديد في قلب كلّ مسلم، تتفتّح فيه أبواب السماء وتُغلق أبواب الجحيم. في هذا الشهر، تتعالى الأصوات بالدعاء، وتنهمر الدموع طلبًا للمغفرة والعتق من النار. هو شهرٌ يهدينا إلى نقاء الروح وصفاء القلب، حيث يلتقي الأمل والتوبة، وتزهر في الأرض آيات الإيمان. شهر رمضان أجمل شهور الله، شهر رمضان هو نفسه شهر الله، شهر الدعوات واستقبال هذه الدعوات، هو شهر الخير بكلّ ما للكلمة من معنى، أينما يأخذك تفكيرك.

لم يكن شهر رمضان في الذاكرة العربيّة مجرّد شهرٍ للصّيام، بل موسِمًا لإعادة ترميم الروح، وإعادة وصل ما انقطع بين الناس. كان الشهر الفضيل أشبه بنبضٍ جماعيٍّ يحرّك الحيّ بأكمله؛ أبوابٌ تُفتح، وموائد تمتدّ، وأصواتُ تتهجّى القرآن في البيوت والمساجد.

وفي هذه المواعيد – كما العادة – أُغدِق عليكم بسيلٍ من الذكريات، كيف لا، وقد حملتني الذاكرة أكثر من خمسٍ وعشرين سنةً إلى الوراء، إلى أيامٍ كلّما ابتعدتُ عنها اقتربتْ من قلبي أكثر.

إلى تلك الأزمنة التي أتحسّر عليها شوقًا؛ حملتني إلى أيامٍ لو عاد منها يومٌ لافترشته فرحًا. أشتاقها بدفئها الذي كان يسبق المدافئ، وبأصالتها الّتي لا تحتاج إلى برهان، وبطيبتها الّتي كانت تسير بين الناس بلا تكلّف، وبكلّ تفصيلةٍ فيها.. صغيرة كانت أم عظيمة، أشتاقها بأناسها، بفرحها وبحزنها.. فما كان فيها شيءٌ عابر، وما كان فيها شعورٌ مُصطنع. كانت الحياة أبسط، نعم، لكنّها كانت أعمق.

أذكرُ – وما تزال الذاكرةُ تعبق برائحة التنّور – أنّ شهر رمضان لم يكن شهرًا يمرّ بنا، بل كنّا نمرّ نحن من خلاله، كأنّه وطنٌ مؤقّت نسكنه ثلاثين ليلة.

كنّا صغارًا، وكان الجيرانُ والأحبّة يتقاسمون السَّحور كما تُقسَّم البركة. كلُّ ليلةٍ في بيتٍ، وكلُّ امرأةٍ تأتي بصحنٍ من يدها وقلبها؛ لا يُسأل عمّن صنع، بل عمّن حضر. كانت المائدة تمتدّ كأنها جسرٌ من نور، يربط بيتًا ببيت، وقلبًا بقلب.

أمّا الإفطار، فقلّما عرفنا أن نفطر وحدنا؛ إمّا أن نفتح بابنا لضيوفٍ يجيئون ومعهم دفء الخطوات، أو نُدعى فنمضي إليهم كأننا نمضي إلى عيدٍ صغير. لم تكن الدعوة مجاملة، كانت حقًّا متبادَلًا، كأنّ رمضان يكتب في دفاتره: “لا يفطر قلبٌ وحيد”.

ولا ننسى شيخَ المسجد…كان له في كل بيتٍ نصيب، وفي كلّ يومٍ دعوة. كنّا ننظر إليه بعيونٍ يختلط فيها الإكبار بالرّهبة، والاحترام بالحبّ. كان دخوله البيت حدثًا، وكانت خطوته على العتبة تعني لنا أن البركة سبقتْه إلى الداخل. لم يكن مجرّد ضيف، كان رمزًا لوقار الشهر، وصوتًا يمشي على الأرض.

وفي ليالي القدر… كانت أمّي – رحمها الله – توقد التنّور بعد منتصف الليل، فتخبز المناقيش بيديها، كأنها تخبز الدعاء ذاته، وتُعدّ أبريق الشاي الكبير، ذاك الذي كنّا نسمّيه “الطنجرة”، لأنه كان يتّسع لمئة كوبٍ من الشاي، كأنّه قلبها… يسع الجميع. تحمله وتمضي به إلى المسجد، لتقوم بتوزيع المناقيش مع الشاي على الساهرين على العبادة، وكأنها تسقي أرواحهم دفئًا قبل أن تسقيهم شرابًا.

وفي أوقات الاستراحة، كنّا نركض خلف الطبّال، نهتف بأعلى أصواتنا: “قوموا على سحوركن… إجا رمضان يزوركن!”. نضرب الأرض بأقدامنا الصغيرة كأننا نوقظها معنا، ونضحك… نضحك حتى تنهمر الدموع من عيوننا، ضحكًا صافيًا لا يعرف سببًا إلا الفرح. كان رمضان آنذاك جماعةً تمشي على قدمين، وكانت البيوت تتنفس معًا، وكان القلب – أيّ قلب – يجد مكانه على المائدة.

وممّا أذكره أيضًا.. كيف كانت أمّي، ما إن تفرغ من إعداد طعام الإفطار، حتّى تملأ الصحون وترسلها إلى الجيران؛ طبقٌ يخرج من بيتنا، وطبقٌ يدخل إليه، فتختلط النكهات كما تختلط القلوب، وكأنّ المائدة لم تُخلق لتُؤكل وحدها.

وكان أبي.. يتصدّق بالخبز. غير أنّ ما كان يدهشني طفلةً، أنّه كان يُرسل أخي الصّغير، يضع الخبز أمام الباب، يطرق طرقًا خفيفًا، ثم يهرب مسرعًا قبل أن يُفتح الباب. كنت أتعجّب: لِمَ لا ينتظر كلمة شكر؟ لِمَ لا يعرف الناس من المُحسن؟

كبرتُ.. وفهمتُ أنّ أبي لم يكن يُخفي الخبز، بل كان يصون الكرامة، كان يحفظ ماء الوجه، ويؤمن أنّ الصدقة في السِّر أزكى، وأنّ اليد الّتي تعطي لا تحتاج شاهدًا إلّا الله. وأدركت أنّ شهر رمضان ليس مجرّد مدرسة صيامٍ بل مدرسة قلوب وأخلاق.

أمّا وجهاءُ القرية، فكانت دعوتهم للإفطار تتّخذُ شكلًا آخر من البذل الخالص؛ كان المنادي يصدح في المسجد، فيدعو أهل القرية جميعًا إلى الإفطار في دارِ فلان، محبّةً وتكريمًا لآل البيت عليهم السلام. وما إن ينتهي النداء، حتى تبدأ القرية بالحركة؛ النسوة يتوجّهن إلى البيت المعنيّ ليساعدن في تجهيز الوليمة الكبيرة، فيختلط دقّ الصحون بضحكاتهنّ، وتفوح رائحة الطبيخ ممزوجةً برائحة النيّات الطيّبة. لم يكن هناك مضيفٌ واحد، بل كانت القرية كلّها مضيفة.

الأيدي تتشابك، والمهامّ تتوزّع بلا أوامر، وكلٌّ يعرف دوره بالفطرة؛ هذه تُعدّ السُّفرة، وتلك تُشعل النار، وأخرى تهتمّ بأمور سلق اللّحمة وغيرها من مهام. وكان الرجال ينصبون الموائد في الساحات، ويتفقدون أحوال الصائمين، وكأنّهم يتسابقون إلى البرّ تسابقًا صامتًا.

وحين يُرفع أذان المغرب، يخفت الضجيج فجأة، وتعلو همهمة الدعاء. يفطر الجميع معًا، لا فرق بين غنيّ وفقير، ولا بين كبيرٍ وصغير؛ الصّحون تدور، والقلوب قبلها تدور بالمودّة. تمتدّ السهرة بعد الإفطار، تطول الأحاديث، وتتعانق القصص، ويغدو الليل شاهدًا على ألفةٍ لا تصطنعها مناسبة، بقدر ما تصنعها النيّة.

ثمّ كما بدأ الجمعُ بالتعاون ينتهي به؛ يتسابقون إلى التوضيب كما تسابقوا إلى التّحضير، فلا يترك الضيوف خلفهم عبئًا، ولا يثقلون كاهل بيتٍ فتح أبوابه لهم.

لكني لم أشهد يومًا كاميرا تتربّص بصورة، ولا هاتفًا يبحث عن زاوية تُظهر “الفضل”، ولا خبرًا يُنشر في الصباح ليُقال: أُقيم إفطارٌ عظيم. كان العمل يمضي في سترٍ جميل، كأنّ بينه وبين السماء عهدًا لا يليق به الضجيج.

أمّا اليوم، فكثيرًا ما يصبح المشهد مقلوبًا؛ تُقام الموائد، نعم، لكنّ عدد الهواتف قد يفوق عدد المدعوّين، وعدسات الكاميرات قد تكون أسبق إلى الطّعام من الأيدي. وعلى قولة المثل: “شوفيني يا مُنيرة”، يغدو العطاء استعراضًا، وتتحوّل اللّحظة من عبادةٍ خفيّة إلى صورةٍ علنيّة.

وحين أتأمّل هذا التحوّل، أسأل نفسي: أيّهما أبقى أثرًا؟  صحنٌ دار في صمتٍ خاشع، أم صورةٌ دارت في فضاءٍ مزدحم؟ وأيّ الأجرين أرجى: ما خَبَأته النيّات، أم ما أبرزته الشاشات؟

رمضان – كما عرفناه – لم يكن موسم تصوير، بل موسم تطهير، وكانت الموائد جسورًا إلى السماء، لا منصّات عرضٍ للأسماء. ولا أدري… لعلّ الأجر يسكن حيث لا تُسلَّط الأضواء، وحيث يكون الله وحده هو الشاهد والكافي.

ولا أنسى أيضًا.. تلك الأيّام الّتي تسبق العيد، حين كان الزمنُ نفسه يلبس رائحة السُكّر والحليب. لم يكن في القرية فرنٌ عامّ، فكانت البيوت تتحوّل إلى أفرانٍ من دفء، وتتحوّل النساء إلى أيادٍ تصنع الفرح. كانت أمّي، وخالتي، وصديقة أمي المقرّبة يجتمعن كأنّهنّ يعقدن مجلسًا لإعداد البهجة. يُجهزن العجينة بعنايةٍ تشبه الطقوس، ولا أنسى بعض مكوّناتها (طحين فرخة، وجوزة الطِّيب، محلب، حليب وزبدة، وسمن عربي وسكر)، وأنا كنت أُغافل أمّي أحيانًا، أضيف المزيد من الحليب خلسةً، كأنني أريد أن أضاعف الطراوة.. أو أضاعف نصيبي من الطّعم. يشترين “المطابع” الخاصة، وتبدأ السهرة الّتي لا تعرف للنوم سبيلًا. ليلٌ كاملٌ وهنّ يصنعن كعك العيد، أو كما كنّا نسمّيه: الأقراص.

تتعالى الضحكات بين دفعةٍ وأخرى، وتختلط الحكايات برائحة العجين، ويصير المطبخ مسرحًا صغيرًا للحنين. ما أطيبها.. كانت تشبه في يومنا هذا كعكًا بالحليب، لكنّها أشهى، وأصدق، وأدفأ. حلاوتها ليست من السكر وحده، بل من السهر، ومن تعب الأيدي، ومن الحبّ الذي كان يُعجن معها. كانت رائحتها تسافر قبلها، تملأ الطريق، فتعرف وأنت تمشي: هذا البيت يصنع اليوم الأقراص.

