الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

بوصلة الصيف تتجه نحو السواحل.. استراتيجية وطنية لرسم ملامح موسم الاصطياف بالجزائر

Author
هارون عمري 06 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد الشواطئ والمدن الساحلية الجزائرية تحضيرات ميدانية وإجراءات تنظيمية مكثفة، تجسيدا لبرنامج وطني يستهدف تنظيم تجربة سياحية تلبي تطلعات المصطافين والزوار وأفراد الجالية الوطنية بالخارج، وفي هذا السياق، ترأست وزيرة السياحة والصناعة التقليدية، حورية مداحي، بمقر الوزارة، اجتماعا تنسيقيا جمع مديري السياحة والصناعة التقليدية للولايات الساحلية، برفقة مديري غرف الصناعة التقليدية والحرف عبر تقنية التحاضر المرئي عن بعد،وضم هذا اللقاء إطارات مركزية وممثلي المؤسسات تحت الوصاية، فقد خُصص للوقوف على مدى تقدم التحضيرات الميدانية لموسم الاصطياف 2026، وتقييم التدابير اللوجستية المتخذة لتحقيق مستويات الراحة، والسكينة، والسلامة للمواطنين.

وقد لقي هذا الحراك المؤسساتي تفاعلا وقراءات تحليلية من قبل النخب الجامعية والفاعلين في الحقل الجمعوي والبيئي، الذين رصدوا مقومات النجاح ومجالات التطوير المتاحة.

وضمن هذا المنظور التقييمي، أكد الدكتور خالد فوضيل، الجامعي والناشط البيئي من ولاية بجاية، في حديثه إلى “الأيام نيوز”، أن الجهود الحالية تعكس إرادة واضحة لتطوير القطاع السياحي وتحسين الخدمات الموجهة للمواطنين والجالية الوطنية بالخارج، مبرزا الأبعاد الجغرافية والبيئية التي تزخر بها البلاد من خلال طرحه القائل إننا نمتلك جوهرة جغرافية، والرهان اليوم هو إدارتها بعقلية بيئية تضمن استمرارية الجمال للجميع.

ومن جهته، ركز الأستاذ كريم بن عامر، الناشط الجمعوي والعضو بالجمعية الوطنية لمتطوعي الجزائر، على أهمية البعد الإنساني والاجتماعي في نجاح المخططات الصيفية، موضحا في طرحه لـ”الأيام نيوز” أن شمولية الخدمات وإتاحتها لكافة أطياف المجتمع تشكل المعيار الحقيقي لتطور السياحة الداخلية، ومستعرضا ذلك في كلمته التي أشار فيها إلى أن السياحة الحقيقية هي التي تفتح أبوابها للجميع، وعندما تصبح المرافق مهيأة والأسعار في المتناول يمكن الحديث فعلا عن سياحة داخلية شاملة.

جاهزية لوجستية وتجنيد شامل لكافة الإمكانات المادية والبشرية

انطلق الاجتماع التنسيقي بكلمة توجيهية للوزيرة حورية مداحي، أكدت من خلالها تسخير الدولة لكافة الإمكانات المادية، والتنظيمية، والبشرية الكفيلة بإنجاح موسم الاصطياف 2026.

وتتمحور الرؤية الوزارية حول الارتقاء بظروف الاستقبال وتحسين جودة الخدمات المعروضة عبر مختلف الوجهات السياحية الوطنية، مع توفير مستويات الأمن، والنظافة، والرفاهية لضمان قضاء العطلة في جو من السكينة والاطمئنان.

وتحظى الجالية الوطنية بالخارج بعناية محددة ضمن هذا المخطط الشامل، نظرا لتوافد أفرادها بأعداد معتبرة خلال الفترة الصيفية، ما يتطلب استجابة تنظيمية وخدمات تلبي تطلعاتهم وتوطد ارتباطهم بالوطن.

وأوضحت الوزيرة في معرض حديثها الإرشادي أن موسم الاصطياف يمثل موعدا وطنيا مهما لتنشيط الحركية الاقتصادية، وتحفيز السياحة الداخلية، وترقية صورة الوجهة السياحية الجزائرية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

كما يوفر الصيف فرصة مواتية لإبراز القدرات الطبيعية، والثقافية، والتراثية التي تكتنزها مختلف ربوع الجزائر، بالإضافة إلى دوره في إدماج وتثمين قطاع الصناعة التقليدية والحرف، باعتباره ركيزة أصيلة تثري التجربة السياحية وتضفي عليها طابعا وطنيا.

ولا تقتصر الرؤية الحالية على مجرد نشاط موسمي عابر، لترتكز على بناء أرضية صلبة لتطوير السياحة والصناعة التقليدية كرافدين اقتصاديين دائمين ومنتجين للثروة، يسهمان في تنويع مصادر الدخل الوطني، وخلق مناصب شغل جديدة، ودفع عجلة التنمية المحلية الشاملة من خلال تحفيز الاستثمارات وتحسين الجاذبية العامة للوجهات.

