الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

بنك الجزائر أمام معركة حاسمة.. إصلاحات لإنقاذ الدينار وخنق السوق الموازية

Author
بثينة صايفي 19 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في وقت يواصل فيه الدينار الجزائري مواجهة ضغوط متزايدة بسبب اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية، يعود النقاش حول ضرورة إعادة النظر في أدوات السياسة النقدية والمصرفية إلى الواجهة.

وبينما تمتلك الجزائر احتياطيات من النقد الأجنبي، وموارد طاقوية، وسوقا داخلية واسعة، يرى الخبير الاقتصادي حركاتي حاتم أن الإشكال لا يرتبط فقط بحجم الإمكانات، وإنما بكيفية تنظيم حركة الأموال والعملات داخل الاقتصاد.

 

تشخيص اختلالات السياسة النقدية والحاجة إلى إصلاحات جريئة

يرى الخبير الاقتصادي حركاتي حاتم أن الجزائر لم تعد بحاجة إلى قرارات ظرفية في السياسة النقدية، وإنما إلى تغيير أعمق في طريقة تنظيم وتسيير تدفقات الأموال والعملات داخل الاقتصاد، ويؤكد أن البلاد تتوفر على مقومات اقتصادية مهمة، من احتياطيات وطاقة وسوق داخلية واسعة ومؤسسات قادرة على الإنتاج والتصدير، غير أن استمرار وجود سعرين للدينار، الرسمي والموازي، وصعوبة وصول المواطنين والمؤسسات إلى العملة والقنوات البنكية، يكشف عن اختلالات في النظام النقدي والمصرفي.

وبناء على ذلك، يقترح حركاتي حاتم حزمة من الإصلاحات النقدية والمصرفية التي يعتبرها ضرورية لتقليص الفجوة بين السوق الرسمية والموازية وتعزيز قيمة الدينار.

 

الانتقال التدريجي نحو سعر صرف أكثر مرونة

يشدد الخبير على ضرورة مواجهة واقع تعدد أسعار الصرف، معتبرا أن بناء اقتصاد حديث لا يمكن أن يستمر في ظل وجود فارق كبير بين السعر الرسمي والسعر المتداول في السوق الموازية، لكنه يرفض في المقابل التعويم الفوري للدينار، ويدعو إلى الانتقال التدريجي نحو سعر صرف أكثر مرونة.

ويتمثل الهدف، حسبه، في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية سنة بعد أخرى، وصولا إلى سوق صرف موحدة تقريبا، ويحذر من أن استمرار الفارق الكبير يشجع المضاربة والتهريب، ويرفع تكاليف الاستيراد ويشوّه حسابات المؤسسات، فضلا عن خلق اقتصادين داخل الدولة نفسها.

 

إنشاء سوق صرف حقيقية بين البنوك

يدعو حركاتي إلى إنشاء سوق صرف بين البنوك تكون فعالة وشفافة وتتحرك وفق العرض والطلب، بما يسمح للبنوك ببيع وشراء العملات فيما بينها، مع تمكين المؤسسات المصدرة من الاندماج بصورة مباشرة في هذه المنظومة.

ويعتبر أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من عقلية انتظار الحصول على العملة إلى نظام أكثر مرونة، يقوم على وجود طلب اقتصادي حقيقي، ومنصة واضحة، وبنك محدد، وسعر معلوم وآجال محددة. ويرى أن هذا الإجراء من شأنه تخفيف جزء كبير من الضغط على السوق الموازية.

 

جعل استهداف التضخم أولوية واضحة لبنك الجزائر

يؤكد الخبير أن التضخم لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد رقم في التقارير الاقتصادية، لأنه ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، ولا سيما الفئات التي لا تملك وسائل لحماية مدخراتها.

وفي هذا السياق، يعتبر أن تراجع التضخم خلال 2025 يعد مؤشرا إيجابيا، لكن المطلوب، حسبه، هو اعتماد سياسة نقدية استباقية لا تنتظر عودة التضخم إلى الارتفاع للتحرك، ويرى أن بنك الجزائر مطالب بإعلان استقرار الأسعار كهدف واضح، والتدخل قبل ظهور الاختلالات بدل الاكتفاء برد الفعل عليها.

 

توجيه القروض نحو الإنتاج بدل تمويل النشاطات غير المنتجة

يرى حركاتي أن ارتفاع حجم القروض لا يكفي للحكم على فعالية السياسة الائتمانية، بل يجب طرح سؤال أساسي حول وجهة هذه الأموال، فإذا توجهت القروض أساسا نحو الاستهلاك والمضاربة والعقار، فإنها، حسبه، لن تعالج الاختلالات الاقتصادية.

