الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

بين “الاستشهاد” والانتصار.. قراءة في الخطاب السياسي الإيراني ودلالاته الاستراتيجية

Author
ربيعة خطاب 01 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجهها إيران، أكد رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مسعود بزشكيان، على أهمية الصمود والتضامن الوطني لمواجهة الظروف الراهنة، مشدداً على أن الشعب الإيراني قادر على تجاوز الأزمات من خلال الوحدة والمقاومة. وجاءت تصريحاته التي قال فيها: “إما أن نواصل هذا الطريق بقوة وإما أن نستشهد، وفي كلتا الحالتين نحن منتصرون”، في إطار التأكيد على التمسك بالثوابت الوطنية ومواصلة مواجهة الضغوط والتحديات.

يصرح الدبلوماسي السابق الإيراني، سيد هادي أفقهي، لـ”الأيام نيوز”، بأن تصريحات الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، التي ربط فيها بين مواصلة الطريق أو “الاستشهاد” وبين تحقيق الانتصار، تفتح المجال أمام قراءات سياسية وفكرية متعددة حول طبيعة الخطاب الرسمي الإيراني في المرحلة الراهنة، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والضغوط الدولية المفروضة على طهران.

ويؤكد السيد هادي أفقهي أن هذا النوع من الخطاب لا يمكن فصله عن السياق التاريخي الذي تشكلت فيه الدولة الإيرانية بعد الثورة الإسلامية عام 1979، حيث أصبح مفهوم “المقاومة” أحد الأعمدة الأساسية في البنية الفكرية والسياسية للنظام، ليس فقط كخيار في السياسة الخارجية، بل كجزء من الهوية الوطنية والدولية لإيران. ويضيف أن مفهوم “الاستشهاد” في هذا السياق يحمل بعدا رمزيا يعكس أعلى درجات الصمود وليس دلالة حرفية على الموت.

ويشير أفقهي إلى أن الرئيس بزشكيان يعيد، من خلال هذا الخطاب، التأكيد على أن مفهوم الانتصار في الرؤية الإيرانية لا يقتصر على المكاسب المادية أو السياسية المباشرة، بل يمتد ليشمل الحفاظ على الاستقلال السياسي والسيادة الوطنية، حتى في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية. ويرى أن هذا الطرح يعكس إعادة تعريف لمفهوم القوة والانتصار خارج الإطار التقليدي المرتبط بموازين القوى العسكرية أو الاقتصادية.

ويضيف سيد هادي أفقهي أن هذا الخطاب يحمل أيضا بعدا داخليا واضحا، إذ يهدف إلى تعزيز التماسك الاجتماعي ورفع مستوى الصمود الشعبي في مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية الناتجة عن العقوبات. وفي المقابل، فإن للخطاب بعداً خارجياً يتمثل في توجيه رسالة سياسية مفادها أن سياسة الضغط القصوى لن تؤدي إلى تغيير جوهري في المواقف الاستراتيجية الإيرانية، بل قد تعزز من خطاب التمسك بالمقاومة.

ويؤكد أفقهي أن استخدام مفردة “الاستشهاد” في الخطاب السياسي الإيراني لا يمكن فهمه بمعزل عن الخلفية الثقافية والدينية للمجتمع الإيراني، حيث يرتبط هذا المفهوم بواقعة كربلاء وما تحمله من رمزية عميقة في الثقافة الإيرانية، التي تكرس فكرة التضحية من أجل المبادئ باعتبارها قيمة عليا تتجاوز الحسابات المادية الآنية.

كما يوضح أفقهي أن السياسة الإيرانية تعتمد على توظيف هذه الرموز الثقافية في بناء خطاب مزدوج الأبعاد، موجه في آن واحد إلى الداخل والخارج. فبينما يهدف إلى تعزيز الروح المعنوية داخلياً، فإنه يحمل في الوقت ذاته رسائل ردع سياسية للخارج، مفادها أن إيران قادرة على الصمود في وجه الضغوط وأنها لن تتخلى عن ثوابتها الاستراتيجية.

ويضيف أفقهي أن هذا النوع من الخطاب يندرج ضمن سياق إقليمي ودولي معقد، يتسم بتعدد الأزمات وتداخل الملفات السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط. ومن هذا المنظور، فإن رفع سقف الخطاب السياسي قد يكون أيضاً أداة لإدارة التوازنات الإقليمية وتعزيز الموقف التفاوضي الإيراني في أي مسارات دبلوماسية مستقبلية.

