الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

بوصلة الاستثمار تتجه جنوبا.. رهان الجزائر على استقطاب 1,5 مليون سائح في آفاق 2028

Author
هارون عمري 26 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتأهب الصحراء الجزائرية لتدشين عهد جديد من الاحترافية الاقتصادية، متجاوزة نمط السياحة الموسمية العابرة نحو بناء صناعة سياحية مستدامة تعتمد على الرقمنة، وتأهيل العنصر البشري، وتنويع العرض الاستثماري. وفي خطوة تكرس هذا التوجه، أشرفت وزيرة السياحة والصناعة التقليدية، حورية مداحي، على لقاء تقييمي شامل لموسم السياحة الصحراوية 2025-2026، ورسم معالم “مخطط العمل الثلاثي 2026-2028”.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التخطيط الاستراتيجي والمرافقة الميدانية، وهو ما أكده الخبير في السياحة الصحراوية، محمد صلاح، في تصريحه لـ”الأيام نيوز”، مشدداً على ضرورة استناد المشاريع إلى دراسات معمقة تراعي الخصوصيات العمرانية، مع الاستثمار في “العنصر البشري” لتطوير كفاءات المرشدين.

وتكتمل هذه الرؤية المهنية مع البعد الثقافي والاقتصادي الذي أبرزه تاغريبت رشيد، رئيس الجمعية الولائية لسفراء السياحة الشبانية، موضحا أن التنوع الجغرافي يمنح الجزائر خصوصية فريدة، ومؤكدا أن إدماج الصناعة التقليدية في البرامج السياحية يمثل ركيزة أساسية لخلق ديناميكية اقتصادية محلية مستدامة تحافظ على التراث وتحفز التنمية.

 تشريح الأداء الميداني: قراءة في حصيلة الأقطاب الجغرافية الثلاثة

استُهلت أشغال اللقاء بعرض حصيلة دقيقة ومفصلة حول أداء السياحة الصحراوية، حيث تم تقسيم الجنوب الجزائري إلى ثلاثة أقطاب كبرى: الجنوب الشرقي، الجنوب الغربي، والجنوب الأوسط.

وأظهرت التقارير الميدانية التي قدمها مديرو السياحة لهذه الولايات استقرارا ملحوظا في التدفقات السياحية خلال موسم 2025-2026، مع تسجيل قفزة نوعية في اهتمام السياح الأجانب بمسارات المغامرة والاكتشاف.

وبتحليل مؤشرات النشاط، تبين أن ولايات مثل تمنراست، جانت، وإليزي لا تزال تحتفظ بحصتها السوقية الأكبر كأقطاب جذب عالمية، نظرا لما توفره من تزاوج فريد بين التراث الثقافي المصنف عالميا وبين المناظر الطبيعية العذراء التي تستهوي عشاق “السياحة البيئية”.

ولم تقتصر القراءة على الجوانب الإحصائية للإيواء والإطعام، بل شملت تقييما لمستوى الأداء الميداني لوكالات السياحة والأسفار، ومدى قدرتها على تسويق “الوجهة الصحراوية” في ظل التنافسية الإقليمية.

وبناءً على هذه الحصيلة، تقرر توجيه الجهود نحو تعزيز “التنسيق القطاعي” لمعالجة بعض النقائص المسجلة في الربط والنقل، مع التأكيد على أن الديناميكية الإيجابية التي يعرفها الجنوب الكبير هي نتاج سياسة الانفتاح وتسهيل إجراءات التأشيرة السياحية، ما يتطلب استمرارية في العمل الميداني لضمان استدامة هذا الزخم عبر كافة ولايات الجنوب دون استثناء.

الاستثمار السياحي: من دعم الحظيرة العمومية إلى تحفيز المبادرات الخاصة

انتقل النقاش في اللقاء إلى محور “الاستثمار” باعتباره العمود الفقري لأي نهضة سياحية حقيقية، حيث استعرضت مديرية الاستثمار السياحي بالوزارة فرص الاستثمار المتاحة والآليات الجديدة لمرافقة حاملي المشاريع. وقد تم التركيز على ضرورة تسريع وتيرة إنجاز المشاريع العالقة لرفع طاقة الإيواء وتدارك العجز المسجل في بعض المناطق التي تشهد تدفقا كبيرا للسياح.

ويأتي هذا في ظل تشجيع الدولة للمستثمرين الخواص على تبني مشاريع “مهيكلة” تحترم النسيج العمراني المحلي، وتعتمد على مواد بناء صديقة للبيئة تتماشى مع حرارة المناخ الصحراوي وجمالياته المعمارية.

