“بوسعدية”.. “بابا بونو” العازف على القمبري في مقاهي وهران

انتهينا في مقال سابق إلى أن “بوسعدية” هو اسمٌ لفئة من الناس كانت تمارس التسوّل بتقديم عروض الرقّص البدائي على قرع الطبل في الشوارع. وفي هذا المقال سنُقدّم نوعا آخر، من تلك الفئة، احترفت التسوّلَ بالعزف على آلة وَتَرية (القمبري) في المقاهي والشوارع.

لكُلّ مهنة موسيقاها في الجزائر

كان الاستماع إلى الموسيقى عادةً يومية لدى الجزائريين في المدن الكبرى، وذلك من أجل الاسترخاء بعد العمل، حيث كان لكل مهنة موسيقاها الخاصة، وربما مجلسها الموسيقي الذي يتميّز بمكانه ونوع العزف فيه وكلمات أغانيه. وقد أوردت جريدة “المُطرب”، في أحد أعدادها لسنة 1931، مقالا جاء فيه: “عبر الساحات العامة والشوارع المُتعرّجة في الجزائر العاصمة، كل المهن كان لها موسيقاها الخاصة، فالجميع يمتلكون القيثار، ومن لا يستطيعون شراءَه، فإنهم يصنعونه بأنفسهم. والجميع يعتقدون بأنه من غير المقبول عدم الاسترخاء بعد العمل، والاستماع إلى الأغاني الحزينة التي تصاحب العزف على آلة القمبري”. فلا عجب أن يظهر، في “مجتمع موسيقي” يؤمن بأن الاستماع إلى العزف والغناء بعد العمل هو ضرورة، عازفٌ متجوّلٌ يرتزق من موسيقاه، لا سيما بين الفئات المُجتمعية التي لم يكن لها مكان تلتقي فيه للاسترخاء غير المقاهي أو الشوارع والأحياء.

مُوسيقيٌّ مُتجوّلٌ اسمه “بابا سالم”

هذا المُوسيقيُّ المتجوّلُ هو فئةُ فرعية تنتمي إلى فئة “بوسعدية”، يُسمّى “بابا سالم”، واشتهر بوجوده في الجزائر العاصمة وفي مدن الغرب الجزائري لا سيما مدينة وهران. وقد تميّز عن “بوسعدية” القارع على الطبل، بأنه كان يرتدي زيّا عاديا ويعزف على “البامبولا” وهي آلة وترية إيقاعية تشبه القيثار، واسمها مُشتقٌ من إحدى تسميات الطبل في إفريقيا، و”البامبولا” تُطلق أيضا على عرض يؤدّيه الراقصون على دويّ مجموعة متنوعة من الطبول الإفريقية.

نشرت مجلة “المُجتمع الوهراني”، سنة 1904، مقالا بعنوان “بابا سالم”، تصف فيه هذا الموسيقي المُتجوّل، جاء فيه: “هذا الزنجي السوداني، بشفاهه السوداء الغليظة، وعيونه البرّاقة، يعزف على البامبولا، وهي من نوعٌ من القيثار بوتر واحد، يحملها معه كحقيبة، وهي تُصدر اللحن نفسه في كل مرّة، وقد صُنعت بالتأكيد في تمبكتو (مدينة في دولة مالي)”. وتضيف المجلة قائلةً: “سالم، كان اسم هذا الموسيقي المتجوّل، وصورته الشخصية تزيّن واجهات محلاّت التصوير الفوتوغرافي، وقد اعتنى بها رسّامو الكاريكاتير أيضا”. وكان لـ “بابا سالم” أغنيةٌ وحيدةٌ هي خليط من رطانة عربية وإسبانية وفرنسية، تعسَّر علينا ترجمتها، ونُوردها كما فهمناها: “يا سيّدتي أنت قويّة لتساعديني. زو زو (لعله صوت آلته الموسيقية). أنا تركت طفلي في البيت. زو زو”.

من أقدم الصّور التي نُشرت لهذا النوع من “بوسعدية”، هناك صورٌ فوتوغرافية سنة 1880 للمصور التركي “باسكال صيباح” في ألبوم بعنوان “مجموعة الجزائر، القسطنطينية. جناح التطوّر في الجزائر”، وصورتان سنة 1884 في مجموعة الأمير “رولان نابليون بونابرت”، وصورة أخرى سنة 1887 في كتاب “الجزائر كما هي 1887”.

