بينما تَتوالدُ الرسائل “البرلمانية” الغربية ضد الجزائر.. بعد الصين وروسيا.. محور الجزائر – واشنطن يتعزّز

التزمت الجزائر بسياسة ضبط النفس وعدم حرق الجسور مع الشركاء الغربيين، لا سيما في القضايا الجوهرية التي تقوم عليها ثوابت الديبلوماسية الجزائرية، وتتعلّق بالسيادة المُطلقة في القرار الوطني، وقضيتي: فلسطين والصحراء الغربية. وتجاهلت، بنجاح مُتميّز، الحملات الاستفزازية لأعضاء في البرلمان الأوروبي، وآخرين في الكونغرس الأمريكي، الذين سعوا إلى إثارة الغرب للضغط أو معاقبة الجزائر على خلفية علاقاتها الوثيقة مع روسيا.

رسالة ضد الجزائر في البرلمان الأوروبي

خلال الشهر الجاري، قام 17 عضوا في البرلمان الأوروبي، يُمثلون حزب الشعب الأوروبي من يمين الوسط، والمجموعة الاشتراكية والديمقراطية، وحركة تجديد أوروبا الليبرالية، وجماعات الهوية والديمقراطية اليمينية المتطرفة، بتوجيه رسالة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” أعربوا فيها عن “قلقهم العميق” إزاء “العلاقات السياسية والاقتصادية الوثيقة للبلد الواقع في شمال إفريقيا (الجزائر) مع روسيا”. وطالبوا بإعادة النظر في اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر، المُوقّعة عام 2005.

رسالةُ البرلمانيين حملت “تحذيرا” من أن الجزائر “من بين أكبر أربعة مشترين للأسلحة الروسية في جميع أنحاء العالم، وبلغت ذروتها بصفقة أسلحة بأكثر من 7 مليارات يورو في عام 2021”. كما جاء في الرسالة أن امتناع الجزائر عن التصويت على قرار للأمم المتحدة يُدين روسيا هو خطوة، وصفها أعضاء البرلمان الأوروبي، بأنها “مدهشة، مع الأخذ في الاعتبار أن الجزائر حاولت دائما الالتزام بالقانون الدولي وتحترم سيادة الدول”.

ولعله من الطريف أن تتضمّن الرسالة إشارة إلى الجزائر بأنها كانت “واحدة من أكبر المتلقين الدوليين الرئيسيين للقاح سبوتنيك 7 الروسي المضاد لكوفيد-19”. وكأن الأمر يتعلّق بالبحث عن أيّ تعاون جزائري مع روسيا، وليس مُهمًا تاريخه وتوقيته، لاستفزاز الجزائر، أو لإثارة الغرب ضدّها، وهذا أمرٌ يكشف مدى التخبطّ الذي تعاني منه أوروبا، وأيضا، يكشف مدى القوة التي بلغتها الجزائر حتى صارت تُثير “قلقهم العميق”.

رسالتان لـ “القلق العميق

يربط بعض المُحلّلين بين رسالة الـ 17 عضوا في البرلمان الأوروبي، ورسالة الـ 27 عضوا في الكونغرس الأمريكي، فهما يحملان المطلب نفسه وهو معاقبة الجزائر على علاقتها مع روسيا. بالإضافة إلى أنهما تضمّنتا العبارة نفسها تقريبا وهي “القلق العميق” من ازدياد القوة العسكرية الجزائرية، كأنما هي رسالة واحدةٌ، انطلقت إحداهما من أمريكا، والثانية من أوروبا.

رسالة ضد الجزائر في الكونغرس الأمريكي

حول الرسالة الأمريكية، قادت، نهاية شهر سبتمبر، عضوة الكونغرس “ليزا ماكلين” (من الحزب الجمهوري عن ولاية ميشيغان) مجموعة من زملائها ينتمون إلى الحزبين (الجمهوري والمحافظ) وطالبوا بفرض عقوبات على الجزائر، وفقًا لقانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات، وذلك من خلال رسالة إلى وزير الخارجية “أنطوني بلينكين”، جاء فيها “لا يوجد طلاء للسكر، إن العلاقة المتنامية للجزائر مع روسيا تشكل تهديدًا لكل دولة في جميع أنحاء العالم”.