وفي المقابل، قدم المجمع العمومي “فندقة، سياحة وحمامات معدنية” عرضا حول واقع الاستثمار العمومي، مسلطا الضوء على عمليات العصرنة الواسعة التي مست الحظيرة الفندقية التابعة للدولة في الجنوب. ويهدف هذا التوجه إلى رفع معايير الخدمة في الفنادق العمومية لتضاهي المستويات الدولية، مع التركيز على تكوين الطواقم البشرية وتحديث أنظمة التسيير.

إن التكامل بين القطاعين العام والخاص في مجال الاستثمار يمثل الضمانة الوحيدة لتنويع العرض السياحي، حيث تسعى الوزارة من خلال هذا اللقاء إلى خلق مناخ استثماري “نظيف وشفاف” يحرر المبادرات ويحول العقار السياحي في الجنوب إلى رافعة اقتصادية حقيقية.

تطوير منظومة الإرشاد السياحي: الانتقال من “الهواية” إلى “الاحترافية”

يمثل الإرشاد السياحي “الحلقة الذهبية” في تجربة السائح، وهو المحور الذي نال قسطا وافرا من الدراسة خلال عرض الخبير المستشار، زهير مقداد.

فقد تم طرح رؤية استشرافية تهدف إلى إعادة هيكلة هذه المنظومة، وتحويل النشاط من ممارسات عفوية إلى مهنة مقننة ومؤطرة مؤسساتيا.

ويأتي هذا التوجه استجابة للمطالب المتزايدة بضرورة وجود مرشدين يمتلكون المعرفة التاريخية والجغرافية الدقيقة، إلى جانب إتقان اللغات الأجنبية والقدرة على إدارة الأزمات الميدانية، وهو ما يضمن “سلامة” السائح و”جودة” المعلومة المقدمة له.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير محمد صلاح في تصريحه لـ”الأيام نيوز”، أن تطوير هذا القطاع يستدعي وضع استراتيجية بعيدة المدى تُنفذ على مراحل، بهدف الارتقاء بالمنتوج السياحي الصحراوي، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، مع الحفاظ على الخصوصية العمرانية لكل منطقة.

أما بخصوص منظومة الإرشاد السياحي، فأشار صلاح إلى ضرورة إدماج المرشدين المعتمدين ضمن منصات الوكالات السياحية، وتمكينهم من تأطير برامج الرحلات، مع التأكيد على إتقان اللغات الأجنبية لضمان تواصل فعّال مع السياح.

كما شدد في حديثه لصحيفة “الأيام نيوز” على أهمية برمجة دورات تكوينية بإشراف أكاديميين، خاصة في مهارات التواصل والتعامل مع الزوار، بما يعزز احترافية هذا النشاط ويضمن جودة الخدمات المقدمة، مبرزاً أن المرشد السياحي هو “السفير الأول” للوجهة الجزائرية.

الرقمنة والمؤسسات الناشئة: محركات الترويج السياحي الجديد

لم يعد من الممكن الحديث عن السياحة في عام 2026 دون التطرق لملف “الرقمنة”، وهو ما جسده العرض التقني لمديرية الإحصائيات والأنظمة المعلوماتية بالوزارة. فقد كشفت البيانات عن مساهمة الحلول الرقمية في تحسين عمليات الحجز، وتتبع التدفقات السياحية بدقة، ما يسهل عملية اتخاذ القرار وتوجيه الاستثمارات نحو المناطق الأكثر طلبا. وتعمل الوزارة حاليا على تعميم “الدفع الإلكتروني” ورقمنة تسيير الوحدات الفندقية، لتقليل البيروقراطية وتحسين تجربة السائح منذ لحظة التخطيط لرحلته حتى مغادرته.

وفي إطار تشجيع الابتكار، قدمت المؤسسة الناشئة “Discover Ghardaia” نموذجا ملهما حول كيفية استخدام التكنولوجيا في الترويج للسياحة الاستقبالية، واستعرض القائمون على المؤسسة حلولا رقمية ذكية تتيح للسياح اكتشاف المسارات السياحية في غرداية والولايات الجنوبية عبر تطبيقات الهاتف، ما يعزز من جاذبية الوجهة ويخلق قناة تواصل مباشرة بين السائح والخدمات المتاحة.