كأنّ البيوت كانت تتعطّر استعدادًا لقدوم العيد. وكان الأمر بالدَّور.. فما إن تنتهي أمّي من خبزها، حتّى تستعير خالتي الفرن الكهربائي الصّغير المخصّص لهذا النوع من الحلوى، وتبدأ رحلتها هي الأخرى. الفرن لم يكن مجرّد آلة، كان أشبه بالرسول الذي يتنقّل بين البيوت حاملاً نار الفرح.

كانت الأقراص إعلانًا جماعيًا أنّ العيد قادم، وأن الفرح لا يُصنع في بيتٍ واحد، بل يُخبَز بالتناوب، ويُوزَّع كما تُوزَّع المحبّة.

اليوم، قد نشتري الكعك جاهزًا، وقد تختصر الأفران الحديثة الوقت والجهد، لكنّها لا تختصر تلك السهرات، ولا تعيد لنا ضحكات الليل، ولا رائحة الطريق الّتي كانت تقول لنا: العيد هنا.. في هذا البيت الذي يسهر ليصنع الفرح بيديه. وكلّها لن تعيد أمّي وما كانت تعدّه من كل أساليب الفرح والبهجة والدّعاء. وأنا أخبركم الآن عن تلك الذكريات، دمعت عيناي شوقًا وحسرةً، يا لصفاء وبراءة وجمال تلك الأيّام الّتي لن تعود…

كما لا يمكننا أن نغفل عن مكانة هذا الشهر، فقد كان لهذا الشهرِ قدسيّتُه العظيمة، ومكانتُه الّتي تتقدّم سائر الأيّام، فقد كان زمنًا يُعاش ومقامًا يُهاب. كان الناس يدخلونه كما يدخل العابد محرابَه، بقلبٍ يريد أن يُغسل من كلّ نقطة سوداء. كان شهر رمضان فرصةً للتّصالح قبل أن يكون فرصةً للصّيام؛ فما إن يهلّ هلاله، حتّى تتحرّك القلوب كما تتحرّك الألسن بالدعاء. أيُّ متخاصمَيْن كان لا بدّ أن يسبق أحدُهما إلى الآخر، أو يتوسّط قريبٌ حكيم، أو شيخُ المسجد بوجهه الوقور، كأنّ الشهر لا يرضى أن يُستقبل بقلبيْن متباعديْن. كان الاعتقاد راسخًا فينا: كيف يُرفع صيامٌ إلى السماء، وفي القلب ضغينة؟ وكيف يطرق عبدٌ باب المغفرة، وهو يُغلق باب الصفح في وجه أخيه؟

من كان قلبُه مسوّدًا بالأحقاد، كيف يليق به أن يستقبل شهر الله؟ وكيف يطلب من ربّه العفو، وهو لم يعفُ عمّن أساء إليه؟ كان الصلح طقسًا رمضانيًا بامتياز، وكانت المصافحة بين متخاصمين مشهدًا يوازي في قدسيّته قيامَ الليل.

أمّا اليوم، فالسؤال المُلحّ: هل ما يزال شهر رمضان يؤدي دوره في تجديد القيم الروحية والاجتماعية؟ أم أنّ النزعة الفردانية الّتي صارت سِمة العصر أضعفت حرارة الجماعة، وبدّدت شيئًا من الرسالة الرمضانية؟

كان شهر رمضان سابقَا موائد مشتركة لا يُسأل فيها من دعا؟ زيارات عائلية تكاد تكون طقسًا يوميًا، تكافلٌ حيٌّ ملموس، يعرف الغنيُّ الفقيرَ بالاسم، ويطرق بابه قبل أن يُطرق بابه. سهرات ذكرٍ وتلاوة في المسجد أو في البيوت، حيث القرآن محور اللقاء.

فرحٌ بسيط: فانوس، قمر، مسحّراتي، وطفولة تنتظر الأذان بقلوبٍ مرتجفة شوقًا. كان شهر رمضان آنذاك يعيد تشكيل الجماعة؛ يخفّف من الفوارق، ويعيد الاعتبار لقيم: التراحم، الصبر، العطاء، الإيثار.

لا يمكن إنكار أن شهر رمضان ما يزال حاضرًا بقوّة في وجدان الناس؛ المساجد تمتلئ، وحملات التبرع تنشط، والقلوب تميل إلى الخير. لكن في المقابل، ظهرت تحوّلات واضحة، من ضمنها: هيمنة الشاشات على موائد الإفطار، تراجع الزيارات العائلية مقابل التواصل الافتراضي، تحوّل بعض الطقوس إلى مظهر اجتماعي أكثر منه تجربة روحية.

الاستهلاك المفرط الذي يطغى أحيانًا على معنى الزهد. هنا يبرز سؤال الفردانية: هل أصبح كل فرد يعيش شهر رمضان بطريقته الخاصّة، بمعزلٍ عن الدائرة العائلية والمجتمعية؟

الفردانية ليست شرًّا مطلقًا؛ فهي تعزّز المسؤولية الشخصية والنية الصادقة. لكن خطرها يكمن حين تفصل العبادة عن أثرها الاجتماعي، فيتحوّل الصّيام إلى تجربة فردية صامتة، لا تمتدّ لتداوي جراح المجتمع.

ربّما لم تختفِ القيم بقدر ما تغيّر شكل حضورها. فالتكافل صار مؤسساتيًا أكثر منه فرديًا، والصدقة قد تُرسل عبر تطبيقٍ إلكتروني بدل أن تُسلّم باليد، أمّا اللقاءات العائليّة خفّت بشكلٍ واضح، لكن المبادرات الشبابية تزداد.

إنّ التحدي ليس في غياب الخير، بل في غياب الدفء الإنساني المباشر الذي كان يميّز شهر رمضان بالأمس.

شهر رمضان ليس حربًا على الجسد، بل تربية له، وتزكية وتهذيبٌ للنفس. ويمكن إحياء البعد الاجتماعي ليعود الناس لسابق عهدهم عبر خطوات بسيطة، تُعيد للشهر رونقه، كإفطارٍ عائلي بلا هواتف، وزيارة رحم أسبوعية على الأقل، ومشاركة فعليّة في عملٍ تطوعي. حين تتوازن هذه الأبعاد الثلاثة، يعود شهر رمضان إلى رسالته الأصيلة.

رمضان لا يتغير.. نحن الذين نتغيّر. هو شهرٌ يحمل الرسالة ذاتها في كلّ عام، لكن مقدار ما ينعكس منه في حياتنا يعتمد على استعدادنا لاستقباله.

إن كانت الفردانية قد طغت، فالعلاج ليس في لوم العصر، بل في إحياء المبادرة داخل الأسرة الواحدة: أن نعيد للمائدة معناها، وللزيارة دفئها، وللصدقة وجهها الإنساني.

رمضان بين الأمس واليوم ليس صراعًا بين زمنين، بل هو اختبارٌ لنا: هل نريده موسمًا عابرًا، أم فرصةً لإعادة بناء الروح والجماعة معا؟

د. شعبان عبد الجيِّد (كاتب من مصر)

ذكــريات رمضانية!

في أوائل الربع الأخير من القرن الماضي، كانت قريتي (صَنْصَفط)، وهي إحدى قرى محافظة المنوفية، بلدةً هادئةً وادعة، تحتضنُ النيلَ من جهتها الغربية آمنةً مطمئنة. أهلُها بسطاء طيبون، لا يعرفون الشحناءَ ولا البغضاء، وأكثرُهم فلاحون، يصحبون الفجرَ سعيًا إلى حقولهم، ويودِّعون المساءَ قُفولاً إلى بيوتهم. ليس بينهم الفقير البائس؛ لأنهم في جملتهم راضون قانعون، وليس فيهم الغنيُّ البَطِرُ؛ لأن المياسير منهم هيِّنون متواضعون.

ومثلما كانت مصرُ منذ ألفِ عام، كانت قريتي تستقبلُ شهرَ رمضان المبارَكَ في فرَح غامرٍ وبهجة شاملة، وتستعد لقدومِه قبل أن يهلَّ هلالُه بشهرٍ أو شهرين. وكان رمضانُ يأتي والناسُ كلُّهم في شوقٍ إليه كبير؛ فهو شهر الصيامِ والقيامِ والقرآن، أولُه رحمة، وأوسطُه مغفرة، وآخره عتقٌ من النار. وهو فرصةٌ كبرى لمن أثقلتهم الذنوب والمعاصي، يطرقُون فيه أبوابَ التوبة التي تفتَّحُ فيه على مصاريعها للأوابين المخبِتين، ولمن أرهقتهم تكاليف الحياة ومصاعب العَيش، يتخففون فيه مما يرهق جيوبَهم وأبدانَهم من مطالب المعدة وشهوات النفس. وكأنما لسان حالهم قول الشاعر محمد الأسمر منذ ما يقرب من مائة سنة:

ضاقت النفسُ فـــي الكنانةِ ذَرعًا ** فإلامَ الغَـــــــــلاءُ فـي الأثمانِ

كلُّ شيءٍ غــــــلا فليس رخيصًا ** في الورَى كلِّه ســوى الإنسانِ

قيلَ شــــهرُ الصـــــيامِ آتٍ فقلنا ** نحنُ شعبٌ يصـــومُ في كلِّ آنِ

نحن لسنا نصومُ في العامِ شهرًا ** واحدًا، بل نصومُ طولَ الزمانِ!

إنهم قومٌ لا يعرفون الإسرافَ ولا التبذُّخ، ولا يميلون إلى الترَف والتكلُّف. وأذكر أن رمضان في طفولتي لم يكن يتميز عن غيره في الطعام والشراب إلا قليلاً؛ فأكثر أهل القرى لا يتأنقون في إعداد الموائد، ولا يبالغون في طهي الأطعمة. وما هو إلا طعميَّة عمي “عبد الحكيم” الساخنة، وطبق الفول المدمس الذي تطهوه أمهاتنا في الفرن البلدي. إلى جانب ما يتيسر في البيت من الجبن والبيض والخضروات. لا يخطر على بالهم ما قاله حسين شفيق المصري:

سترى كلَّ ما تحبُّ وترضَى ** من صنوفِ الطعامِ في رمضانِ

من كبابٍ وكُـــفتةٍ وفَطــــيرٍ ** وكنافاً متقونةً فــــــي الصواني

فلم يكن أكثرُ البيوت يعرف اللحوم إلا يوم الخميس، ولا يشتري الكنافة والقطائفَ والحَلوى إلا مرةً في العام أو مرتين. وفيما عدا التمرَ المبلّلَ، وهو ما كان يفطر عليه الصائمون، كانت العصائرُ المثلَّجة والمهلبية المسكَّرةُ بدعةً جديدةً وترفًا مستحدَثًا. ويبدو صحيحًا ما قاله أحدُ الكُتَّابِ من أن الكنافةَ والقطايف دخلت تاريخ المسلمين حين خرج الحُبُّ من القلوب، وصار الإسلامُ مِسبحةً معطَّلة، وفانوسًا أثريًّا، وكلماتٍ تتمتمُ بها الشفاه وتنقطعُ صلتُها بالإرادة. ولله دَرُّ من قال:

لم أدرِ هل هو شهرُ الصومِ حلَّ بنا ** أم شهرُ أشياءَ أخرى غيرَه ابتدعوا!

كان بيتنا القديمُ، حيث قضَّيتُ طفولتي المبكرة، يقع في شارع يطل على النيل، وكان بيننا وبين النهر الخالد أقلُّ من مرمَى الحجر، وتصادف أن أولَ رمضانَ أصومُه جاء في فصل الصيف، حيثُ لا تطاق حرارة البيوت، ولا ضجة الشوارع؛ فكان رجال الناحية الكبار وشيوخها يخرجون قبل الأذان بساعة أو ساعتين، يتفيَّأون ظلال (خُص عمي الشيخ إسماعيل غزال) حيث يقضون فترة ما قبل الإفطار في سمرٍ عذبٍ جميل؛ فيه الطرائف والنوادر المسلية، وفيه الخبرات والتجارب المفيدة. وكان والدي يحفظ القرآن كاملًا؛ وكانوا حين يملون من حديث الدنيا يطلبون إليه أن يقرأ لهم رُبعًا أو رُبعَين، ولا يزال أصداءُ صوتِه الشجيِّ الرقيق ترن في سمعي وكأنه يتلوه هذه الساعة!

