الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

بين الاستثمار والإنتاج.. كيف يصنع قطاع الخدمات القيمة المضافة؟


تسارع الجزائر وتيرة تنفيذ مشاريع استثمارية كبرى، في إطار مساعيها لتنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز جاذبية مناخ الأعمال، غير أن تحقيق الأثر الاقتصادي المرجو من هذه المشاريع لا يرتبط بالاستثمار في القطاعات الإنتاجية وحدها، وإنما يتطلب أيضا منظومة خدمات متطورة قادرة على مرافقة النشاط الاقتصادي ورفع كفاءته.

وفي هذا السياق، يبرز قطاع الخدمات كأحد أهم الرهانات الاقتصادية، بالنظر إلى دوره في دعم الاستثمار، واستحداث مناصب الشغل، وتحسين تنافسية المؤسسات، وفتح آفاق جديدة لتنويع مصادر الدخل خارج المحروقات.

في هذا الصدد، أفاد مصطفى بوبكر، خبير في الاقتصاد، بأن نجاح الجزائر في تحقيق تحوّل هيكلي حقيقي في نموذجها الاقتصادي لا يمكن أن يعتمد على تطوير القطاعات الإنتاجية التقليدية وحدها، على غرار الصناعة والفلاحة والمحروقات، بل يستوجب إيلاء قطاع الخدمات مكانة محورية، باعتباره “المحرك الصامت” للاقتصاد والركيزة التي تحدد مدى فعالية المشاريع الاستثمارية الكبرى وقدرتها على تحقيق القيمة المضافة.

نجاح التحوّل الاقتصادي يبدأ من تطوير قطاع الخدمات

وأوضح بوبكر أن التجارب الاقتصادية الناجحة أثبتت أن الاستثمار في الإنتاج لا يحقق أهدافه المرجوة ما لم يواكبه قطاع خدمات عصري قادر على توفير التمويل، والنقل، واللوجستيك، والخدمات الرقمية، والاستشارات، بما يضمن استمرارية النشاط الاقتصادي ورفع تنافسيته.

وأشار إلى أن المؤشرات الاقتصادية تؤكد الوزن المتزايد لقطاع الخدمات في الاقتصاد الوطني، إذ يساهم بما بين 45 و48 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يجعله أكبر مساهم في الثروة الوطنية مقارنة ببقية القطاعات، كما يستوعب أكثر من 58 بالمئة من اليد العاملة، الأمر الذي يعكس دوره المحوري في سوق العمل.

وأضاف المتحدث أن نحو ربع إلى ثلث المشاريع المسجلة لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار تندرج ضمن قطاع الخدمات والخدمات اللوجستية، وهو ما يدل على تنامي اهتمام المستثمرين بهذا المجال، رغم أن إمكاناته ما تزال غير مستغلة بالشكل الذي يتناسب مع احتياجات الاقتصاد الوطني.

وأبرز الخبير في الاقتصاد أن المشاريع الصناعية والتعدينية الكبرى التي تراهن عليها الجزائر، على غرار مشروع غارا جبيلات، ومشروع الفوسفات المدمج، ومشاريع الطاقات المتجددة، لن تحقق مردودية اقتصادية مرتفعة إذا لم تواكبها منظومة خدمات متكاملة.

ولفت إلى أن الخدمات اللوجستية تعد أحد أهم عناصر نجاح هذه المشاريع، خاصة وأن تكاليف النقل والتخزين والمناولة في الجزائر ما تزال أعلى من المعدلات العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج ويحد من القدرة التنافسية للمؤسسات الوطنية في الأسواق الخارجية.

واعتبر محدثنا أن تطوير الموانئ، والمناطق اللوجستية، وشبكات السكك الحديدية، والمناطق الحرة، من شأنه أن يخفض التكاليف التشغيلية ويعزز فرص ولوج المنتجات الجزائرية إلى الأسواق الدولية.