وفي إطار قراءة هذا المسار التنموي، أوضح الجامعي والناشط البيئي الدكتور خالد فوضيل، في حديثه إلى “الأيام نيوز”، أن التحضيرات التي باشرتها وزارة السياحة والصناعة التقليدية لموسم الاصطياف 2026 تعكس إرادة واضحة لتطوير القطاع السياحي، وتحسين الخدمات الموجهة للمواطنين والجالية الوطنية بالخارج.

تقييم ميداني لعروض الولايات الساحلية ومؤشرات التهيئة

شهد اللقاء استعراضا مفصلا لعروض مديري السياحة والصناعة التقليدية للولايات الساحلية، حيث تضمنت هذه التقارير حصيلة الإجراءات المنجزة والعمليات الميدانية المستمرة تحت الإشراف المباشر للسادة الولاة، وبالتنسيق مع مختلف القطاعات الوزارية والهيئات المعنية.

وقدمت العروض قراءة إحصائية وميدانية دقيقة لمستوى التقدم في عمليات تهيئة الشواطئ، وتجهيز الفضاءات والمرافق السياحية المحيطة، وتكثيف حملات تحسين المحيط والنظافة العامة، ومتابعة وتيرة المشاريع الاستثمارية الفندقية، بالإضافة إلى صياغة برامج للتنشيط السياحي والثقافي والفني عبر شتى البلديات الساحلية.

وعلى صعيد المؤشرات الرقمية الخاصة بالتهيئة الساحلية، تم تسجيل فتح 470 شاطئا مسموحا للسباحة إلى غاية 31 ماي 2026، تتوزع على امتداد 124 بلدية ساحلية، وهو رقم يوضح حجم المجهودات الميدانية المبذولة لتوسيع فضاءات الاستجمام وتخفيف الضغط على الشواطئ الكبرى.

كما أظهرت البيانات تزويد 328 شاطئا بمخطط تهيئة سياحية متكامل، مع استمرار العمل لاستكمال 63 مخططا إضافيا قبل الانطلاق الرسمي للموسم الصيفي.

الاستثمار الفندقي وتعزيز طاقات الإيواء لرفع التنافسية

تشير التوقعات الرسمية إلى تطور في العرض الفندقي، حيث يرتقب دخول 39 مؤسسة فندقية جديدة حيز الخدمة والاستغلال الفعلي تزامنا مع موسم الاصطياف الحالي. وشهدت الفترة الأخيرة دخول 09 مشاريع فندقية جديدة طور الخدمة بطاقة استيعابية تقدر بـ890 سريرا، مع ترقب استكمال ودخول 07 مشاريع إضافية خلال شهر جوان الحالي.

وتساهم هذه المنشآت الجديدة في رفع طاقة الإيواء الإجمالية وتطوير مستوى الإيواء الوطني وتنويع أنماطه، حيث سيرتفع العدد الإجمالي للمؤسسات الفندقية الناشطة عبر الوطن إلى 875 مؤسسة بمختلف الفئات والأنماط، ما يتيح خيارات متعددة تناسب شريحة واسعة من العائلات والسياح.

الرقمنة الشاملة وصناعة المحتوى الترويجي الاحترافي

يمثل التحول الرقمي ركيزة في العمل الحديث لوزارة السياحة والصناعة التقليدية، حيث ركز الاجتماع على ضرورة التوسع في استخدام الحلول التكنولوجية وتعميمها في مختلف الخدمات السياحية المعروضة. ودعت الوزيرة إلى تسريع إدماج أنظمة الحجز الإلكتروني، وتفعيل آليات الدفع الرقمي، وتحديث تسيير مؤسسات الإيواء والفنادق، لما تمنحه هذه الأدوات العصرية من تسهيلات ومرونة ومصداقية تضمن وصول المواطنين إلى العروض السياحية بيسر، وتساهم في تسيير المعاملات التجارية السياحية بوضوح.

وأضاف الدكتور فوضيل في السياق نفسه أن الإجراءات المتعلقة برقمة الخدمات السياحية، وتعزيز قدرات الإيواء، وضمان مجانية الشواطئ تمثل خطوات إيجابية من شأنها الرفع من جاذبية الوجهة السياحية الجزائرية، وتحسين ظروف استقبال المصطافين.

تنشيط ثقافي متكامل وحضور بارز للصناعة التقليدية

يحمل موسم الاصطياف 2026 أبعادا متعددة تشمل تفعيلا ثقافيا واقتصاديا يضفي حيوية على المدن الساحلية. وأكدت الوزيرة حورية مداحي على أهمية صياغة برامج تنشيطية متنوعة ترفيهية، وثقافية، واقتصادية تستهدف العائلات والشباب والأطفال، وتخلق حركية تجارية مستمرة في الفضاءات العمومية والمواقع السياحية المحيطة بالشواطئ والمنتجعات الساحلية.