كان رمضان في القرية شهر عبادة حقًّا؛ ويوقن أهلُها أن الشياطين تصفَّد فيه، فلا يكون لها سلطانٌ على النفس المطمئنة، وأن المرَدة تُسَلسَلُ فلا يبقى لها سبيلٌ إلى القلب المؤمن، فيجتهدون في الطاعات وفعل الخيرات، فيتقون ربَّهم، ويَصِلون أرحامَهم، ويتهادَون بما عندهم من صنوف الأطعمة البسيطة، ويعطف أغنياؤهم على فقرائهم بغيرِ مَنٍّ ولا أذى. ورمضان في القريةِ مثلما قال الأستاذ أحمد حسن الزيات: “رياضةٌ للنفس بالتجرد، وثقافةٌ للروح بالتأمل، وتوثيقٌ لما وهَى بين القلبِ والدين، وتقريبٌ لما بَعُدَ بين الرَّافِهِ والمسكين، وتأليفٌ لما نفَرَ من الشملِ الجميع، وتنديةٌ لما يبس من الرحم القريبة، ونفحةٌ من نفحات السماءِ، تُفعِمُ دنيا المسلمين بعبير الخُلد وأنفاسِ الملائكة”.

ومن جميلِ ذكرياتي أن الناس في مسجد سيدي عبد السلام المغربي، في ناحيتنا القِبلية، كانوا قد اعتادوا على أن يقرأ أحد المشايخ (على القاعد) بعضًا من آيات القرآن بين أذان العصر والإقامة، وذات يوم غابَ الشيخ القارئ عن الصلاة، وكان أكثرُ روَّادِ المسجد يعرفون أنني أحفظ القرآن، وأقلد كبار القرَّاء، وكان بعضهم يسمّيني (شعبان الطبلاوي)؛ لأنني أحاكي الشيخ شعبان الصياد والشيخ محمد محمود الطبلاوي في طريقتهما في التلاوة.. فما كان منهم إلا أن تمنَّوا عليَّ أن أقرأ لهم بدَل الشيخ، ففعلتُ دون تردُّد، حبًّا فيهم وتقرُّبًا إلى الله جلَّ وعَلا، ونالت تلاوتي شيئًا كبيرًا من إعجابهم، إلى درجة أن نفرًا من أهل النواحي الأخرى كان يأتي إلى مسجد ناحيتنا ليستمع إليّ، وصرتُ بعدها أقرأ لهم عصرَ كل يومٍ من أيام رمضان، ولأكثر من عشر سنوات، إلى أن تبدلت أحوالي وأحوالُهم، وجدَّ على حياتي وحياتهم ما لا مجال هنا لذكره أو تفصيل القول فيه.

ولم تعرف قريتي الكهرباء إلا منذ خمسين سنةً تقريبًا، ولم يكن الناسُ في الغالبِ يعرفون موعد الإفطـــــارِ إلا بعد أن يسمعوا أذان المغرب بصوت الحـــــــاج (احسَن)، مؤذن المسجد البحري، وكان فيما يُقالُ، رجلاً مباركًا، ويُحكَى من غرائبه، أو كراماته إذا أردت، أنه كان يؤذن فوق المسجد، وبغير مكبر للصوت، ومع ذلك لم يكن يسمعه أهل القرية وحدهم فحسب؛ بل يسمعه أهل بعض القرى المجاورة لنا أيضا. ولم يكن أحدٌ أيامها يفكر في أن ذلك مردُّه إلى هدوء النفوس وخشوع الأصوات قُبيل الأذان، والسكونِ الذي كان يلف القرى في هذه اللحظات؛ لكنها المخيِّلة الريفية الساذجة التي تريد أن ترى في كل شيءٍ غريبٍ عليها بعض أسرار الغيب وخوارق الطبيعة.

وكان أهلُ القرية لا يتسحرون إلا بعد أن يسمعوا صوت طبلة المسحراتي؛ وكان يدور بها على بيوت القرية، ويطوف شوارعَها وأزقتها، وكنت وأنا صغيرٌ أُلِحّ على والدتي، وكنت وحيدَها، أن أخرج لأراه، فتقبلُ حينًا وترفضُ أحيانًا؛ ولا أكتمكم سرًّا أن صوت الطبلة في جوف الليلِ كان يخيفني، ويثير في نفسي مشاعر رهبةٍ لم أكن أيامَها أدري مصدرها، ومن الطريف أن كثيرًا من الناس كان لا يتسحر إذا غلبه النوم وفاته أن يسمع صوت الطبلة، وكانوا يرون أن التسحر بعدها فيه شيءٌ من الحُرمة، مع أن المسحراتي كان يمر كل يومٍ بين الواحدة والثانية بعد منتصف الليل!

أمَّا أجمل ذكرياتي التي تركت أثرًا عميقًا في نفسي، ولا يزال لها أثرها في عقلي ووجداني إلى يوم الناسِ هذا، فهي أنني اعتدت منذ كنت طفلًا في العاشرة، أن أقرأ في شهر رمضان كل ما يمكنني قراءته من كتب السيرة والفقه والتفسير والحديث، وأذكر أن أول كتابٍ قرأته في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كان كتاب (محمد صلى الله عليه وسلم من نبعته إلى بعثته) للأستاذ محمد الصادق عرجون. قرأته منذ أكثر من أربعين سنة، وكان قد صدر أيامَها عن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، بعشرة قروش، وكان المدخل الواسع الذي عبر بي إلى كتب السيرة قديمها وحديثها.

ومن طريف ما حدث أنني فقدت هذا الكتاب منذ حوالَي من ثلاثين سنة، وتفقَّدته كثيرًا فلم أجده، وحزنت لذلك حزنًا شديدًا، وزاد حزني أنني كنت كلما بحثت عنه في معارض الكتب التي أتردد عليها لم أجد نسخةً منه، ورغم أني قرأت فيما بعد كتاب (محمد صلى الله عليه وسلم: منهجٌ ورسالة، بحثٌ وتحقيق) للمؤلف نفسِه، والصفحات الثلاثمائة الأولى منه هي نفسُها الكتاب الذي أشرتُ إليه، إلا أنني لم أهدأ بالًا ولم أقرَّ عينا حتى عثرت بأخْرةٍ على نسخة من طبعته القديمة التي قرأتها في طفولتي، ومما زاد في سعادتي أن هذه النسخة كانت (بحالتها) كما نقول، توشك أن تكون قد خرجت لِتَوِّها من المطبعة.

وقد أفادتني هذه القراءات كثيرًا حينما كنت انضممت إلى من يختمون القرآن في المسجد بعد صلاة التراويح؛ فكنت كثيرًا ما أستأذنهم في أن أعلق على آيةٍ بشيءٍ مما أعرفه من التفسير، ومن ذلك ما فتح الله به عليَّ حين قلت ذات يومٍ، بمناسبة ما يثار حول المعراج في كل عام، ولم أكن قد وقعتُ على مثله مما قرأته فيما بعد: إن في القرآن دليلاً قويًّا على إمكانية المعراج بالروح والجسد، وعلى لقاء الرسول بالأنبياء والمرسلين، وعلى المشاهد التي رآها في الجنة والنار؛ وفيما عدا ما ورد في سورة (النجم) فإن القرآن يحدثنا أن سليمان “قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)”. وقد تأتَّى لعبدٍ من عباد الله أن يذهب من القدس إلى اليمن ويعود فيأتيه بالعرش في أقل من غمضة عين، فلماذا نستبعد أن يحدث المعراج في جزء من الليل والله الذي يقول للشيءِ كن فيكون هو الذي شاء لنبيه أن يعرج إلى سدرة المنتهى. ثم إن الله سبحانه وتعالى هو الذي قصَّ في القرآن على نبيه ومصطفاه طرَفًا مما سيكون من أحوال أهل الجنة وأهوال أهل النار، وما سيكون بينهما من حوار، يحكيه بصيغة الماضي، وكأنه حصل بالفعل، فلماذا لا يكون الرسول قد رأى هذا كلَّه رأي العين، كنوع من التهيئة والتثبيت مثلما حدث مع سيدنا إبراهيم حين أراه الله كيف يحيي الموتى، ومع سيدنا موسى حين أمره الله أن يلقي عصاه فإذا هي حيَّةٌ تسعى؟!

ولا أزالُ حتى الآنَ هذا أحافظ على عادتي القديمة، وأقرأ في شهر رمضان كل ما تيسر لي من الكتب الدينية، فقهًا وتفسيرًا وسيرة، وإن كان الأمرُ قد اختلف كثيرًا هذه الأيام، أجواءً وأحوالًا وطقوسًا، ولم يعد الناسُ بسطاء مثلما كانوا، وجدَّ في حياتهم ما شغلهم عن روح هذا الشهر المبارك وفلسفة صيامه وقيامه؛ وهو ما أدعو الله أن يتوب عليهم منه، ليعود إلينا رمضان الذي وصفه الأستاذ الزيات بأنه رياضةٌ للنفسِ بالتجرُّد، وثقافةٌ للروح بالتأمُّل، وتوثيقٌ لما وهَى بين القلبِ والدين، وتقريبٌ لما بعُد بين الرَّافِه والمِسكين، وتأليفٌ لما نفَرَ من الشملِ الجميع، وتنديةٌ لما يبس من الرَّحِم القريبة، ونفحةٌ من نفحات السماء تفعم دنيا المسلمين بعبير الخُلدِ وأنفاسِ الملائكة!

سحر قلاوون (كاتبة من لبنان)

حين يعيد إلينا رمضان المفاهيم الصحيحة!

طيلة إحدى عشرة شهرا نتذوق الويلات، نتألم ونتعذب ونبكي ونصرخ، أما أكبر آلامنا فتجعلنا نغرق في صمتنا غير قادرين على التفوه بحرف واحد.

نرى الحروب، نعاصر الأزمات ونشاهد أمما كاملة تقتل وتباد ونحن لا نستطيع فعل شيء سوى الوقوف صامتين كأننا في عزاء لا ينتهي.

نشهد على مواقف لم نكن نتمنى أن نراها في حلمنا حتى، فنجد أنفسنا نقف في قلب الحدث متمنين لو أن الأرض تنشق وتبتلعنا.

إن الحياة ليست سهلة، وهي لم تكن كذلك ولن تكون كذلك ذات يوم، فالمشقة جزء لا يتجرأ من هذه الحياة وهي تأتي لتعلمنا وتوقظ فينا أمورا يجب ألا تظل نائمة أبد الدهر.

وبعد كل ما نعانيه، يأتي رمضان، الشهر الذي تتغير فيه الأمور، فتتبدل الأحوال وينقلب الإحباط إلى أمل وتختفي الأحزان لتحل مكانها الأفراح ويتجدد الإيمان في قلوب العباد.

السلام، الطمأنينة والسعادة، كلها أشياء ثمينة، لكننا بتنا نفتقدها بشدة، إلا أن رمضان يعيدها لنا مهما طال غيابها.

ومن أهم القيم التي يسلط عليها رمضان الضوء “التعاون”، هذا المبدأ الذي لا تستقيم بدونه الدنيا، ولذلك يحصل معنا ما يحصل. فقد غزت النزعة الفردانية أيامنا، حتى بدلت لونها من أبيض إلى أسود، فبات كل منا يشعر وكأنه يحيا داخل سجن انفرادي، لا يرى فيه أحد ولا أحد يراه، لا يستطيع فتح أحاديث مع البشر ولا يستطيع الاستماع إلى ثرثرتهم.