وفي موضع آخر، تقول الرسالة: “نكتب إليكم اليوم للإعراب عن قلقنا إزاء التقارير الأخيرة عن العلاقات المتنامية باستمرار بين الاتحاد الروسي والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية”. وتواصل الرسالة حتى تصل إلى مطلبها الأساسي، حيث تقول: “لذلك، نطلب منكم البدء فورًا في تنفيذ عقوبات كبيرة على أولئك الموجودين في الحكومة الجزائرية المتورطين في شراء الأسلحة الروسية. تحتاج الولايات المتحدة إلى إرسال رسالة واضحة إلى العالم مفادها أنه لن يتمّ التسامح مع دعم فلاديمير بوتين وجهود الحرب لنظامه”.

السيناتور “ماركو روبيو” قلقٌ أيضا

في هذا السياق، يُذكر رسالة، السناتور الأمريكي الجمهوري عن ولاية فلوريدا، “ماركو روبيو”، نائب رئيس لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ، التي وجهها منتصفَ شهر سبتمبر، إلى وزير الخارجية “أنطوني بلينكين”، ودعا فيها “فرض عقوبات على الجزائر بسبب شرائها أسلحة روسية”، وعبّر هو أيضا عن “قلقه البالغ” من تنامي القوة الجزائرية.

عودة الديبلوماسية الجزائرية تُخيف الغرب

التحريض البرلماني “الأوروبي – الأمريكي” ضد الجزائر كان مثل الريح في القصب، فقد تجاهلت الجزائر تلك الرسائل وامتنعت سلطاتها عن إصدار أيّ رد، وبالمقابل لم تُصدر الخارجية الأمريكية أيّ تعقيب. ذلك أن “مطالب” البرلمانيين الغربيين كان واهيًا وواهمًا ومكشوفا في أهدافه وأبعاده. فقد رأى بعض الخبراء بأن الأمر له علاقةٌ بموقف الجزائر المناهض لأيّ شكل من أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، لا سيما بعد اتفاقيات “إبراهام” التي انغمست فيها بعض الدول العربية لتحقيق مصالح خاصة على حساب قضية فلسطين “المُقدّسة” جزائريا.

بينما يرى بعضٌ آخر من الخبراء بأن هناك تخوّفات لدى أوساط غربية متعددة من استعادة الجزائر لقوتها الديبلوماسية، وعزمها على لعب أدوارها كاملة على المستوى العربي والإفريقي والإسلامي والعالمي، وبالنظر إلى ما تمتلك الجزائر من مقوّمات، في هذا السياق، فإنها صارت تُشكّل “قلقا عميقا” مثلما جاء في كل الرسائل “المُحرّضة” ضد الجزائر.

علاقات وُديّة مع الشركاء الغربيين

على خلاف ما دعت إليه “الرسائل التحريضية”، فإن العلاقات الجزائرية الغربية تتّسم بالودية عموما. والجزائر تمتلك تقاليد ديبلوماسية تاريخية تتّصف بالأخلاقية في الحفاظ على علاقاتها مع شركائها الدوليين استنادا إلى مبادئها وثوابتها. وفي هذا السياق، يُذكَر ما قاله، في أكتوبر الماضي، مُفوّض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، “قدري سيمسون” بأن الاتحاد لديه “شراكة استراتيجية طويلة الأجل” مع الجزائر.

علاقات سياسية لها تاريخٌ

أمّا العلاقات الجزائرية الأمريكية فهي عريقة، تعود إلى 4 مارس 1796 عندما قدّم القنصل الأمريكي “جويل بارلو” إلى “داي حسن” حاكم الجزائر، وذلك إثر اعتراف الجزائر بالولايات المتحدة، بعد توقيع معاهدة سلام في 5 سبتمبر 1795.

فضلٌ جزائريٌ لا تنساه أمريكا

تعززت العلاقات الثنائية بين الجزائر وأمريكا، بشكل ملحوظ، خلال فترة الثمانيات من القرن الماضي، “عندما لعبت الجزائر دورًا رائدًا في المفاوضات بين السلطات الأمريكية والإيرانية للإفراج عن الرهائن الأمريكيين المحتجزين في طهران، بعد سقوط شاه إيران”. كما يشيرُ إلى ذلك “أرسلان الشيخاوي” رئيس مركز “نيسا”، ويُضيف أنه “مع انضمام الجزائر إلى الحوار السياسي لحلف الناتو، وبعد الهجمات الإرهابية على الأراضي الأمريكية في 11 سبتمبر 2001، تطور التعاون في مكافحة الإرهاب بين البلدين. هكذا أصبحت الجزائر شريكًا استراتيجيًا للولايات المتحدة في محاربة المنظمات المتطرفة العنيفة”.