وتحظى الصناعة التقليدية والحرف بمكانة محورية في صلب هذا البرنامج التنشيطي الشامل، حيث وجهت الوزارة بضرورة تنظيم صالونات ومعارض عامة ومتخصصة بالولايات الساحلية طيلة الصيف، مع توفير فضاءات مجهزة ومناسبة لعرض وتسويق المنتوج الحرفي الوطني.

وتتميز هذه التظاهرات بإشراك الحرفيين والجمعيات المهنية من مختلف ولايات الوطن، لاسيما من ولايات الجنوب، ما يسمح بامتزاج الثقافات وإبراز ثراء وتنوع اللمسة التراثية الجزائرية، ويسهم مباشرة في تمكين الحرفيين اقتصاديا وفتح منافذ تسويقية مباشرة لمنتجاتهم اليدوية ذات الجودة العالية.

الشمولية والوعي البيئي كركائز أساسية لاستدامة النشاط السياحي

يتطلب تحقيق الأهداف الطموحة للقطاع السياحي مواكبة نقدية وبناءة من أهل الاختصاص لضمان استمرارية الإنجازات المحققة على أرض الواقع وتطويرها بشكل دائم. وفي هذا الإطار الذي يجمع بين التقييم العلمي والميداني، أوضح الناشط البيئي، الدكتور خالد فوضيل، في حديثه إلى “الأيام نيوز”، أن تطوير السياحة في الجزائر يستدعي اعتماد رؤية أكثر شمولا، تقوم على تثمين مختلف المؤهلات الطبيعية التي تزخر بها البلاد، وعدم الاكتفاء بالسياحة الساحلية فقط، مشيرا إلى ما تملكه المناطق الجبلية والفضاءات البيئية من إمكانات كبيرة قادرة على استقطاب الزوار على مدار السنة، ومؤكدا أن الاستثمار في السياحة الجبلية والبيئية من شأنه المساهمة في تنويع العرض السياحي الوطني، والتقليل من الطابع الموسمي للنشاط السياحي، فضلا عن دعم التنمية المحلية في المناطق الداخلية والجبلية.

كما أكد الدكتور فوضيل بالتركيز على الجانب البيئي للشواطئ الساحلية، مبينا أن حماية الشواطئ لا ينبغي أن تقتصر على فترة الاصطياف، بل تتطلب استراتيجية دائمة للحفاظ على البيئة الساحلية ومواجهة التلوث والنفايات، من خلال إشراك مختلف القطاعات والهيئات المعنية في جهود مستمرة على مدار السنة، وموضحا أن الحفاظ على التوازن بين استغلال الفضاءات الساحلية وتنمية النشاط السياحي من جهة، وحماية الأنظمة البيئية من جهة أخرى، يعد شرطا أساسيا لتحقيق سياحة مستدامة تضمن حق الأجيال القادمة في الاستفادة من الثروات الطبيعية الوطنية.

وفي سياق متصل، يكمل البعد الاجتماعي والشمولي هذه الرؤية البيئية، حيث يستعرض الأستاذ كريم بن عامر، الناشط الجمعوي وعضو الجمعية الوطنية لمتطوعي الجزائر، التحديات اللوجستية التي تواجه بعض فئات المجتمع في الوصول إلى الفضاءات السياحية، موضحا، في حديثه لـ”الأيام نيوز”، أن الحديث عن تطوير القطاع السياحي في الجزائر وتحقيق الأهداف المسطرة يظل خطوة إيجابية ومشجعة، غير أن نجاح هذه الجهود يقتضي إيلاء اهتمام أكبر لمبدأ السياحة الميسّرة للجميع، بما يضمن استفادة مختلف فئات المجتمع من الخدمات والفضاءات السياحية.

 

ويضيف بن عامر تفاصيل عملية حول البنية التحتية والأسعار، مبينا أن تسهيل ولوج الأشخاص ذوي الحركة المحدودة إلى المرافق والمنشآت السياحية يمثل أحد التحديات الأساسية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار ضمن مشاريع تطوير القطاع، مشيرا إلى أن توفير البنية التحتية الملائمة لهذه الفئة يعد جزءا من معايير الجودة والشمول في الوجهات السياحية الحديثة، ومشيرا إلى جانب التنافسية السعرية بالقول إن الأسعار المرتفعة للخدمات السياحية ما تزال تشكل عائقا حقيقيا أمام العديد من العائلات الجزائرية، وهو ما يستدعي العمل على توفير عروض أكثر ملاءمة، تسمح بتوسيع الاستفادة من السياحة الداخلية وجعلها في متناول مختلف الشرائح الاجتماعية.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"