هذه النزعة، ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة عدة عوامل، إلا أنها باتت تهدد ترابط البشر وعلاقاتهم ببعضهم البعض، فيظهر شهر رمضان كنقيض لها، ويا لنعم النقيض!

إن الأمة لا تتحسن أحوالها إلا بتضامن أهلها بعضهم مع بعض، فهم حين يتفرقون تحل بهم الأزمات وحين يتحدون تهطل عليهم النعم من السماء. وإن كثرا قد باتوا لا يهتمون بالتواصل مع الآخرين، ولا يظهرون تمتعهم بحس التعاون، فيتصرفون بلامبالاة، في كل أشهر السنة، حتى في شهر رمضان، إنهم يتصرفون كما لو أن الله خلقهم ولم يخلق سواهم، يهتمون بمصالحهم حتى ولو كان ذلك على حساب القضاء على مصالح الآخرين، فيا لهم من مساكين!

إن رمضان، قبل أن يكون شهر صوم عن الطعام والشراب، وقبل أن يكون شهر صلاة وزكاة، هو شهر التعاون، فهو يأتي مرة بعد الأخرى ليذكرنا بما قد ننساه أو نتناساه: نحن البشر بحاجة إلى بعضنا البعض، ولا يستطيع الواحد منا أن يعيش وحيدا مهما كان قويا، فالقوة لا تلغي احتياجنا للآخر. سنة بعد سنة، يعيد إلينا رمضان المفاهيم الصحيحة بعد أن يضع علامة خطأ على المفاهيم المغلوطة التي غزت أيامنا، فمن خلاله نعيد ترتيب أولوياتنا كما سائر أمور حياتنا.

ومن أهم الأمور التي يعلمنا إياها رمضان، هو أهمية التماسك الاجتماعي، إذ يجب على كل شخص منا أن يعي حجم مسؤوليته لكي يكون فردا فاعلا في المجتمع.

إن جمال شهر رمضان يكمن في أنه يذكر كل شخص منا بأنه لا يعيش وحده على هذه الأرض، بل نحن كثر، ويجب علينا أن نمسك بأيدي بعضنا البعض، فالأمة التي يتحد أفرادها لا تعرف إليها الهزيمة طريق.

د. ياسر أبو بكر (أسير محرر، كاتب من فلسطين)

بين زمن الجماعة وعصر الفرد.. هل تغير رمضان أم تغيّر الإنسان؟

لم يكن رمضان، في ذاكرة المجتمعات العربية، مجرد شهرٍ للامتناع عن الطعام والشراب، بل كان زمنًا لإعادة بناء الإنسان داخل الجماعة. لم يكن الصيام تجربة فردية معزولة، بل ممارسة اجتماعية تُعيد تشكيل العلاقات، وتُرمّم ما أفسدته شهور الانشغال والتنافس والانقسام. كان رمضان، بمعناه الأعمق، مشروعًا لإعادة إنتاج المجتمع نفسه، لا مجرد مناسبة دينية تتكرر في التقويم، بل لحظة سنوية يُعاد فيها تعريف الإنسان، لا بوصفه فردًا فقط، بل بوصفه جزءًا من نسيج إنساني أوسع.

في ذاكرة الطفولة، لم يكن رمضان يبدأ عند أذان الفجر، بل عند أول شعور غامض بأن الزمن نفسه قد تغيّر. كان الأطفال، أكثر من غيرهم، يدركون أن شيئًا استثنائيًّا يحدث. كانوا يرون رمضان لا بوصفه امتناعًا، بل بوصفه امتلاءً: امتلاءً بالأصوات، بالأنوار، بالوجوه، وبذلك الدفء الذي لا يمكن تفسيره بالكلمات. رمضان، في حقيقته، يجد معناه الأكثر صفاءً عند الصغار، لأنهم يعيشونه دون وسائط، دون حسابات، ودون ذلك التباعد الذي يصنعه العالم الحديث بين الإنسان ومعناه.

وأكاد، وأنا أستعيد تلك الذاكرة، أحنّ بشدة إلى الكويت، حيث عشت كل طفولتي، وهناك تعلّمت أن رمضان ليس مجرد زمن عبادة، بل زمن حياة. لا تزال عادة “القرقيعان”، في منتصف الشهر، تسكنني كواحدة من أجمل صور الطفولة وأكثرها اكتمالًا. كنا، نحن الأطفال، نرتدي ملابسنا التراثية، ونخرج بعد الإفطار إلى الأزقة، نحمل أكياسًا صغيرة ونطرق الأبواب، لا بدافع الحاجة، بل بدافع الانتماء. كانت الأبواب تُفتح بمحبة، وكانت الحلوى تُمنح بسخاء، لكن ما كان يُمنح حقًا لم يكن الحلوى، بل الاعتراف بنا كجزءٍ من هذا المكان. كانت أصواتنا الصغيرة، وهي تردد أناشيد “القرقيعان”، تعلن أن رمضان ليس تجربة فردية، بل حالة جماعية يعيشها الجميع. كان الحيّ يتحول إلى كائن حيّ، وكان الإنسان يشعر، للمرة الأولى ربما، أنه ليس وحده في هذا العالم.

ذلك لأن رمضان، في جوهره، لم يُشرّع فقط لضبط علاقة الإنسان بجسده، بل لإعادة ضبط علاقته بالآخرين. الصيام لم يكن مجرد تدريب على الحرمان، بل تدريبا على الإحساس بالآخر، وعلى كسر وهم الاكتفاء بالذات. كان يُعيد الإنسان إلى موقعه الطبيعي: كائنًا يعيش مع الآخرين، لا بمعزل عنهم.

لكن في فلسطين، يأخذ رمضان معنى أكثر عمقًا وقسوة في آنٍ واحد. هنا، لا يأتي الشهر دائمًا محاطًا بالاكتمال، بل كثيرًا ما يأتي محاطًا بالغياب. هناك بيوت يُفطر فيها طبق ناقص، لأن صاحب المكان خلف القضبان. وهناك أمهات ينظرن إلى مقاعد فارغة وكأنهن يرفضن الاعتراف بأن الغياب أصبح واقعًا. وفي السجون، حيث عشت هذه التجربة بكل تفاصيلها، يصبح رمضان حدثًا مختلفًا تمامًا. لا لأن الألم أقل، بل لأن المعنى يصبح أكثر وضوحًا. الأسير لا يستقبل رمضان كطقسٍ عابر، بل كنافذة تطل على الحياة التي سُلبت منه. عند أذان المغرب، لا يفكر فقط في الطعام، بل في أمه التي ربما تنظر إلى الساعة ذاتها، وفي بيته الذي يعيش اللحظة نفسها. يصبح الصيام رابطًا صامتًا بينه وبين العالم، لغة مشتركة تتجاوز الجدران. في تلك اللحظة، يدرك الأسير أن السجن يستطيع أن يقيّد الجسد، لكنه يعجز عن أن يقيّد المعنى. وأن رمضان، في جوهره، ليس ظرفًا خارجيًا، بل حالة داخلية، قدرة الإنسان على أن يظل إنسانًا، رغم كل شيء.. لكن خارج السجن أيضًا، تغيّر الكثير.

في زمننا، أصبح من الممكن أن يصوم الإنسان دون أن يلتقي بأحد، وأن يُتمّ رمضان كاملًا دون أن يعيش تجربته الجماعية. دخلت الفردانية بهدوء، لا بوصفها فكرة فلسفية، بل كأسلوب حياة. أصبحت الشاشات وسيطًا بدل المجالس، والاستهلاك بدل المشاركة، والعزلة بدل اللقاء. لم تختفِ الطقوس، لكنها فقدت كثيرًا من وظائفها الاجتماعية. بقي الشكل، لكن المعنى تراجع. أصبح رمضان، في كثير من الأحيان، تجربة يعيشها الإنسان داخل ذاته، بدل أن يعيشها داخل مجتمعه.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: رمضان لم يتغيّر، لكن الإنسان تغيّر. لم يفقد الشهر قدرته على إعادة بناء الروح، لكن الإنسان أصبح أقل استعدادًا لأن يُعاد بناؤه. لقد أصبحنا نعيش أكثر داخل ذواتنا، وأقل داخل علاقاتنا.

ومع ذلك، لا يزال رمضان يحمل إمكانية الاستعادة. ربما لأن معناه الحقيقي لم يكن يومًا في الطقوس وحدها، بل في تلك اللحظات الصغيرة التي تعيد الإنسان إلى نفسه الأولى: حين يركض طفل في ليلة القرقيعان وهو يشعر أن العالم يحتفي به، وحين يجلس أسير خلف القضبان ويشعر أنه لا يزال جزءًا من حياة لم تستطع الجدران أن تنتزعها منه، وحين تجتمع عائلة حول مائدة، لا لأن الطعام وفير، بل لأن المعنى حاضر.

السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان رمضان قد تغيّر، بل ما إذا كنا نحن قد ابتعدنا عن معناه. لأن رمضان، في جوهره، ليس شهر الجوع، بل شهر الاستعادة: استعادة الإنسان لعلاقته بالآخر، استعادة المجتمع لذاكرته، واستعادة الروح لقدرتها على مقاومة العزلة.

وربما لهذا السبب، يبقى رمضان حيًّا في ذاكرة الأطفال، وفي قلوب الأسرى، وفي حنين الذين عرفوه يومًا كزمنٍ للجماعة، لأنه، ببساطة، ليس شهرًا نعيشه فقط.. بل شهرًا يعيد إلينا معنى أن نكون معا.

سماحة حسون (كاتب من فلسطين)

من دفء الجماعة إلى عزلة الشاشات!

كان رمضان، في طفولتنا، أشبه بقلبٍ كبير يخفق في صدر الحيّ كلّه. لم يكن شهرًا ننتظره لأنّه يبدّل مواعيد الطعام، بل لأنّه يبدّل مواعيد القلوب. كانت البيوت تتقارب، ولو باعدت بينها الجدران. وكان المساء الرمضاني يبدأ قبل الأذان بساعات؛ حين تنشغل الأمهات بإعداد الطعام، وينشغل الأطفال بترقّب لحظة الإفطار، وينشغل الآباء بتبادل الأطباق بين الجيران، في طقسٍ بسيطٍ لكنه عميق الدلالة: نحن معا.

أحتفظ في ذاكرتي بصورة المائدة الطويلة التي لا تُقاس بطولها المادي، بل باتساعها الإنساني. كان الضيف حاضرًا ولو لم يُدعَ، وكان الجار شريكًا في الطبق كما هو شريكٌ في الدعاء. بعد التراويح، تتكاثر الخطوات في الأزقة، ويتحوّل الليل إلى مساحةٍ للحديث والذكر وتبادل الحكايات. لم يكن أحد يسأل: ماذا سنفعل الليلة؟ فالمعنى كان واضحًا: سنكون معا.

ذلك الرمضان لم يكن مثاليًّا، لكنه كان جماعيًّا. وكانت الجماعة، في حدّ ذاتها، مدرسةً روحية. نتعلّم الصبر ونحن ننتظر الأذان، ونتعلّم العطاء حين نقتسم ما لدينا، ونتعلّم التواضع حين نشعر بجوعٍ يذكّرنا بغيرنا. كان الشهر يعيد ترتيب الأولويات دون ضجيج؛ يخفّف من سطوة الأنا، ويمنح الـ”نحن” مساحة أوسع.