ويؤكد هذا العرض أن الرهان على الشباب والمؤسسات المبتكرة هو الطريق الأسرع لعصرنة القطاع، وهو ما يتقاطع مع رؤية الخبير محمد صلاح الذي أضاف لـ”الأيام نيوز” أن رقمنة قطاع الإرشاد السياحي عبر منصة وطنية موحدة من شأنها ربط المرشدين وتسهيل تبادل الخبرات ومواكبة التحولات العالمية، معتبرا أن الاستثمار في العنصر البشري المدعوم تقنيا يمثل الركيزة الأساسية لتطوير السياحة الصحراوية.

كما ختم الخبير محمد صلاح تصريحه لـ”الأيام نيوز” بالتأكيد على أن المرشد السياحي المتمكن، والمدعوم باستراتيجية رقمنة وتكوين أكاديمي، هو من سيصنع الفرق في المرحلة القادمة، لضمان تقديم تجربة سياحية متكاملة وعميقة تعكس عظمة تاريخ الجزائر وجمال جغرافيتها.

بهذا اللقاء، تضع وزارة السياحة والصناعة التقليدية حجر الأساس لمرحلة انتقالية كبرى، تتحول فيها الصحراء من “مجرد وجهة للشتاء” إلى “قطاع اقتصادي قائم بذاته” يعمل على مدار السنة، ويساهم بفعالية في الناتج المحلي الإجمالي، محققا أحلام التنمية المستدامة في ربوع الجنوب الكبير.

 الصناعة التقليدية: البعد الثقافي والاقتصادي للوجهة الصحراوية

تشكل الصناعة التقليدية جزءا لا يتجزأ من الهوية السياحية للجنوب، وقد خصص اللقاء حيزا كبيرا لتقييم واقع هذا النشاط ودوره في دعم الجاذبية السياحية. وأبرز ممثلو المديرية العامة للصناعة التقليدية المجهودات المبذولة لتثمين “المنتوج الحرفي” وربطه بالمسارات السياحية، بحيث يصبح اقتناء الحرف اليدوية جزءاً من برنامج الرحلات للسائح.

وتساهم هذه الحركية في توفير مداخل إضافية لسكان المناطق النائية، وتحافظ على التراث اللامادي من الاندثار، من خلال دعم الحرفيين وتسهيل مشاركتهم في المعارض واللقاءات الدولية.

إن ربط موسم السياحة الصحراوية بالصناعة التقليدية يخلق “سلسلة قيمة” متكاملة، حيث تتحول الزربية، والحلي التقليدية، والمنتجات الجلدية إلى أدوات ترويجية للجزائر.

وتعمل الوزارة في آفاق 2028 على تعزيز “مراكز الصناعة التقليدية” في الولايات الجنوبية لتكون فضاءات حية للعرض والبيع، ما يعمق التجربة الثقافية للسائح ويحفز الإنتاج المحلي، ويجعل من السياحة محركا اقتصاديا، ليس فقط للفنادق والوكالات، بل للأسر المنتجة والحرفيين الصغار في عمق الصحراء.

وفي هذا السياق، أكد تاغريبت رشيد، سفير السياحة لولاية بومرداس ورئيس الجمعية الولائية لسفراء السياحة الشبانية، في حديث لـ”الأيام نيوز”، أن “التنوع الجغرافي الذي تزخر به الجزائر يمنحها خصوصية فريدة كوجهة سياحية متكاملة، حيث تتجلى كقارة قائمة بذاتها من حيث اختلاف العادات والتقاليد وثراء الموروث الثقافي، سواء المادي أو اللامادي.

وهذا الثراء ينعكس بشكل مباشر في الصناعة التقليدية التي تمثل الامتداد الحقيقي لهوية كل منطقة، وتتحول إلى عنصر جذب أساسي ضمن المسارات السياحية، بما تحمله من رمزية ثقافية وقيمة اقتصادية”.

وأضاف المتحدث أن إدماج الصناعة التقليدية ضمن البرامج السياحية يساهم في خلق ديناميكية اقتصادية محلية مستدامة، من خلال دعم الحرفيين وفتح آفاق جديدة لتسويق منتجاتهم، إلى جانب تعزيز تجربة السائح عبر تمكينه من اكتشاف تفاصيل الحياة اليومية للمجتمعات المحلية.

كما شدد على أهمية تثمين هذا القطاع عبر مرافقة الفاعلين فيه، وربطه بالرقمنة والترويج الحديث، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى بناء صناعة سياحية متكاملة، قادرة على تحقيق التوازن بين الحفاظ على التراث وتحفيز التنمية.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"