الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

بوابة رقمية ترسم ملامح إدارة الجزائر الجديدة.. 350 خدمة إلكترونية في أفق 2028

Author
ربيعة خطاب 13 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشكل البوابة الوطنية للخدمات الرقمية محطة جديدة ضمن مسار التحول الرقمي الذي تقوده الجزائر، في إطار رؤية تستهدف تحديث الإدارة العمومية، وتبسيط المعاملات، وتحسين مستوى الخدمات الموجهة للمواطنين والمتعاملين الاقتصاديين. ويقوم هذا المشروع على بناء منظومة رقمية متكاملة ترتكز على الهوية الرقمية، والربط البيني بين الإدارات، وحوكمة البيانات، والبنية التحتية السيادية، بما يعزز كفاءة الأداء العمومي، ويرسخ انتقال الإدارة نحو نماذج أكثر سرعة وفعالية وأمانا. وتمنح هذه المنظومة الرقمنة مكانة أساسية ضمن جهود تطوير الخدمة العمومية وتحسين علاقتها بمستخدميها.

وفي هذا الإطار، أكدت الوزيرة، المحافظة السامية للرقمنة، مريم بن مولود، أن البوابة الوطنية للخدمات الرقمية، التي أشرف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون على إطلاقها رسميا، تمثل إحدى أهم ركائز بناء الإدارة الرقمية في الجزائر، لأنها تؤسس لمرحلة جديدة تعتمد على خدمات عمومية أكثر تكاملا وأمانا وفعالية.

الوزيرة، المحافظة السامية للرقمنة، مريم بن مولود

وأوضحت بن مولود أن البوابة لا تمثل منصة إلكترونية فحسب، بل تجسد منظومة رقمية وسيادية متكاملة تجمع بين الهوية الرقمية، والربط البيني، وحوكمة البيانات، والحوسبة السحابية السيادية، ومراكز البيانات الوطنية، بما يضع أسس حكومة رقمية قادرة على تقديم خدمات عصرية تستجيب لتطلعات المواطنين والمؤسسات.

وأشارت إلى أن مختلف الخدمات التي توفرها القطاعات الحكومية أصبحت مجمعة داخل فضاء رقمي موحد يعتمد، لأول مرة، على الهوية الرقمية التي جرى تطويرها بالتنسيق مع وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل. وترتكز هذه الهوية على الربط بين البيانات الشخصية والبيانات البيومترية للمستخدم، بما يسمح بولوج آمن إلى مختلف الخدمات الرقمية بعد استكمال إجراءات التسجيل وتفعيل الحساب.

وأبرزت الوزيرة أن الهوية الرقمية تمنح المواطن والمؤسسة إمكانية الاستفادة من الخدمات الإلكترونية دون الحاجة إلى تكرار عملية التحقق من الهوية عند كل خدمة، الأمر الذي يختصر الوقت ويرفع مستوى موثوقية المعاملات الرقمية، ويمنح الإدارة قدرة أكبر على التحقق من هوية صاحب الطلب بصورة دقيقة وآمنة.

من الوثيقة الورقية إلى الخدمة الذكية

وتطرقت الوزيرة بن مولود إلى مسار تطوير البوابة، موضحة أنها تضم حاليا 21 خدمة رقمية، على أن يرتفع العدد إلى 62 خدمة مع نهاية سنة 2027، وصولا إلى 350 خدمة رقمية خلال سنة 2028. وترى أن هذا التوسع ينسجم مع استراتيجية تدريجية تستهدف تعميم الرقمنة على مختلف الإجراءات الإدارية، وتقليص الاعتماد على الوثائق الورقية، عبر تفعيل الربط البيني بين الإدارات وتبادل البيانات بصورة آلية.

ويتضمن المشروع أيضا توفير محفظة إلكترونية تتيح للمستخدم حفظ الوثائق الرقمية الموقعة إلكترونيا داخل حسابه الشخصي، مع إمكانية استرجاعها واستعمالها عند الحاجة، بما يختصر الإجراءات ويقلل من التنقل بين الإدارات.

وعند تناول الجانب التقني، أوضحت الوزيرة أن المركز الوطني للخدمات الرقمية يوفر البيئة التكنولوجية التي تحتضن البوابة، ويعمل وفق نظام “نشط-نشط” لضمان استمرارية الخدمة في مختلف الظروف. وأشارت إلى أن المركز حصل على شهادة الاعتماد الدولية “Tier III”، التي تضعه ضمن مراكز البيانات ذات الجاهزية العالية، حيث تصل نسبة توفر الخدمات إلى 99.98 بالمائة مع تشغيل متواصل على مدار الساعة، ضمن منظومة تعتمد مستويات متقدمة من حماية البيانات وتأمين تبادلها.

وربطت بن مولود بين هذا المشروع والرؤية الشاملة التي تقودها المحافظة السامية للرقمنة، موضحة أن المرحلة المقبلة تستهدف جعل البوابة جزءا من الممارسات اليومية للمواطن، من خلال توسيع استعمال الخدمات الإلكترونية وتعزيز الثقافة الرقمية، حتى تصبح الإدارة الرقمية الخيار الأول لإنجاز المعاملات.