أما اليوم، فقد تغيّر المشهد. ما تزال المساجد تمتلئ، وما تزال الموائد عامرة، لكن شيئًا ما تبدّل في الإيقاع. صارت الشاشات ضيفًا دائمًا على المائدة، بل ربما صارت هي المضيف. يجلس أفراد الأسرة حول طبقٍ واحد، لكن كلًّا منهم غارق في عالمه الخاص. تتجاور الأجساد، وتتنافر الانتباهات. لم تعد السهرة الرمضانية لقاءً حيًّا بالضرورة، بل قد تكون متابعةً صامتة لمسلسلٍ أو تصفّحًا سريعًا لما ينشره الآخرون.

النزعة الفردانية، التي صارت سمة العصر، تسلّلت إلى الشهر الفضيل كما تسلّلت إلى سائر تفاصيل حياتنا. لم تعد العلاقات تُبنى فقط على الحضور المادي، بل على الحضور الرقمي. وغدا الإفطار، في بعض الأحيان، مناسبةً لالتقاط الصور أكثر من كونه مناسبةً لتلاقي الأرواح. هنا يبرز السؤال الملحّ: هل ما يزال رمضان قادرًا على تجديد القيم الروحية والإنسانية، أم أنّه أصبح إطارًا شكليًا لطقوسٍ فقدت حرارتها الأولى؟

أرى أنّ رمضان لم يفقد قدرته، لكننا نحن الذين تغيّرت علاقتنا به. الشهر لا يزال كما هو؛ زمنًا مفتوحًا للتزكية، ومساحةً للعودة إلى الذات، وفرصةً لمداواة ما أنهكته السنة من قسوةٍ وعجلة. غير أنّ استعادة روحه تتطلّب وعيًا مضاعفًا. فالفردانية ليست شرًّا مطلقًا؛ هي منحت الإنسان استقلالًا ووعيًا بذاته، لكنها حين تتحوّل إلى انغلاقٍ كامل، تُضعف الروابط التي تمنح الحياة معناها.

التوازن بين الروح والجسد في رمضان هو جوهر المسألة. الصوم ليس معركةً ضد الجسد، بل تربيةٌ له؛ أن يتعلّم الاعتدال، وأن يفسح المجال للروح كي تقود. وحين يتحوّل الشهر إلى سباقٍ في الأطعمة أو في السهرات الاستهلاكية، يختلّ هذا التوازن. الجسد يطالب بالمزيد، والروح تتراجع إلى الهامش.

رمضان اليوم بحاجة إلى مبادرات صغيرة وصادقة: مائدة عائلية بلا هواتف، زيارة جارٍ انقطع عنه السؤال، صدقةٌ خفية لا تُوثَّق، جلسة ذكرٍ هادئة بعيدًا عن الضجيج. لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء، لكن يمكننا أن نُعيد المعنى إلى الحاضر. فالطقوس ليست غايةً في ذاتها؛ قيمتها فيما تُنتجه من رحمةٍ وتكافلٍ وقرب.

بين الأمس واليوم، يقف رمضان شاهدًا علينا. إمّا أن نسمح للفردانية أن تُحوّل صيامنا إلى تجربةٍ معزولة، أو نجعل من وعينا الفردي جسرًا نحو جماعةٍ أكثر دفئًا.

في النهاية، ليس السؤال: كيف تغيّر رمضان؟ بل: كيف تغيّرنا نحن؟ وهل نملك الشجاعة لنستعيد، ولو قليلًا، ذلك القلب الكبير الذي كان يخفق في صدر الحيّ كلّه؟

أسمى وزوز (كاتبة من فلسطين)

رمضان وطقوس الذاكرة

للكتابة في الشّتاء اشتهاءٌ استثنائيٌّ كما للغيم اشتهاء، للمطر اشتياق، للماضي الذي كلّما أقصتنا رياحه عنه، زدنا التصاقًا بذكرياته والحنين إليه، لنوافذه، لشرفاته، لأبوابه، لطرقاته، لأزقَته المتروكة، ولشجيرات السّرو التي تحتضن عشق المارّين الهاربين من ضجيج المدن المسروقة.

لشهوره وفصوله التي لم تعد فيها مقاعد الحبّ، ولم يعد بها سوى قسوة الشّتاء وصقيع القلوب، ولهيب الصّيف الفارغ من الأمنيات. لليالي رمضان التي نكتبها، بالحبّ نرويها، وبالحنين نبكيها، وبالحزن نحكيها.

فما تزال الذّاكرة تقرأ عناوينها، وتسافر بعيدًا بعيدًا معها، بيوت الجيران وبيتنا وابتهالات النّقشبندي بمولاي، وإذاعة صوت العرب من القاهرة، وعبد الباسط يتلو كتاب الله حينما تقترب عقارب السّاعة من أذان الإفطار.

وأولاد الجيران ونحن معًا على السّطح ننتظر بجوعنا وعطشنا مدفع الإفطار في الأفق البعيد المقابل لسطحنا، وتترقّبه أعيننا الطفوليّة في سنّ الصّبا الأول وبراءتنا الأولى بفارغ الصّبر، وحينما يدوّي المدفع بصوته القويّ، نركض بسرعة البرق، نمسك بأيدينا الصّغيرة فرح اللّحظة كي لا تهرب منّا.

والجيران التي اعتادت إرسال صحنٍ من طبخةِ يومها للجار القريب، وجميعنا يشارك بهذه الطّقوس، وتتعدّد الألوان والأشكال والمذاقات على موائدنا.

بالحبّ الجميل نلتقي، وبالفرح الأجمل نفترق؛ ليأتي وقت كأس الشّاي بالنعناع الأخضر من حوض أمي. وهو يحمل من رائحتها ملائكيّة يديها.

فكيف سيغيب وجه أمي من هذه الذاكرة وهي الذاكرة، ذاكرة الفصول والسّاعات والدّقائق والثّواني، ولشهر رمضان مع أمي أجمل الحكايات، رائحة طبخها، إبريق شايها الأزرق، نظافة أوانيها، وجهها الملائكي، نورها وهي ترتدي المساء لتكون هي الشّمعة التي لا ينطفئ نورها.

ابتسامتها وهي تعدّ طعام السّحور، وتأتي لتحتضن وجهي بيديها الرّحيمتين وتصحّيني لأتناول السّحور بصوتها الخافت الذي يهمس في أذني كحفيف شجرة التّين التي أعشق.

كلّ ليالي رمضان تحتلّ الذاكرة، ذاكرة الحبّ الذي كبرنا عليه حتّى صار هو مقعد الفصول مهما غابت عنها الشّمس أو لم يعد لها قمر.

كلّ طقوس رمضان ما تزال هي الذّاكرة التي تعانق حنين القلب والرّوح في ساعات البرد والجليد.

أقْصِنا أيّها الماضي عنك، لا لننسى، ولكن ليزداد التصاقنا بك، ليكبر حنيننا لك، لنمضي مسافرين في عوالمنا التي كانت مهد الحبّ ودفء المعطف الشّتوي في ليالي الحنين وقطرات المطر، لزواياك المهجورة التي طالما غنّينا فيها أغنية الحياة على ذاك البئر الذي كنّا نلهو حوله حتى يغيب النّهار.

فكلّ الفصول تمرّ هنا، وتمضي من هنا؛ لتعود إلينا ثانيةً بخريفٍ آخر، وشتاءٍ أبعد، ورمضان ما يزال يقبض على الزّمن كي لا تضيع لياليه.

هي الأيام بذاكرة الأمس واليوم وكلّ وقتٍ ليس ببعيد.

د. رولا خالد غانم – فلسطين

رمضان الشهر الأجمل.. والأصعب دون “يزن”

شهر رمضان جميل بكل تفاصيله، وروحانياته، وذكرياتي معه كثيرة، لا تزال عالقة في ذهني، كان لرمضان نكهة مختلفة وخاصة، فقد ارتبط سابقا بلمة العائلة، وضرب المدفع، والمسحراتي، الذي كنا ننتظره على أحر من الجمر ونجوب معه شوارع الحي ونحن صغار، كنا نشعر بسعادة مطلقة آنذاك، ونحس بالأمان في ظل وجود الوالدين، والمسجد الملاصق لبيتنا، الذي ترعرعنا داخل أسواره. رمضان شهر الخير والروحانيات والعبادات منذ زمن وسيبقى، مع أن الظروف التي نعيشها الآن في فلسطين قاسية، وتحرمنا من كثير من الامتيازات، حيث كنا نزور المسجد الأقصى المبارك كل عام، ونصلي ونفطر بباحاته، ونحيي ليلة القدر هناك، شعورنا لا يوصف ونحن في أكناف بيت المقدس، سكينة مطلقة تلفنا من كل جانب وتجرد، وخلاص من كل الهموم، كنا نشعر بأن الله يرانا ويسمعنا ويتقبّل دعاءنا على الفور..

لكننا لم نتمكن من الزيارة هذا العام، ليس بسبب الذل على حاجز “قلنديا” فقط، بل لأن الوضع غير آمن، فالجيش والمستوطنون ينتشرون في كل مكان، والحواجز التي لا تعد، تقطع أوصال الوطن،  وفي كل مرة نزور بها مدينة القدس نشعر وكأنها المرة الأولى، لشدة دهشتنا من جمالها، كنا نصل باب العمود والقدس تنهض من نومها، نتمتع بسماع الآيات القرآنية التي تردّ الروح، وأبواب المحلات التجارية التي كانت تقرع في آذاننا وكأنها ترانيم رائعة، كنا نسير ببطء نتمعن خيرات الأسواق، نشتم  عبق رائحة البخور، والبهارات المشكلة، نتأمل التحف الفنية المبهرة، أباريق الشاي المزخرفة، وقدور الفخار الملونة، تلمع أعيننا سرورا وفرحا، نسير نحو سوق العطارين، نرى جنودا مدججين في الأسلحة، فنطبق أعيننا ونحبس أنفاسنا، حتى نمر عنهم بسلام، فنحن لا نحمل تصاريح رسمية تمكننا من الدخول بأمان مدينتنا المقدسة، فلربما يوقفنا جندي، ويتطاول علينا، ويعتقلنا..

كنا نقطع سوق العطارين، نسترد أنفاسنا، نشتري الكعك والفلافل من السوق القريب من باب السلسلة، نزور كنيسة القيامة نرى مزيجا من البشر، ذوي البشرة السمراء والبيضاء والحنطية، نرى الأطفال المتديّنين من اليهود بسوالفهم وقبعاتهم السوداء، والمسلمين بلحاهم ودشاديشهم البيضاء، والقسيسين والرهبان بأثوابهم السوداء، نسمع عدة لغات العربية والإنجليزية والآرامية والعبرية، نسمع جرس الكنيسة يقرع، وصوت الأذان، تمازج غريب مسجد، كنيسة، كنيس يهودي، وأجمل الأماكن المسجد الأقصى، بأبوابه المتعددة وباحاته الواسعة، وقبّته التي تلمع عن بعد تشد الناظر إليها، فيلهث حتى يصلها، مشاعر متضاربة تتملكنا، فرح ورهبة وسكينة عندما نطأ أطهر أرض، وحزن وشعور بالعجز بسبب الجنود الذين يطوقون عنق المسجد الأقصى، بل يمرحون في ساحاته.

أما على الصعيد الشخصي، فغياب “يزن” للسنة الثانية على التوالي، أثر بي كثيرا، فلم أعد أستمتع كما السابق، أتجرع مرارة الغياب كلما أجلس على مائدة الإفطار، أتذكر الأطعمة الني كان يحبها، خاصة طبق الحمص الذي كان يشتريه بنفسه، ومقعده المفضل، وصحن الشوربة، أبكي بحرقة يوميا، وأضع صورته على مقعده الفارغ، ولا أستلذ بالطعام وابني الصغير يتضور جوعا خلف القضبان، يفطر على ثلاث ملاعق أرز فقط، ويحرم من الأغذية الضرورية لجسده الذي بات نحيلا جدا، بسبب خسارته أكثر من عشرين كيلو غراما، وبسبب مرض (الاسكابيوس)الجرب والباسور، وافتقاده للعلاج، شأنه شأن كل الأسرى، مع ذلك لم نقنط من رحمة الله، ولم نسمح لليأس أن يتسلل إلى قلوبنا، رغم اللوعة ونار الاشتياق التي تهب باستمرار، لأن لدينا يقين بأن رحمة الله التي وسعت كل شيء ستسعنا، وتلطف بأولادنا وقلوبنا، وبأننا نؤجَر على كل لحظة صبر..