ويؤكد الدبلوماسي السابق سيد هادي افقهي أن تصريحات الرئيس الإيراني تعكس تداخلا واضحا بين البعد الرمزي والبعد السياسي في الخطاب الرسمي لطهران، حيث يتم توظيف مفاهيم ذات جذور ثقافية ودينية عميقة لتثبيت معادلة تقوم على أن الانتصار لا يُقاس فقط بالنتائج المادية، بل أيضا بالقدرة على الصمود والحفاظ على المبادئ تحت الضغط. ويؤكد أن هذا الخطاب يندرج ضمن استراتيجية “الردع المعنوي والسياسي” التي تهدف إلى تعزيز موقع إيران في بيئتها الإقليمية والدولية مع الحفاظ على هامش واسع للمناورة السياسية.

في المقابل يشير الدكتور رضا حسن، خبير في العلاقات الدولية، إلى أن الخطاب السياسي الإيراني القائم على مفاهيم مثل “الاستشهاد” و”الانتصار” لا يمكن فصله عن سياق إدارة الصراع مع القوى الدولية، بل يفهم باعتباره جزءا من استراتيجية أوسع تقوم على توظيف الرمزية الثقافية والدينية في خدمة الأهداف السياسية والاستراتيجية للدولة. فمثل هذا الخطاب لا يقتصر على البعد التعبوي الداخلي، بل يمتد ليشكل أداة لإرسال رسائل محسوبة إلى الخارج بشأن طبيعة الموقف الإيراني من الضغوط والتحديات.

ويوضح حسن رضا أن هذه المقاربة تعكس ما يمكن وصفه بالردع الرمزي في العلاقات الدولية، حيث لا تعتمد الدول فقط على أدوات القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل تلجأ أيضا إلى بناء خطاب سياسي قادر على التأثير في إدراك الخصوم وحساباتهم. وفي هذا السياق، يصبح التأكيد على أن الاستمرار في الطريق أو “الاستشهاد” يمثلان شكلا من أشكال الانتصار، رسالة مفادها أن معادلات الربح والخسارة ليست بالضرورة خاضعة للمنطق المادي التقليدي.

كما يلفت حسن رضا إلى أن هذا الخطاب يؤدي وظيفة داخلية وخارجية في الوقت نفسه؛ فعلى المستوى الداخلي يهدف إلى تعزيز التماسك الوطني ورفع مستوى الصلابة المجتمعية في مواجهة الضغوط الاقتصادية والعقوبات، بينما على المستوى الخارجي يسعى إلى تقليل فاعلية أدوات الضغط عبر إيصال فكرة أن السياسات الضاغطة لن تؤدي إلى تغيير سهل أو سريع في المواقف الاستراتيجية لطهران. وبالتالي، يتحوّل الخطاب إلى عنصر في إدارة التوازن السياسي وليس مجرد تعبير أيديولوجي.

ويضيف حسن رضا أن توظيف المفاهيم الدينية والتاريخية في الخطاب السياسي الإيراني يعكس خصوصية التجربة السياسية بعد الثورة، حيث أصبحت مفاهيم الصمود والتضحية جزءاً من البنية الفكرية الرسمية للدولة، وتُستخدم في صياغة المواقف الداخلية والخارجية على حد سواء. ومن هذا المنظور، فإن الإشارة إلى “الاستشهاد” تحمل دلالة رمزية مرتبطة بالثبات على الموقف أكثر من كونها دعوة مباشرة للمواجهة.

ويؤكد حسن رضا، خبير العلاقات الدولية، أن هذا النمط من الخطاب يندرج ضمن سياسة تقوم على المزج بين الصلابة في الرسائل السياسية والمرونة في إدارة التفاعلات الدبلوماسية، بما يسمح بالحفاظ على هامش مناورة واسع في بيئة إقليمية ودولية معقدة. وبذلك، يصبح الخطاب أداة لإدارة التوازن بين الداخل والخارج، وبين الردع والانفتاح، ضمن رؤية تسعى إلى تعزيز موقع إيران في معادلات السياسة الدولية.