وفي السياق ذاته، أكد بوبكر أن تحديث المنظومة المالية والمصرفية يمثل أحد المفاتيح الأساسية لتحسين مناخ الاستثمار، موضحا أن تسريع رقمنة الخدمات البنكية، وتبسيط إجراءات التمويل، وتفعيل الإصلاحات التي جاء بها قانون النقد والبنك، من شأنها تسهيل حركة رؤوس الأموال وتقليص آجال معالجة الملفات الاستثمارية، وهو ما ينعكس إيجابا على سرعة إنجاز المشاريع وتقليص تكاليفها.

هذا، ويرى بوبكر أن قطاع الخدمات يمتلك قدرة كبيرة على استحداث مناصب الشغل مقارنة بالقطاعات الصناعية الثقيلة، نظرا لاعتماده بدرجة أكبر على الموارد البشرية، موضحا أن تكلفة خلق منصب عمل في مجالات الخدمات، مثل تكنولوجيا المعلومات، والاستشارات، والسياحة، والتسويق، تبقى أقل من نظيرتها في الصناعات كثيفة رأس المال، وهو ما يجعل هذا القطاع قادرا على استيعاب أعداد معتبرة من خريجي الجامعات والمعاهد، خاصة في تخصصات البرمجة، والذكاء الاصطناعي، وإدارة الأعمال، والتخصصات الرقمية، بما يساهم في الحد من بطالة الكفاءات وخلق وظائف ذات قيمة مضافة.

وأضاف أن الدور الاقتصادي للخدمات لا يقتصر على توفير فرص العمل، بل يمتد إلى دعم جهود تنويع مصادر الدخل الوطني وتحسين ميزان المدفوعات.

وأوضح أن الجزائر تنفق سنويا مبالغ معتبرة بالعملة الصعبة على خدمات أجنبية، مثل الشحن البحري، والاستشارات الهندسية، وأعمال الصيانة والخدمات التقنية، مؤكدا أن تطوير هذه الخدمات محليا سيسمح بتقليص فاتورة الاستيراد والاحتفاظ بجزء مهم من الموارد المالية داخل الاقتصاد الوطني.

وفي المقابل، أشار الخبير إلى أن الجزائر تمتلك فرصا واعدة لتصدير الخدمات، مستفيدة من موقعها الجغرافي كبوابة نحو إفريقيا، سواء عبر خدمات النقل والترانزيت المرتبطة بالطريق العابر للصحراء، أو من خلال تنمية السياحة والخدمات الرقمية والبرمجيات، بما يفتح آفاقا جديدة لجلب العملة الصعبة خارج قطاع المحروقات.

وفي حديثه عن التحديات، أوضح بوبكر أن الارتقاء بقطاع الخدمات يقتضي مواصلة الإصلاحات الهيكلية، وفي مقدمتها عصرنة المنظومة المصرفية، وتسريع تعميم وسائل الدفع الإلكتروني، والحد من هيمنة التعاملات النقدية، إلى جانب إدماج أنشطة الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية الرسمية، بما يوسع الوعاء الضريبي ويعزز شفافية المعاملات.

كما شدد على ضرورة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتطوير مراكز البيانات، وتهيئة البيئة المناسبة لنمو شركات التكنولوجيا المالية والخدمات اللوجستية الذكية، بما يواكب التحولات الرقمية العالمية.

وفي ختام حديثه إلى “الأيام نيوز”، أكد مصطفى بوبكر أن بناء المصانع وإطلاق المشاريع الصناعية والتعدينية الكبرى يمثل الأساس في إنشاء قاعدة إنتاجية قوية، غير أن نجاح هذه القاعدة واستدامة مردوديتها يبقيان مرتبطين بوجود قطاع خدمات متطور وفعال، قادر على مرافقة الاستثمار، وتحسين كفاءة الإنتاج، وربط الاقتصاد الوطني بالأسواق الإقليمية والدولية، بما يجعل الخدمات أحد أهم محركات النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.
↑