رانية فؤاد مرجية (كاتبة من فلسطين)

رمضان.. حين يختبر الجوع صدق إنسانيتنا!

أكتب عن رمضان كامرأةٍ مسيحية، لكنني أكتبه من ذاكرةٍ لا تعترف بالفواصل الطائفية. في الحيّ الذي كبرتُ فيه، لم يكن الشهر الفضيل شأنًا يخصّ “الآخرين”، بل كان موسمًا يبدّل إيقاع الشارع كله. عند الغروب، كان الأذان يهبط مثل سكينةٍ شفافة، فتخفت الحركة لثوانٍ، وكأن الحيّ يتنفس بروحٍ واحدة.

كنتُ طفلة أراقب الاستعدادات خلف النوافذ، وأتساءل: كيف يستطيع الجوع أن يجعل الناس أكثر رقة؟ كانت الجارة المسلمة تطرق بابنا قبيل المغرب، تحمل طبقًا من طعامها، وتقول لأمي: “لتشاركونا البركة”. لم تكن البركة في الطعام وحده، بل في المعنى: أن الجوع لا يكتمل إلا إذا لامس القلب. كان الامتناع عن الأكل يفيض حضورًا إنسانيًا، وكان الصوم يصنع وفرةً في التعاطف، لا في الموائد.

في تقاليدنا المسيحية أيضًا نصوم. نصوم لنخفف ضجيج الجسد كي نسمع همس الروح، ولنذكّر أنفسنا بأن الإنسان ليس رغبةً فقط، بل مسؤولية. لذلك رأيت في رمضان صومًا علنيًّا لمدينةٍ بأكملها؛ اعترافًا جماعيًا بحدود الجسد، وبقيمة التراحم. كان الشهر يعلّمنا أن الامتناع ليس حرمانًا، بل إعادة ترتيب للأولويات، وتذكيرًا بحاجة بعضنا إلى بعض.

رمضان الأمس كان أقل امتلاءً بالموائد، وأكثر امتلاءً بالوجوه. البيوت مفتوحة، الزيارات غير مؤجلة، والسهر مساحة حكايات لا شاشات. كان الأطفال يتعلمون أن الصوم ليس إنجازًا فرديًا، بل انتماء: أن تشعر بجوعك فتتذكر من لا يملك خيار الإفطار. كان الحيّ يتحول إلى عائلة كبيرة، يتقاسم أفراده الصبر قبل الطعام.

اليوم تغيّر المشهد. لم يعد السؤال: هل نصوم؟ بل: ماذا يبقى من الصوم؟ صرنا نعرض موائدنا أكثر مما نتقاسمها، ونوثّق اللحظة أكثر مما نعيشها. الجوع الذي كان يوحّد الشارع، يوشك أن يُحاصر بثقافة استهلاك تبتلع معناه. نجلس إلى المائدة الواحدة، لكن كلٌّ منا في جزيرته الصغيرة. نتبادل التهاني سريعًا، فيما يبهت اللقاء الحقيقي، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة.

الفردانية هنا لا تأتي بوصفها وعيًا صحيًّا بالذات، بل كعزلةٍ ناعمة تُضعف الروابط. يتحول الصوم إلى تجربة مغلقة: “أنا صائم”، لا “نحن نصوم”. والخطر ليس في أن يعتني الإنسان بنفسه، بل في أن ينسى أن اكتماله مرهون بالآخر. الصوم الذي لا ينعكس رحمةً وعدلًا ولطفًا، يظل امتناعًا جسديًا لا أكثر.

من زاويتي المسيحية، أؤمن أن الصوم الحقيقي لا يُقاس بعدد الساعات التي نكفّ فيها عن الطعام، بل بعدد المرات التي نكفّ فيها عن الأذى. أن نصوم عن القسوة، عن الإهمال، عن اللامبالاة. أن نعيد النظر في علاقتنا بالفقراء، بالغرباء، وبأقرب الناس إلينا. فالجسد حين يجوع يذكّرنا بهشاشتنا، لكن الروح حين تستيقظ تذكّرنا بمسؤوليتنا.

ومع ذلك، لا أكتب من موقع الحنين العاجز. فما تزال هناك بيوت تُضيء ببساطة، وأيادٍ خفية تطعم وتواسي، وقلوب تبحث عن معنى أعمق من ضجيج العالم. رمضان لم يفقد رسالته، لكنه صار مرآة أكثر صدقًا: يكشف ما فينا، لا ما نتمنى أن نكونه.

السؤال الحقيقي ليس: هل تغيّر رمضان؟ بل: هل ما نزال نسمح له أن يغيّرنا؟ هل نملك الشجاعة لنخفف سطوة “الأنا” لصالح “النحن”؟ أن نجعل من الجوع جسرًا لا استعراضًا، ومن الصوم فعل مصالحة لا عادة موسمية؟

أكتب هذا لا لأنتمي دينيًّا إلى الشهر، بل لأنتمي إنسانيًّا إلى معناه. حين يصبح الصوم فعل رحمة، لا يهم اسم العقيدة. وحين تنتصر “نحن” على ضيق “أنا”، يستعيد رمضان جوهره: تمرينًا سنويًّا على استعادة إنسانيتنا.

يبقى القرار لنا: إما أن نسمح للشبع أن يعزلنا.. أو نسمح للجوع أن يوقظ فينا المعنى الذي يجمعنا.

شريف إبراهيم أحمد (أديب من فلسطين)

حين كانت المائدة تمتدّ إلى الشارع!

لم يكن رمضان في طفولتنا شهرًا يبدأ برؤية الهلال وينتهي بالعيد فحسب، بل كان حالةً اجتماعية وروحية متكاملة، كأن الزمن نفسه يتبدّل إيقاعه، وكأن الأيام تتباطأ قليلًا لتمنح القلوب فرصة أن تتسارع نحو الخير. كان الشهر الكريم موسمًا للدفء الإنساني، حيث تتقاطع الأرواح قبل أن تتقاطع الأيدي على المائدة، وحيث يصبح الجوع وسيلةً للتقارب لا للحرمان.

قبل أذان المغرب بساعة، كان الحيّ يتحوّل إلى خلية بشرية نابضة بالحياة. أبواب البيوت تبقى مفتوحة، وروائح الطعام تتسلل إلى الأزقة كرسائل محبة غير مكتوبة. لم يكن أحد يأكل وحده، حتى لو كان في بيته، لأن فكرة “الوحدة” لم تكن جزءًا من قاموس رمضان. كانت المائدة تمتدّ من بيت إلى بيت، ومن شارع إلى شارع، حتى يصبح الحيّ بأكمله عائلة واحدة.

كان صوت الأذان آنذاك حدثًا ينتظره الجميع بقلوب خاشعة، لا مجرد إشارة زمنية للإفطار. لحظة الأذان كانت لحظة التقاء الأرواح، لا التقاء الملاعق بالأطباق. كان الإفطار علاقة مجتمع ببركة، لا علاقة فرد بصحنه. طبق الشوربة يعبر من بيت إلى آخر، وطبق الكنافة يطرق أبوابًا لم تطرقها خلافات العام كله. الأطفال يجرون بالفوانيس، والنساء يتبادلن الأطباق والضحكات، والرجال يلتقون بعد صلاة التراويح في حلقات السمر أو حلقات القرآن. لم يكن أحد يسأل: “ماذا سأفعل أنا الليلة؟” بل: “أين سنلتقي الليلة؟”.

كان رمضان، ببساطة، يعلّم الناس أن الإنسان لا يكتمل وحده، وأن العبادة لا تكتمل إلا حين تمتدّ إلى الآخرين. كان الشهر الكريم مدرسة في الاجتماع الإنساني، وفيه يتعلّم الناس أن الكرم ليس في وفرة الطعام، بل في اتساع القلب.

أما اليوم، فقد تغيّر المشهد. لم تختفِ المآذن، لكنها فقدت شيئًا من أصوات البشر حولها. صارت المائدة أصغر رغم كثرة الطعام، لأن كل فرد يجلس أمام شاشة مختلفة. الإفطار الجماعي الذي كان يجمع العائلة والجيران، حلّت محلّه موائد فردية: هاتف في يد، ومسلسل في عين، ورسائل تهنئة سريعة بدلاً من زيارات طويلة. حتى صلاة التراويح، التي كانت موعدًا للقاء الوجوه وتبادل السلام، تحوّلت أحيانًا إلى بث مباشر يُشاهَد منفردًا من خلف الشاشات.

النزعة الفردانية لم تسرق رمضان بالكامل، لكنها أعادت تشكيله. لم تعد العلاقات الاجتماعية ضرورة يومية، بل خيارًا مؤجلًا. الأسرة الواحدة قد تجتمع جسديًّا على المائدة، لكنها متفرقة وجدانيًا داخل العوالم الرقمية. الحضور أصبح جسديًا، لكن الغياب وجداني. نحن موجودون في المكان.. غائبون في اللحظة.

ومع ذلك، لا يمكن القول إن رمضان فقد روحه. الروح لا تموت، لكنها تضعف حين تتكدّس حولها العادات الاستهلاكية. فالشهر الذي شُرع لتقليل شهوات الجسد أصبح عند بعضنا موسمًا للإفراط: موائد متخمة، وسهر طويل، ونوم نهاري، حتى صار الصوم امتناعًا عن الطعام لا تدريبًا على المعنى.

رمضان الحقيقي لم يكن صراع الجسد مع الجوع، بل صلح الروح مع الآخرين. الصوم في جوهره ليس “ألا نأكل”، بل أن نشعر. أن نحسّ بالجائع، وأن نلين في الخصومة، وأن نعيد ترتيب علاقتنا بالناس وبأنفسنا وبالله. فالصوم ليس عزلة عن العالم، بل مشاركة وجدانية فيه.

الذاكرة الشعبية تخبرنا أن رمضان كان يصنع مجتمعًا لمدة ثلاثين يومًا؛ يدرّب الناس على الكرم والتسامح والزيارات وصلة الرحم، ثم يترك أثره بقية العام. كان الشهر الكريم دورةً مكثفة في الإنسانية، يتخرج منها الناس أكثر قربًا من بعضهم، وأكثر صفاءً في نياتهم. أما اليوم، فنخشى أن يتحول إلى طقس موسمي سريع، ينتهي بانتهاء الإجازة لا بانتهاء الشهر، وتبقى بركته حبيسة الشاشات والإعلانات.

التوازن المطلوب ليس رفض العصر، بل تهذيبه. التكنولوجيا ليست خصمًا لرمضان إذا لم تصبح بديلاً عن الإنسان. يمكن للشاشات أن تنقل قرآنًا، لكنها لا تستطيع أن تنقل دفء المصافحة. يمكنها أن تبث موعظة، لكنها لا تستطيع أن تعوّض زيارة أمّ أو سؤالًا عن جار. فالتقنية حين تُستخدم بوعي، تصبح وسيلةً للصلة لا للفصل، وجسرًا للتواصل لا جدارًا للعزلة.