اشتهر “بابا سالم” بأنه كان يعزف في المقاهي أيضا، حيث نقرأ في كتاب “ملامح مغاربية”، الصادر سنة 1924، للكاتب “موريس فيروس” عن وصف لعازف في مقهى بمدينة وهران، فيقول: “كأنّما هو شخصٌ زاهدٌ، يستخرج نغمات سهلة ورتيبة من قيثار صغير ذو وترين يُسمّى القمبري. ويبدو أن الآخرين في المقهى يستمعون إليه بإنصات ويسعدون، بينما هو لا يبالي، كأنما يعزف لإرضاء نفسه وحسب”.

مُتسوّلٌ من ذوي الأملاك

على عكس “بوسعدية” القارع على الطبل بزيّه العجيب ورقصاته البدائية، فإن البوسعدية “بابا سالم” لم يكن موسيقيا مُتسوّلا بائسا، بل كان من ذوي الأملاك أحيانا، فقد جاء في مقال مجلة “المجتمع الوهراني” لسنة 1904:”اسمح لنفسي بالقول أن سالم، ومن خلال ما جناه بنسًا بنسًا وقطعة نقدية مع أخرى، قد جمع المال الذي مكّنه من امتلاك منزلين صغيرين في أعالي حيّ القصبة، وهذا لم يدفعه إلى التوقّف عن التجوّل من الصباح وحتى المساء، وممارسة التسوّل بعزفه الذي صار شعبيا”.

يا مدام بونو بونو

نجد للبوسعدية “بابا سالم” أسماءٌ أخرى منها “بابا بونو” أو “مدام بونو بونو”، وهي مُرتبطة ببطاقات بريدية يعود تاريخها إلى الربع الأول من القرن الماضي، ويظهر فيها موسيقيٌّ متجوّل من مدينة وهران. ولم نجد في بحثنا أيّ سند مكتوب سوى قصّة قصيرة منشورة في دورية “المساواة الوهرانية” سنة 1923 للكاتبة “مارتي بوجيجا”، وعنوانها “يا مدام بونو بونو” وهي تحكي عن عروض بوسعدية في المولود النبوي الشريف، ويرد في آخرها أغنية قصيرة تقول:”

يا موتشاشو بونو، بونو

ولد النبي (صلى الله عليه وسلّم)

أحيا المولدَ الصبيُّ الصّغير

غدًا يواصلُ منصورُ غناءَه وأغانيه

مولد مولد”.

موسيقى الشيطان

يبدو من خلال الأغنية أن اسم “منصور” هو أيضا من أسماء فئة “بابا سالم”، ونجد في مصادر أخرى اسم “مرزوق”.. وكلّها أسماءٌ ترتبط بفئة بوسعدية، بل أن بعضها يرتبط بـ “أولياء” لهم أضرحتهم ومقاماتهم وكراماتهم في المعتقد الشعبي. ويذهب بعض الدارسين إلى أن موسيقى بوسعدية، التي تعتمد على آلة “القمبري”، قد جمعت في مراحل تطوّرها بين التصوّف الإسلامي والممارسات الغرائبية الإفريقية، وكانت لها طقوسٌ “روحانية” من أهدافها طرد الأرواح الشرّيرة وتفجير القوى الكامنة لمريديها وأتباعها، وقد سُميّت “موسيقى الشيطان”، وهناك من أفتى بحرمتها ودعا إلى محاصرتها ومنعها في بلدان المغرب العربي. بل هناك من يرى أن موسيقى الريغي انتقلت من كينيا إلى جاميكا، وموسيقى الجاز من الكونغو إلى المسيسيبي في أمريكا.. وجميعها كانت تعتمد على آلة “القمبري” التي يُقال بأن أصلها من إفريقيا الغربية، ولها أسماءٌ أخرى مثل: السنتير والهجهوج والسكالاما، ولكنها تختلف حسب الأحجم والشكل.