في المقابل، يدعو إلى توجيه التمويل نحو الصناعة والفلاحة والتكنولوجيا والتصدير واللوجستيك والصناعات الغذائية، حتى يتحول القرض من مجرد تمويل إلى أداة لزيادة الإنتاج.

ويقترح في هذا الإطار إنشاء مؤشر وطني للقروض المنتجة، يلزم البنوك بالكشف سنويا عن حجم التمويلات التي وجهتها للصناعة والمؤسسات الصغيرة والتصدير والمشاريع المنتجة، بدلا من الاكتفاء بالإعلان عن قيمة القروض الممنوحة.

 

تحويل سعر الفائدة إلى أداة لدعم الاقتصاد الحقيقي

يشدد الخبير على أن سعر الفائدة ينبغي ألا يبقى مجرد رقم تحدده السياسة النقدية، بل يتحول إلى أداة اقتصادية يمكن استخدامها للتحكم في التضخم وتحفيز النشاط عند الحاجة.

ويقترح اعتماد أسعار تمويل تفضيلية للمشاريع المنتجة والمصدرة، خاصة المشاريع الصناعية والمشاريع التي تخلق مناصب شغل أو تعتمد على المواد الأولية المحلية أو تساهم في رفع الصادرات، وفي المقابل، يرى ضرورة التعامل مع التمويل الاستهلاكي والمضاربي بتكلفة مختلفة، بما يسمح بتوجيه التمويل نحو الاقتصاد الحقيقي.

 

الانتقال من منطق الضمانات إلى التقييم الائتماني الرقمي

ينتقد حركاتي اعتماد البنوك بشكل كبير على منطق الملف والضمانات، معتبرا أن هذا النظام قد يحرم مشاريع واعدة من التمويل رغم امتلاكها أفكارا جيدة وعقودا وزبائن وقدرات تصديرية.

ويقترح الانتقال إلى نظام Scoring رقمي للمؤسسات، يعتمد على مجموعة من المؤشرات، من بينها رقم الأعمال، الوضعية الجبائية، الصادرات، تاريخ السداد، العقود، التدفقات المالية، عدد العمال وطبيعة القطاع.

وبحسب هذا التصور، تحصل المؤسسة ذات المؤشرات الجيدة على التمويل بسرعة أكبر، بينما تخضع المؤسسات ذات المخاطر المرتفعة لتقييم أكثر صرامة، بدل فرض نفس الشروط على جميع المؤسسات.

 محاصرة السوق الموازية عبر تحسين القنوات الرسمية

يرى الخبير أن مواجهة السوق الموازية لا يمكن أن تعتمد فقط على الرقابة والإجراءات الأمنية، لأن السوق الموازية، حسب تعبيره، لا تموت بالأوامر، وإنما عندما تصبح القنوات الرسمية أكثر جاذبية وفعالية منها.

ويقترح لذلك توفير العملة عبر قنوات قانونية وبسهولة أكبر، وتسريع التحويلات، وتوسيع استخدام البطاقات الدولية والدفع الإلكتروني والحسابات الرقمية، إلى جانب توفير سعر صرف أكثر منطقية وخدمات بنكية متاحة على مدار الساعة.

ويخلص إلى أن تقليص الطلب على السوق الموازية يجب أن يسبق محاصرة البائعين فيها، لأن تحسين البديل الرسمي هو الوسيلة الأكثر استدامة لتجفيف هذه السوق.

 

تحويل أموال الجالية إلى قوة استثمارية

يرى حركاتي أن الجالية الجزائرية في الخارج تمثل قوة مالية واقتصادية يمكن استغلالها بصورة أكبر، من خلال تشجيع تحويل أموالها عبر القنوات الرسمية.

ويؤكد أن ذلك لا يتحقق بمجرد مطالبة أفراد الجالية باستخدام البنوك، وإنما يتطلب تقديم منتجات مالية جذابة، من بينها حسابات بالعملة الصعبة، وسندات موجهة للجالية، واستثمارات مضمونة جزئيا، وتمويل مشاريع، إلى جانب إمكانية مساهمتهم في صناديق استثمار جزائرية.

وبذلك، يمكن، حسبه، الانتقال من مجرد تحويلات مالية للاستهلاك، إلى مصدر لتمويل الاستثمار والإنتاج وتعزيز تدفقات العملة الصعبة نحو الاقتصاد الوطني.

↑