الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

بوابة إفريقيا ومفتاح المتوسط.. الجزائر وتركيا ترسمان خارطة شراكة جديدة

Author
إيمان بن يمينة 08 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

غادر رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، العاصمة التركية أنقرة اليوم الجمعة، مختتما زيارة دولة شكلت محطة مفصلية في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين، بالنظر إلى السياق الزمني والجيوسياسي الذي أحاط بها. وقد حظي الرئيس تبون، طيلة أيام الزيارة، التي بدأها يوم الأربعاء الفارط، باستقبال رسمي وشعبي عكس متانة الروابط التاريخية، في رحلة عمل تضمنت أجندة مكثفة بدأت بلقاءات ثنائية مغلقة، وصولا إلى ترؤس القائدين لأشغال الدورة الثانية للجنة المشتركة للتعاون رفيع المستوى.

وتأتي هذه الحركية الدبلوماسية في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات عميقة تفرض على القوى الإقليمية الفاعلة، كالجزائر وتركيا، تنسيق المواقف وتوسيع مجالات الاندماج الاقتصادي بما يتجاوز الأطر التقليدية، وهو ما جعل الزيارة محط أنظار المراقبين والمستثمرين على حد سواء، بالنظر إلى حجم الوفد الوزاري المرافق وطبيعة الملفات المطروحة على طاولة النقاش، والتي امتدت من قطاعات الطاقة والبحث العلمي إلى التعاون العسكري والأمني.

لماذا الآن؟

لا يمكن قراءة هذا التقارب المتسارع بين الجزائر وتركيا بمعزل عن التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة والعالم، خلال السنوات الأخيرة، بدءاً من اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، مروراً بإعادة تشكيل موازين النفوذ في شرق المتوسط وإفريقيا، وصولاً إلى سعي العديد من القوى الإقليمية إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية بعيداً عن الارتهان للمحاور التقليدية. ففي الوقت الذي تبحث فيه الجزائر عن توسيع شبكة شركائها الاقتصاديين وتعزيز تموقعها كفاعل طاقوي وسياسي محوري، تسعى تركيا بدورها إلى ترسيخ حضورها في شمال إفريقيا والولوج بشكل أعمق إلى الأسواق الإفريقية عبر البوابة الجزائرية، وهو ما يمنح هذه الزيارة بعداً يتجاوز الإطار البروتوكولي نحو إعادة صياغة شراكة إقليمية قائمة على تقاطع المصالح الاستراتيجية في مرحلة دولية شديدة التعقيد.

وشكلت المخرجات العملية للزيارة حجر الزاوية في بناء تصور جديد للعلاقات الاقتصادية، فقد توجت أشغال اللجنة المشتركة بالتوقيع على حزمة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي مست قطاعات استراتيجية وحيوية. وفي مقدمة هذه المخرجات، برز ملف الطاقة من خلال تمديد عقود توريد الغاز الجزائري إلى تركيا، وهو ما يضمن أمن الطاقة لأنقرة ويعزز مكانة الجزائر كمورد سيادي موثوق في حوض المتوسط.

كما شملت الاتفاقيات قطاعات الصناعة والملاحة البحرية، وتطوير البحث العلمي والتعليم العالي، فضلاً عن التعاون في مجالات الثقافة والاتصال. وتعكس هذه الاتفاقيات، في جوهرها، مسعى الجزائر الرامي إلى تعزيز جاذبية مناخها الاستثماري للاستثمار الأجنبي المباشر، في حين تسعى تركيا، عبر هذه البوابة، إلى توسيع نفوذها الاقتصادي نحو الأسواق الإفريقية الواعدة، مع التزام الطرفين بالعمل المشترك للوصول بحجم المبادلات التجارية إلى هدف 10 مليارات دولار في المدى القريب.

مرحلة جديدة

في تقييمه لهذه المخرجات، اعتبر الخبير والمحلل السياسي عمار سيغة، في حديثه لـ”الأيام نيوز”، أن الاتفاقيات المبرمة تؤسس لمرحلة جديدة تقوم على الانتقال الفعلي من دائرة التفاهمات السياسية والحوار إلى مستوى التنفيذ العملي، بما ينعكس مباشرة على تعزيز السيادة الاقتصادية لكلا البلدين.

وأوضح سيغة أن الطموح المشترك لرفع حجم المبادلات التجارية إلى 10 مليارات دولار يعكس توجهاً جاداً نحو تجاوز العقبات الجمركية وتوسيع فرص دخول المنتجات الجزائرية، خاصة خارج قطاع المحروقات، إلى السوق التركية بقدرة تنافسية أكبر، وهو ما سيحقق توازنا ملموسا في العلاقات التجارية.

كما شدد المتحدث على أن تشجيع الاستثمارات التركية المنتجة داخل الجزائر من شأنه دفع العلاقات الاقتصادية لتجاوز منطق تصدير السلع نحو توطين الإنتاج والتصنيع المحلي، وهو ما ينسجم تماماً مع مساعي الجزائر لبناء قاعدة صناعية صلبة تعتمد على نقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية.

ولم يتوقف تحليل سيغة عند الجوانب التجارية التقليدية، بل أشار بوضوح إلى أن بعض مجالات التعاون المطروحة تحمل أبعادا تقنية ورقمية في غاية الأهمية، لاسيما في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، والطائرات المسيرة، وأنظمة المراقبة، والأمن السيبراني.