رمضان ما يزال قادرًا على تجديد الروح، بشرط أن نعيده من “شهر الاستهلاك” إلى “شهر المشاركة”. أن نوسّع موائدنا ولو بكوب ماء، وأن نؤخر قليلًا هواتفنا، وأن نعيد للّقاء قيمته، وللزيارة معناها، وللصوم روحه. فالهلال لا يظهر في السماء فقط.. بل يظهر حين نرى بعضنا من جديد، وحين نعيد اكتشاف أن أجمل ما في رمضان ليس الطعام ولا الزينة، بل الإنسان نفسه.

شوقية عروق منصور (كاتبة من فلسطين)

شهر رمضان يرتدي ثياب شبكات التواصل الاجتماعي!

كلما قدم شهر رمضان نكتشف أننا دخلنا شهرا جديدا في ملامحه، حيث تركض المقارنات بين شهر رمضان الماضي والحاضر، ونردد بيننا وبين أنفسنا أن هذا الشهر لا يمت بصلة إلى شهر رمضان السابق، وهكذا ندور في دائرة التفاصيل الغائبة ونذرف دمعة حيث تحملنا إلى إيام صنعت من وجودها تاريخاً يجلس على قارعة الذاكرة والذكريات.

هل أكتب عن أبي وأمي وأفراد عائلتي وجميع أهالي الحارة حين كانوا يضعون آذانهم على الاذاعات العربية، ينتظرون الدول العربية التي تعلن رؤية هلال رمضان، وكانوا يصومون حسب إذاعة الدولة العربية التي تتميز بقربها وتعاطفها مع الشعب الفلسطيني؟

هل نكتب عن تهيئة البيت لقدوم شهر رمضان، أول درجات الاستقبال تنظيف البيت كأن رمضان سيأتي حاملاً دفتر العلامات المدرسية، سيدخل ويسجل نظافة وبريق كل زاوية ويهتم بمدى تنظيف كل ربة بيت لبيتها، عدا عن شراء “المونة”، حيث تصبح البيوت عبارة عن مخازن صغيرة للمأكولات؟ أما الدكاكين والأسواق فحدث ولا حرج، لأن صور الازدحام، خاصة أمام محلات الجزارين، حيث تكون الطوابير الطويلة، وأثناء الانتظار تسمع ثغاء الغنم وأصوات الخراف وخوار الأبقار.

هل نكتب عن تزين البيوت بعبارات الترحيب وبساطة الأضواء والأوراق الملونة التي يقوم الأطفال بصنعها دون بذخ أو تقليد أعمى بين الجيران؟

هل نكتب عن انتظار ساعة الآذان، حين كانت أزقة الحارات تنبض بوجوه الكبار والصغار، ويصر الصغار على البقاء قرب الجوامع ينتظرون صوت المؤذن، وما أن يرفع الآذان حتى يركض الصغار، مرددين أفطروا.. أفطروا…! وتكون الصرخات الطفولية قوافل من الفرح حاملة رسائل تحولت مع الزمن إلى أصوات غابت، هاجرت، صمتت.. لكن ما زال صداها ينام تحت جدران البيوت التي تحضن أحزانها وغربتها؟

هل نكتب عن “لمة العائلة” وأيادي الأمهات والقريبات وهن يشتغلن في المطبخ، ويصنعن من الخضروات واللحوم وجبات ما زالت روائحها تغازل جوعنا الذي حمل أغصان الاستسلام معلنا أن غياب طعام الأمهات هو سبب أمراضنا الحضارية، وأن الوجبات والأطعمة الجاهزة قد اغتالت آخر خنادق الانتماء لصهيل المطبخ العربي الذي يقف الآن على حدود التقاعد؟

هل نكتب عن السهرات العائلية، أو سهرات الأصدقاء التي كانت تقفز بين الساعات معلنة أن أيامنا ليست مصافحة الفراغ، بل كانت جسوراً للتقارب أكثر وأكثر، نغرق جميعنا في هموم بعضنا البعض ولا تنتهي السهرات إلا وقلوبنا تتنهد مشاركة في السراء والضراء؟

هل نكتب عن لقاء الجارات وسؤالهن عن الطبخات اليومية، وتمتد الأحاديث إلى أبواب القلوب المغلقة، والتي سرعان ما تُفتح لمشاركة المشاعر والاحاسيس والأزمات، ومحاولة المساعدة ومد يد العون؟

قد تكون الصور الرمضانية صورا عابرة، واعترافات ترمي شباكها في ماض قد ذاب كقطعة السكر ولكن قطعة السكر تحولت إلى أوتاد خيام بالية، زاويا محاطة بعنكبوت الوحدة، لقد قامت شبكات التواصل الاجتماعي بجرنا إلى كهوف خاصة، نجلس قبالة مرايا مشوهة، تعكس لنا العالم الخارجي المليء بالألوان والوجوه الغريبة التي اقتحمت حياتنا، لكن يبقى عالمنا الداخلي مجهولاً، لقد سرقت وسائل التواصل الاجتماعي منا، تأمل وجوه الأحباب ودراسة ملامحهم، حتى أنها سرقت منا التفهم والقدرة على لجم الغضب والعناد، والأصعب أن شهر رمضان تحول إلى أيام تلهث وراء هذا المسلسل وذاك البرنامج، حتى أصبحنا نتابع الشهر الفضيل من نافذة ضيقة تُسمّى: العزلة بعيدا عن الناس..

تعالوا نفتّش في جيوب الأجداد والجدات والآباء والأمهات، سنجد في جيوبهم رائحة شهر رمضان تملأ قماش الروح وقد نسجت الخيوط حولها صورًا تغفو بهدوء.

شادي أبو عكر (شاعر وأديب من فلسطين)

​رمضان بين ضجيج “الفردانية” وسكينة الروح.. هل فقدنا “لمّة” القلوب؟

​في ذاكرة كل واحد منا، يسكن رمضان “قديم” لا يشبه الحاضر في شيء سوى في توقيت الإمساك والإفطار. كان رمضان بالأمس رحلة جماعية تقودها العائلة الكبيرة، حيث البيوت مشرعة الأبواب، والروائح لا تحبسها الجدران، والنفوس تتسع للجميع. أما اليوم، ونحن نعيش عصر “الفردانية” بامتياز، يبدو أن هذا الشهر الفضيل بات يواجه تحدياً وجودياً: هل يظل جسراً للتراحم، أم يتحول إلى طقس شخصي معزول خلف شاشات الهواتف؟

حين كان الجار قبل الدار..

​ما تزال ذاكرتنا تحتفظ بصور “رمضان زمان”؛ تلك اللحظات التي تسبق الآذان، حين كانت الصحون تطوف بين الجيران فيما يشبه “سيمفونية التكافل”. لم تكن مجرد تبادل للطعام، بل كانت تبادلاً للأرواح. كانت “اللمّة” هي المحرك الأساسي؛ فالجد هو البوصلة، وصلاة التراويح موعد تلتقي فيه قلوب الحيّ لا أجسادهم فقط.

​في ذلك الوقت، لم تكن هناك حاجة لتعريف “التراحم”، فقد كان ممارسة يومية فطرية. كانت القيم الروحية تتجسد في أبسط التفاصيل: في الصبر المشترك، في الضحكة الجماعية، وفي الشعور بأن الجميع أسرة واحدة كبيرة.

​سطوة الفردانية: العزلة في قلب الجماعة

​اليوم، ومع توغل الحداثة وتغير النمط المعيشي، بدأت “الفردانية” تفرض إيقاعها القاسي. لم يعد الإفطار دائماً تلك اللحظة المقدسة التي يجتمع فيها الكل؛ فمنهم من يفطر وعينه على “إشعارات” هاتفه، ومنهم من يفضل الانزواء في غرفته متابعاً مسلسلاً أو منصة تواصل اجتماعي.

​لقد تراجعت “الطقوس الجماعية” لصالح “الرفاهية الشخصية”. أصبحنا نهتم بجمالية المائدة لتصويرها أكثر من اهتمامنا بـ”بركة” المائدة في حضور الآخرين. هذه الفردانية أدت إلى نوع من “الجفاف العاطفي”؛ فحتى التهنئة بالشهر تحولت من زيارات دافئة إلى رسائل نصية “منسوخة” تُرسل بضغطة زر لمئات الأشخاص، دون أن تلمس شغاف قلب واحد منهم.

​معادلة الروح والجسد: نحو توازن مفقود

​رمضان في جوهره هو “ثورة الروح على المادة”. لكن المعادلة اليوم مائلة بوضوح كفة “الجسد”؛ استهلاك مفرط، سهر منهك، وتركيز على القشور المادية. لكي يستعيد الشهر الفضيل دوره في “التجديد الروحي”، نحن بحاجة إلى:

– ​نسيان التكنولوجيا: لا بأس من التواصل الرقمي، لكن لا يجب أن يكون بديلاً عن العناق والمجالسة.

– ​إحياء “قيم الجوار”: كسر حصار الفردانية بالعودة إلى المبادرات البسيطة التي تعزز الروابط الاجتماعية داخل الحي الواحد.

– ​الوعي بالاستهلاك: تحرير رمضان من قبضة “المجتمع الاستهلاكي” ليعود مدرسة لتهذيب النفس لا لتخمة الجسد.

​رؤية استشرافية

​إن رمضان لم يفقد قدسيته، لكننا نحن من فقدنا “البوصلة” أحيانا. المستقبل يفرض علينا أن نختار: هل نريد لرمضان أن يصبح “فلكلورا” سنويًّا نقضيه في عزلة أنيقة؟ أم نريده “مختبرًا أخلاقيًّا” يعيد صياغة إنسانيتنا؟

​إن التحدي ليس في الزمن، بل في قدرتنا على انتزاع أنفسنا من سطوة “الأنا” للعودة إلى رحاب “النحن”. فجمال رمضان لا يكتمل إلا حين يخرج الإنسان من سجن ذاته ليجد نفسه في عيون الآخرين..

يوسف الشمالي (كاتب من لبنان)

هل نكتفي بزينة تلمع في الخارج أم نبحث عن نور يضيء الداخل؟

كان رمضان في الذاكرة القديمة موعداً مع الناس بقدر ما كان موعدا مع الله. لم يكن الشهر الفضيل يمرّ كطقس عابر، بل كان حدثا اجتماعيًّا وروحياً تتكاثف فيه العلاقات، وتُستعاد فيه حرارة البيوت والأحياء. كانت الزيارات جزءًا من العبادة، وكانت المصافحة والعناق امتداداً للصلاة، وكأن الروح لا تكتمل إلا بالآخرين. أمّا اليوم، في زمن التكنولوجيا المتسارعة، فقد تغيّرت أشكال كثيرة من هذا الحضور، وبرز سؤال موجع: هل ما زال رمضان يُجدّد القيم الروحية والإنسانية، أم أن النزعة الفردانية، المدعومة بالسوشيل ميديا، أفرغت بعض طقوسه من معناها؟

في الأمس، كانت التهنئة برمضان حدثا شخصيًّا. نطرق الأبواب، نزور الأقارب، نجلس إلى المائدة ذاتها، نسمع صوت الأذان معاً، ونتبادل الدعاء وجهاً لوجه. كان للكلمات حرارة الصوت، وللمصافحة صدق النية. حتى إن لم تُكتب التهاني على بطاقات فاخرة، كانت تُقال بصدق، وتُشعر المتلقي أنه مقصود بها وحده. كان الجار ينتظر جاره، والقريب يخصّ قريبه بزيارة، وكان الإفطار مناسبة لتجديد صلة الرحم، لا مجرد موعد لكسر الصيام.

اليوم، تغيّر المشهد. يكفي أن نفتح تطبيقا لنجد عشرات الرسائل الجاهزة: “رمضان كريم”، “تقبّل الله طاعتكم”، مصحوبة بقلوب لامعة، وفوانيس متحركة، وآيات مكتوبة بخطوط مزخرفة. نضغط زر “إعادة توجيه” فتنطلق الرسالة إلى عشرات الأسماء في ثوانٍ. أحيانا نرسل تهنئة مذيّلة باسم ليس اسمنا، لأننا لم ننتبه إلى التوقيع الأصلي. وأحيانا أخرى نعيد إرسال معايدة من دون أن نقرأها حتى، فقط لنشعر أننا “أدّينا الواجب”.