حجر الزاوية” في القارة السمراء

يرى “أرسلان الشيخاوي” بأن الولايات المتحّدة الأمريكية تمتلك مصالح استراتيجية في إفريقيا، والجزائر تُمثّل “حجر الزاوية” في القارة السمراء، لذلك فإن الإدارة الأمريكية ستواصل توطيد علاقاتها مع الجزائر. وأشار رئيس مركز “نيسا” إلى تأكيد وزير الخارجية الأمريكي، “أنتوني بلينكين”، في مارس 2022 خلال زيارته إلى لجزائر، حيث قال بأن العلاقات الجزائرية الأمريكية “قوية”، وهو إشارةٌ واضحة، وفق رئيس مركز “نيسا”، عن الإرادة الأمريكية في العمل على تعميق الروابط الاقتصادية والتعليمية والثقافية مع الجزائر.

الرهان على الجزائر في تحقيق السلام

وقد صرّح رئيس الدبلوماسية الأمريكية بأن “جهود الجزائر ضرورية لتحسين الاستقرار والأمن في المنطقة”. وأضاف بأن الجزائر تواصل لعب “دور مهم” من أجل الاستقرار في مالي، ورحب بجهودها من أجل التسوية السلمية للنزاعات في المنطقة، وخاصة في ليبيا، حيث تعمل من أجل حل سياسي تحت رعاية الأمم المتحدة.

السفيرة الأمريكية تُثمّن الجهود الجزائرية

يُذكر أن السفيرة الأمريكية في الجزائر، “إليزابيث مور أوبين”، تقوم بنشاط ديبلوماسي ملحوظ يهدف إلى تعزيز العلاقات الجزائرية الأمريكية، وقد التقت عددا من المسؤولين الكبار في الدولة، إضافة إلى زياراتها لبعض الولايات. وقد عقدت السفيرة ندوة صحافية، ثمّنت فيها “الدور المحوري” الذي تلعبه الجزائر في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة العربية.

كما ثمّنت المساعي الجزائرية الأخيرة لتوحيد الفصائل الفلسطينية، وقالت بأن بلادها “تتقاسم الرؤية الجزائرية لحل قضية الصحراء الغربية، عبر اعتماد الحل السياسي تحت مظلة الأمم المتحدة”، وهذا خلافا لموقف الإدارة الأمريكية تحت رئاسة “دونالد ترامب” الذي انحاز إلى المغرب على حساب الشعب الصحراوي، في إطار صفقة صهيونية مغربية، وصفتها إحدى الصحف العبرية بأنه “اعترافٌ باستعمار، مقابل اعتراف باستعمار”.

تنمية “الشراكة القوية” الأمريكية الجزائرية

تحدّثت “إليزابيث مور أوبين” حول أهمية مواصلة تنمية “الشراكة القوية” الأمريكية الجزائرية، وأشارت إلى وجود “نحو 100 شركة أمريكية تنشط في الجزائر”، إضافةً إلى استثمارات مهمة في عدة قطاعات. وأكدت على أن القانون الجزائري الجديد للاستثمار “يوفر كل الشروط التي تبحث عنها الشركات الأمريكية، بما في ذلك المناخ الاقتصادي الآمن والمستقر وإزالة العقبات التي تعرقل التصدير”.

كما أكّدت السفيرة دعم بلادها لجهود الجزائر في تحسين وتوسيع نطاق استعمال اللغة الإنجليزية، وأعلنت أن عدد المراكز الثقافية الأمريكية في الجزائر، سيبلغ خمسة مراكز، بعد حصول سفارة الولايات المتحدة على المواقفة بفتح مركز آخر بولاية بشار.

قمة أمريكية إفريقية مُرتقَبة

يُذكر بأن العاصمة الأمريكية واشنطن ستحتضن خلال الفترة من 13 إلى 15 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، القمة الأمريكية الإفريقية التي تستضيف عددا من قادة دول القارة السمراء. وقد أشار الرئيس “جو بايدن” بأن هذه القمة تؤكد على أهمية العلاقات بين بلاده وإفريقيا، وتُعزّز التعاونَ بشأن “الأولويات العالمية المشتركة”.

ومن المُرتقب أن تكون الجزائرُ المُشارك الأكثر تميّزا وقوة، وفقا لعودتها الديبلوماسية القوية، وما يُمثّله من ثقل وتأثير في القارة السّمراء.