واعتبر أن هذه الشراكات تمنح الجزائر فرصا حقيقية لتعزيز قدراتها التقنية في مواجهة التحديات المرتبطة بحماية البيانات ومواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة.

وخلص المتحدث إلى أن الاتفاقيات تمتاز بطابعها “الشامل” لكونها امتدت إلى قطاعات الزراعة، والبنية التحتية، واللوجستيك، ما يسهم في بناء شبكة مصالح متبادلة أكثر تماسكا واستدامة، تخدم المصالح الاستراتيجية لكلا الطرفين وفق مقاربة “رابح-رابح”.

ديناميكية متزايدة

وفي تناغم مع هذا المسار، أكد الرئيسان تبون وأردوغان، في تصريح صحفي مشترك، على “الديناميكية المتزايدة” للعلاقات؛ حيث شدد الرئيس تبون على أن الهدف هو تنويع الشراكة لتشمل الطاقات المتجددة والزراعة والمناجم، مع تثمين التراث التاريخي المشترك.

أما على الصعيد الدولي، فقد أبرز الرئيس الجزائري تطابق الرؤى حول ملفات الساعة، لاسيما التطورات في منطقة الخليج والشرق الأوسط، إذ أدان القائدان بقوة انتهاكات الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة واعتداءاته على لبنان، محملين المجتمع الدولي مسؤولية بناء سلام عادل يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

كما امتد التنسيق ليشمل استنكار انتهاك سيادة الصومال، وبحث الأوضاع في ليبيا ومنطقة الساحل وقضية الصحراء الغربية، مؤكدين على الالتزام الصارم بالحلول السلمية والشرعية الدولية.

ومن جهته، وصف الرئيس أردوغان الجزائر بأنها “أحد أكبر الشركاء لتركيا في إفريقيا”، مشيداً بدورها الدبلوماسي المحوري في مجلس الأمن الدولي.

تبادل أرفع الأوسمة

تتويجاً لهذا المسار الاستراتيجي، جاءت مراسم التوشيح المتبادل بأرفع الأوسمة الوطنية لتضع دلالة رمزية على علاقة بلغت مستوى متقدما من التنسيق، معلنة انتقال التعاون الثنائي نحو شراكة أكثر استدامة تقوم على مبدأ الندية وتقاطع المصالح الحيوية بين البلدين.

فقد وشّح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ضيفه الرئيس عبد المجيد تبون بوسام “مصف الدولة”، وهو أعلى تكريم تمنحه الجمهورية التركية لزعماء الدول، وبالمقابل قلّد الرئيس تبون نظيره التركي وسام “أثير” من مصاف الاستحقاق الوطني الجزائري.

وحسب تحليل عمار سيغة، فإن هذه الخطوة البروتوكولية تحمل دلالات سيميائية عميقة؛ فهي تعبر عن تقدير أنقرة للثقل الإقليمي للجزائر كفاعل محوري لا يمكن تجاوزه في هندسة استقرار المنطقة في الفضاءين الإفريقي والمتوسطي، وتجسد في الوقت ذاته اعتراف الجزائر بالمواقف التركية الداعمة للقضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وقضية الصحراء الغربية.

وخلص سيغة إلى أن هذا التوشيح المتبادل شكل الختم السياسي النهائي لمسار العلاقات، ورسالة طمأنة واضحة للمستثمرين والفاعلين الاقتصاديين حول استقرار البيئة السياسية والدبلوماسية بين الطرفين.

كما أكد أن هذه الزيارة بمخرجاتها العملية ورمزيتها العالية، تعكس توجّه الجزائر وتركيا نحو تعزيز التنسيق والشراكة في مواجهة التحديات الجيوسياسية المعقدة التي تشهدها المنطقة، سواء في الشرق الأوسط أو الفضاء الإفريقي، ما يضع البلدين في خندق واحد لحماية مصالحهما القومية وتأمين مكانتهما في خارطة التوازنات الدولية الجديدة.

رهان السيادة وتنويع التحالفات

مع انتهاء مراسم الزيارة، تضع الجزائر وأنقرة علاقاتهما أمام اختبار الميدان؛ فالمؤشرات التقنية والسياسية التي أفرزتها قمة أنقرة تعكس رغبة الطرفين في تجاوز التنسيق التقليدي نحو بناء شبكة مصالح معقدة يصعب التراجع عنها.

وبالنسبة للجزائر، فإن الأهمية لا تكمن فقط في حجم الوعود الاستثمارية، بل في فرض منطق الشراكة الذي يخدم توجهها الجديد نحو تنويع الاقتصاد وتقليل الارتهان لقطاع المحروقات عبر بوابة التصنيع ونقل الخبرة.

وفي ظل المشهد الإقليمي المتوتر، تخرج الجزائر من هذه المحطة كطرف يمتلك قدرة واضحة على المناورة وتوسيع خياراته الاستراتيجية، محولةً ثقلها الدبلوماسي إلى مكاسب اقتصادية تكرس دورها كلاعب محوري لا يمكن تجاوزه في خارطة التوازنات بين إفريقيا وأوروبا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.
↑