وأشارت إلى أن العمل سيتجه أيضا نحو تقليص عدد الوثائق المطلوبة في الملفات الإدارية، عبر تمكين الإدارات من تبادل البيانات مباشرة، بما يخفف العبء عن المواطنين، ويرفع سرعة معالجة الطلبات، ويحسن جودة الخدمة العمومية.

وذكرت الوزيرة أن هذا الإنجاز جاء نتيجة مسار متدرج بدأ بتطوير مراكز البيانات، وإنشاء الشبكة السيادية، وإرساء قواعد حوكمة البيانات، قبل الانتقال إلى بناء المنظومة الرقمية التي تجسدت اليوم في البوابة الوطنية للخدمات الرقمية. وأوضحت أن المحافظة السامية للرقمنة شرعت منذ تأسيسها في تشخيص واقع الرقمنة وتحديد الأولويات، ثم انتقلت إلى بناء الأسس التنظيمية والتكنولوجية اللازمة لإطلاق مشاريع رقمية وطنية متكاملة.

استثمار رقمي يرسم مستقبل الإدارة الجزائرية

وفي قراءة لهذه الخطوة، يرى خبير الرقمنة والذكاء الاصطناعي، عبد الرحمان بن سالم، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن البوابة الوطنية للخدمات الرقمية تمثل محطة مفصلية في مسار التحول الرقمي بالجزائر، لأنها تؤسس لمنظومة وطنية موحدة تعيد تنظيم العلاقة بين الإدارة والمواطن والمتعامل الاقتصادي داخل فضاء رقمي واحد، وتوحد مختلف الخدمات العمومية الإلكترونية ضمن منصة موحدة توفر تجربة أكثر سهولة وسرعة.

عبد الرحمان بن سالم، خبير في الرقمنة والذكاء الاصطناعي

ويعتبر بن سالم أن المشروع يعكس انتقال الجزائر إلى مرحلة أكثر تقدما في مسار الرقمنة، إذ يتجاوز رقمنة الإجراءات الإدارية نحو بناء خدمة عمومية رقمية متكاملة، تسمح بإنجاز المعاملات عن بعد عبر مسار موحد، دون الحاجة إلى التنقل المتكرر بين الإدارات أو إعادة تقديم الوثائق نفسها في كل معاملة، الأمر الذي يختصر الآجال الإدارية، ويرفع كفاءة الأداء، ويحسن جودة الخدمات.

ويرى الخبير أن الهوية الرقمية والربط البيني بين الإدارات يمثلان ركيزتين أساسيتين لنجاح المشروع، لأنهما يسمحان بتبادل المعلومات بصورة آمنة وسريعة، ويقللان من الإجراءات التقليدية، بينما يفتح تكامل قواعد البيانات المجال أمام تقديم خدمات أكثر انسيابية تعتمد على تبادل المعلومات بين الهيئات العمومية، بدلا من مطالبة المواطن بتوفيرها في كل مرة.

ويتوقف بن سالم عند أهمية الجانب الأمني، موضحا أن البنية التقنية التي تستند إليها البوابة تمنح حماية البيانات الشخصية وأمن المعلومات أولوية كبيرة، وهو ما يعزز ثقة المواطنين والمؤسسات في الخدمات الإلكترونية، ويشجع على توسيع استخدامها. ويعتقد أن نجاح التحول الرقمي يرتبط بقدرة الدولة على توفير بيئة رقمية موثوقة تضمن حماية البيانات واستمرارية الخدمات، لأن الثقة تشكل أساس العلاقة بين المستخدم والإدارة الإلكترونية.

ويتناول الخبير البعد الاقتصادي للمشروع، موضحا أن توحيد الخدمات والبيانات داخل منصة وطنية واحدة يساعد الإدارات على تحسين كفاءة التسيير، ويخفض النفقات التشغيلية المرتبطة بالإجراءات الورقية، ويعزز سرعة تبادل المعلومات بين مختلف القطاعات، الأمر الذي يدعم اتخاذ القرار بالاعتماد على بيانات دقيقة ومحدثة، وينعكس بصورة مباشرة على جودة السياسات العمومية ومستوى الخدمات.

ويشير بن سالم إلى أن البوابة تفتح المجال أمام مرحلة أكثر تطورا في مسار الرقمنة، عبر إدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والتوقيع الإلكتروني، والخدمات الرقمية الذكية، بما يمنح الإدارة الجزائرية أدوات جديدة لرفع كفاءتها، وتحسين استجابتها لاحتياجات المواطنين والمؤسسات، ومواكبة التطورات العالمية في مجال الحكومات الرقمية.

ويخلص الخبير إلى أن البوابة الوطنية للخدمات الرقمية تتجاوز فكرة إطلاق منصة إلكترونية جديدة، لأنها تمثل استثمارا استراتيجيا في مستقبل الإدارة الجزائرية، وتضع أسس منظومة رقمية متكاملة تدعم الاقتصاد الوطني، وتعزز تنافسية البلاد، وتوفر خدمات عمومية أكثر سرعة وأمانا وفعالية. ويرى أن نجاح هذا المشروع سيرتبط بقدرة مختلف القطاعات على توسيع الخدمات الرقمية، وتعزيز التكامل بين الإدارات، وترسيخ ثقافة الاستخدام الرقمي، حتى تتحول الرقمنة إلى رافعة حقيقية للإدارة الحديثة والتنمية الاقتصادية.