هنا لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في الطريقة التي غيّرت بها علاقتنا بالكلمة وبالمعنى. صارت التهنئة شكلاً سريعاً، خالياً من الجهد الشخصي. لم نعد نبحث عن عبارة تعبّر عما نشعر به، بل عن صورة جاهزة تليق بالنشر. السوشيل ميديا اختصرت المسافة، لكنها في أحيان كثيرة اختزلت الشعور أيضا. أصبح التواصل أوسع، لكنه أقل عمقا. نهنّئ مئات الأشخاص في دقيقة، لكننا لا نجلس مع واحد منهم ساعة.

هذا التحوّل يرتبط بالنزعة الفردانية التي تعزّزت في عصرنا. لكل فرد صفحته، وصورته الرمضانية الخاصة، وزينته التي يتباهى بها. صارت الزينة أحياناً أهم من المضمون، والصورة أهم من اللحظة نفسها. نعلّق الفوانيس ونزيّن البيوت، لكننا قد لا نجد وقتاً لحوار عائلي هادئ. ننشر صور موائد الإفطار، لكننا لا ننتبه إن كانت القلوب حولها متقاربة حقاً أم متباعدة خلف الشاشات.

في المقابل، كان رمضان الأمس أكثر بساطة في شكله، لكنه أعمق في مضمونه. الزينة كانت محدودة، لكن العلاقات كانت مزدهرة. لم تكن البيوت تتنافس في مظاهر الاحتفال، بل كانت تتنافس في الكرم وحسن الضيافة. وكان الشعور العام أن الشهر فرصة لإعادة ترميم ما تصدّع خلال العام: خصام يُحلّ، قلب يُسامح، يد تمتدّ إلى محتاج.

لا يعني هذا أن الحاضر يخلو من الخير، أو أن التكنولوجيا شرّ مطلق. يمكن للوسائط الحديثة أن تكون جسراً للتواصل، خاصة مع البعيدين جغرافياً. لكن الخطر يكمن حين تتحوّل الوسيلة إلى بديل عن الجوهر. حين نكتفي بملصق “ستيكر” بدلاً من مكالمة صادقة، أو نعتبر أن إعادة إرسال دعاء تكفي عن صياغة كلمة نابعة من القلب، فإننا نختزل التجربة الرمضانية إلى إجراء شكلي.

رمضان في جوهره مدرسة لإعادة التوازن بين الروح والجسد. الصوم يذكّرنا بحاجات الجسد وحدوده، ويمنح الروح مساحة للتأمل والسمو. لكن حين يطغى المظهر على المضمون، نفقد هذا التوازن. نصوم عن الطعام، لكننا قد لا نصوم عن السطحية. نزيّن الشرفات، لكننا لا نزيّن قلوبنا بالتسامح. نكثر من النشر، ونقلّ من الإصغاء.

ربما لا يمكننا العودة إلى صورة الماضي كما كانت، فالزمن يتغير، وأنماط الحياة تتبدل. لكن يمكننا أن نستعيد الروح التي صنعت جمال ذلك الماضي. يمكن أن نكتب تهنئة بأسمائنا وكلماتنا، ولو كانت بسيطة. يمكن أن نزور قريباً بدل الاكتفاء برسالة. يمكن أن نختار لقاءً حقيقياً بدلاً من صورة عابرة.

رمضان بين الأمس واليوم ليس حنينا أعمى إلى ما مضى، ولا رفضا قاطعاً لما هو آتٍ، بل دعوة إلى مراجعة الذات. هل نريد شهرا مليئا بالصور والملصقات، أم شهرا يعيد إلينا دفء العلاقات؟ هل نكتفي بزينة تلمع في الخارج، أم نبحث عن نور يضيء الداخل؟ الإجابة لا تصنعها التكنولوجيا، بل نصنعها نحن، حين نقرر أن يكون لرمضان معنى يتجاوز الشكل، ويستعيد جوهر الرسالة: الرحمة، والتكافل، والصدق الإنساني.

عامر الخطيب (كاتب وفنان تشكيلي من سوريا)

مرايا الشهر الفضيل

“قوموا لسحوركم… جاي النبي يزوركم … يا صايم وحّد الدايم”. طالما صدحت حناجر المسحراتية في جنح الظلام يوقظون الناس كل ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك في سوريا، كما في سائر بلاد الشام، يوم كان طبق الجار جزءًا من الإفطار، وأبعد وأعمق من كونه مشاركة طعام وأرغفة العيش بقدر ما هي محطة روحية واجتماعية فارقة، تتجدد فيها أواصر القربى وتتعمق فيها معاني التكافل والتراحم.

في ذاكرتي، ووفقًا لما تناقله كبارنا في العائلة والحي، كان رمضان الأمس لوحة مجتمعية زاهية الألوان، يعمّ الخير فيها الفسيفساء المجتمعي دون تفريق أو تمييز بين مكون وآخر، وتتجلى فيها أبهى صور التعاون والتآزر، حيث كانت الاستعدادات تبدأ قبل حلول الشهر بأيام، تتشارك الجارات في إعداد المؤن الرمضانية، وتتبادل الأسر أطباق الإفطار والسحور، في مشهد يعكس روحًا جماعية أصيلة بعيدا عن أي اعتبارات أخرى. المساجد ودور العبادة كانت تعج بالمصلين، وصوت تراتيل القرآن يصدح في كل زاوية، بينما تتزين الشوارع بالفوانيس الملونة المشعشعة، وتفوح منها روائح الحلويات والمأكولات التقليدية.

لم يكن رمضان مجرد فترة صيام عن الطعام والشراب، بل كان صياما عن كل ما يشغل النفس عن جوهرها الروحي والإنساني، وفرصة لتجديد العهد مع القيم النبيلة.

واليوم ورغم احتفاظ الشهر الفضيل ببعض من بريقه الروحي، إلا أنه لا يخلو من تأثيرات التغيرات الاجتماعية المتسارعة، التي تناولت أفراد الأسر والمجتمعات على حد سواء ، وطغت على كثير من جوانب حياتنا المعاصرة، وبدأت تلقي بظلالها على هذا الشهر الفضيل، فبينما لا تزال الأسر تحرص على الاجتماع حول مائدة الإفطار، إلا أن وتيرة الحياة الحديثة، والانشغال بوسائل التواصل الاجتماعي، قد قللت من عمق التفاعل الحقيقي بين أفراد الأسرة الواحدة، وباتت الزيارات العائلية والجماعية أقل تكرارًا، وتبادل الأطباق بين الجيران أصبح تقليداً يتراجع شيئاً فشيئا. حتى الطقوس الاجتماعية التي كانت تميز رمضان، مثل السهرات الرمضانية في الأحياء القديمة، قد خفتت أو تحولت إلى تجمعات أكثر خصوصية، مما يطرح تساؤلاً جادا حول مدى قدرة الشهر الفضيل على القيام بعملية التجديد الروحي والاجتماعي بالقدر الذي كان عليه في السابق.

إن المعادلة التي توازن بين الروح والجسد في رمضان، والتي كانت تتجسد في الماضي بشكل طبيعي وعفوي، تحتاج اليوم إلى وعي وجهد أكبر للحفاظ عليها ، فالصيام ليس حرماناً للجسد فحسب، بل هو تهذيب للروح وتطهير للنفس، لتحقيق هذا التوازن، يجب علينا أن نعي أهمية استعادة الروح الجماعية لرمضان، وأن نخصص وقتا واعيا للتواصل الأسري والاجتماعي، بعيدا عن صخب الحياة الرقمية، ويمكننا إحياء بعض التقاليد القديمة، مثل تبادل الزيارات وتخصيص أوقات للقراءة الجماعية للقرآن، والاستماع إلى حلقات الوعظ والإرشاد والمشاركة في الأعمال الخيرية التي تعزز قيم التكافل، كما أن التركيز على الجانب الروحي من خلال العبادات والتأمل، والابتعاد عن الإفراط في الاستهلاك الذي قد يحول الشهر إلى مجرد مناسبة للاحتفال المادي، سيساعد في استعادة جوهر رمضان الحقيقي.

في الختام، إن رمضان في سوريا، رغم التحديات التي فرضتها الظروف الراهنة والتغيرات الاجتماعية، ما يزال يحمل في طياته إمكانية عظيمة لتجديد الروح وتعزيز القيم الإنسانية الشريفة الموروثة عن السلف الصالح. الأمر يتطلب منا، كأفراد ومجتمعات، أن نكون أكثر وعيا بضرورة الحفاظ على هذا الإرث الثقافي والروحي، وأن نعمل جاهدين على استعادة التوازن بين متطلبات الحياة الحديثة وجماليات الشهر الفضيل، ليبقى رمضان محطة سنوية للتآلف والتراحم والتكافل، بعيدا عن غلبة النزعات الفردانية والمجتمعية.

وسام زغبر (عضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين – فلسطين)

رمضان بين الذاكرة والواقع المعاصر

رمضان في ذاكرة الطفولة كان شهرا يجمع الناس كلهم، في الحي وفي العائلة، قبل أن يتحول إلى أيام في التقويم فقط. نتذكر أصوات المؤذن، وروائح الإفطار التي تعبق في الأزقة، ودفء اللقاءات العائلية التي لم تكتمل إلا بقراءة القرآن والصلاة الجماعية. كان الشهر الفضيل يجمع بين العبادة والرحمة، بين الصوم والصلة بالآخرين، بين الروح والجسد في توازن طبيعي.

أما اليوم، فرمضان يمرّ سريعًا في المدن المزدحمة، حيث انشغال الأفراد بمشاغل الحياة، والانغماس في شاشات الهواتف، جعل اللحظات الرمضانية أكثر عزلة. حتى الإفطار الجماعي أضحى أحيانًا مناسبة لتبادل الصور على وسائل التواصل، أكثر من كونه لحظة تواصل حقيقي، بينما تقلّ أصوات القرآن في البيوت مع زحمة الإشعارات الرقمية. يبدو أن النزعة الفردانية قد أضحت أحد أبرز ملامح حياتنا اليومية، حتى في الشهر الذي يُفترض أن يعزز القيم الروحية والإنسانية.

مع ذلك، يبقى رمضان فرصة للتوازن بين الروح والجسد. الصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريب داخلي على الصبر والمثابرة، وفرصة للوعي بالآخرين، ولتقدير النعم. التحدي اليوم هو إعادة هذا البعد الروحي في ظل عصر الفردانية، وتحويل التقنيات الحديثة من أدوات للعزلة إلى وسائل لتعميق التواصل والرحمة.

يمكن استعادة جزء من روح رمضان القديمة من خلال ممارسات بسيطة: مشاركة الطعام مع المحتاجين، تنظيم لقاءات افتراضية أو منزلية للعائلة والأصدقاء، تخصيص وقت للتأمل والذكر، والاحتفال بالطقوس الرمضانية بطريقة واعية. الفرق بين الأمس واليوم ليس في الشهر نفسه، بل في إدراكنا له، وقدرتنا على الموازنة بين حاجات الجسد ومتطلبات الروح.

في النهاية، رمضان يظل اختبارًا يوميًّا للإنسانية: هل نعيش الشهر بوعي كامل، أم نتركه يمرّ كغيره من الأيام؟ الجواب يكمن في حرصنا على أن تبقى القيم الروحية والإنسانية حاضرة، رغم فردانية العصر وانشغالاته، لتظل ذاكرتنا الرمضانية حية، بين الحنين والوعي المعاصر.

رابط دائم
https://elayem.news/187mu