بين “الراي” وموسيقى “بابا سالم”

نُلاحظ بأن موسيقى “بابا سالم” ظهرت في الغرب الجزائري، واعتمدت على آلة وَترية لإصدار لحن يُصاحب كلمات غير منسجمة ولا تهتمُّ بالمعنى وفيها خليطٌ من الإسبانية والفرنسية، وكان الهدف منها هو صناعة المتعة لمجموعة داخل مقهى أو في ركن من حيّ شعبي، للحصول على بعض الأموال. وهذه الخصائص “الأولية” تكاد تنطبق على أغنية “الراي” حتى بعد أن ركب موجة الحداثة وتنويع الآلات الموسيقية واستعمال التكنولوجيا في صناعة الأصوات.

عكس ما ذهبت إليه بعض الدراسات التي اعتبرت بأن “الراي” يعود إلى فن “الشيخات”، فإننا نعتقد بأن فنّ “الشيخات” ذاته قد تطوّر عندما دخلت عليه آلة القمبري ثم آلة الرّباب على أيدي “الشيخة خديجة” التي اشتهرت باسم “مولاة الرباب”، ثم “توسّعت” موضوعات أغاني هذا الفن، من المديح والوعظ.. إلى الأغاني الذاتية التي امتدّت حتى إلى الهجاء، ومن مثال ذلك هذه الكلمات للشيخة “خيرة السبساجية” (1854- 1936):

اللّي تْعَادِي خُوهَا غِيرْ الجَايْحَة

العَيْنْ عَنْدْ العَيْنْ واَنَا شْرِيتْهَا

الِّي عَنْدْهَا شِي صَاحَبْ تُغْدَا تْرُونْجِيهْ

اللِّي بْغَاتَهْ رَشِيدَة قَاعْ دَارْتَه

أنَا حَيْ عْلِيَا وقَلْبِي مَا صْبَرْ

ونعتقد بأن “الراي” هو امتدادٌ لموسيقى “بابا سالم” أو “بابا بونو” من حيث الخصائص “الأولية”، وقد أخذ عن فن “الشيخات” القدرةَ على الارتجال والتعديل في بعض كلمات الأغنية عند كل عرض. وتماما كما تمّ تسمية “بابا سالم” بـ “بابا بونو” نسبة إلى أشهر أغانيه، فقد تسمّى “الراي” نسبة إلى عبارة “يا رايي” التي يصدح المغنون في كثير من أغانيهم، ونحن نوافق ما أشارت إليه الكاتبة “فيرجينيا جورلينسكي” في الموسوعة البريطانية بأن تلك العبارة “عادة ما يتم إدخالها – وتكرارها – من قبل المطربين لملء الوقت، بينما هم يصوغون عبارة جديدة من كلمات مرتجلة أثناء الغناء”، وذلك عكس الآراء التي تقول بأن “الراي” نسبةً إلى الرأي الذي يعني الحكمة والنصيحة.. وربما يصدق الأمر لو أن أغاني “الراي” اعتمدت في كلمات أغانيها على قصائد شعراء الملحون من أمثال “لخضر بن خلوف” الذي غنَت له “الشيخات” كثيرا.

رأي في “الراي”

نعتقد أيضا بأن وصول “الراي” إلى العالمية مرتبطٌ بعوامل كثيرة منها أنه نوعٌ من “موسيقى بوسعدية” في أصله تماما مثل “الريغي” و”الجاز”. وأيضا لأنه فنٌ مرتبطٌ بالفضاء العمراني (المكان) بكل ما فيه من زوايا قائمة وأشكال هندسية، هي ذاتها الموجودة في البيئات الفنية الغربية التي لا تربط معظم أنواع موسيقاها بالطبيعة وتضاريسها مثل الأنواع والطبوع الصحراوية والجبلية في الجزائر، ففن “الراي” لم يُجابه مشكلة “الاغتراب الموسيقي” في الغرب لذلك كان انتشاره أيسر من الطبوع الجزائرية والعربية عموما، إضافة إلى أنه لا يعتمد على القصيدة الغنائية، بل يُمكن للمغني أن يرتجل الكلمات حتى وهو يؤدّي في أغانيه، وربما أن الموسيقى تُوضَع أحيانا قبل الكلمات، وهذه ميزةٌ للشخصية الجزائرية العملية والفعّالة التي لا تُبهر في الأداء والنتيجة دون أن تلتزم بالمعايير الغنائية. بالتأكيد أن الأمر يحتاج إلى دراسة وتعمّق، ويأخذ في الحسبان “موسيقى بوسعدية”.