الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

بين الاكتئاب والعزلة.. كيف نخسر أرواحًا كان يمكن إنقاذها؟

Author
بثينة صايفي 05 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم تعد الصحة النفسية قضية فردية تخص المريض وحده، بل أصبحت إحدى أبرز القضايا الصحية والاجتماعية التي تستدعي اهتماما متزايدا، في ظل تزايد الضغوط النفسية واستمرار الوصمة التي تمنع كثيرين من طلب المساعدة في الوقت المناسب.

بين نقص الوعي المجتمعي، وصعوبة الوصول إلى خدمات العلاج في بعض المناطق، وضعف الإحاطة بعلامات الخطر، قد تتحوّل المعاناة النفسية الصامتة إلى مأساة كان بالإمكان تجنبها بالتدخل المبكر والدعم المناسب.

 

الانتحار نتيجة لمعاناة نفسية تتفاقم بصمت

أكد الطبيب النفسي، الدكتور صالح شوشاني، أن الانتحار، في كثير من الحالات، لا يكون نتيجة قرار لحظي أو حدث مفاجئ، بل يأتي بعد مسار طويل من المعاناة النفسية التي تتفاقم تدريجيًا وبصمت، وأوضح أن الشخص قد يعيش لفترات طويلة صراعا داخليا مع الاكتئاب أو اضطرابات نفسية أخرى أو ضغوط حياتية متراكمة، إلى أن يصل إلى مرحلة يشعر فيها بأن الألم النفسي أصبح يفوق قدرته على الاحتمال، فيغدو عاجزًا عن رؤية مخرج لمعاناته.

وأشار إلى أن أخطر ما في هذه المعاناة أنها غالبًا ما تكون غير مرئية للمحيطين بالمريض، إذ قد يواصل ممارسة حياته اليومية وإخفاء مشاعره الحقيقية، بينما يعيش في داخله حالة من اليأس والإنهاك النفسي، لذلك فإن غياب المؤشرات الواضحة لا يعني بالضرورة غياب المعاناة، وهو ما يستدعي مزيدًا من الوعي بأهمية الإصغاء للمؤشرات النفسية والتغيرات السلوكية التي قد تطرأ على الأشخاص.

وأضاف شوشاني أن كثيرًا من المرضى لا يعبّرون صراحة عن حجم الألم الذي يعيشونه، إما خوفًا من الوصمة الاجتماعية، أو خشية ألا يجدوا من يفهم معاناتهم، أو اعتقادًا منهم بأن طلب المساعدة قد يُفسر على أنه ضعف، وهذا ما يجعل بعضهم يعيشون أزماتهم في عزلة وصمت، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقم حالتهم إذا لم يتلقوا الرعاية النفسية المناسبة في الوقت المناسب.

وشدد على أن فهم هذه الحقيقة يفرض تغيير النظرة المجتمعية إلى الاضطرابات النفسية، والتعامل معها بوصفها حالات صحية تحتاج إلى التشخيص والعلاج والمتابعة، شأنها شأن الأمراض العضوية، كما أكد أن التدخل المبكر، وتوفير الدعم الأسري والاجتماعي، وتشجيع الأشخاص الذين يعانون من ضائقة نفسية على اللجوء إلى المختصين، تمثل عوامل أساسية في تحسين فرص التعافي والوقاية من الوصول إلى مراحل حرجة من المعاناة النفسية.

 

من أصعب اللحظات في حياة الطبيب النفسي

وأوضح الطبيب النفسي الدكتور صالح شوشاني أن من أكثر المواقف قسوة التي قد يواجهها أي معالج نفسي تلقي خبر وفاة أحد مراجعيه، ولا سيما عندما يكون قد عاين عن قرب حجم الألم النفسي الذي كان يعيشه، وبذل جهودًا لمرافقته في رحلة العلاج، وأكد أن مثل هذه اللحظات تترك أثرًا إنسانيًا عميقًا في نفس المختص، لأنها تعكس حجم المعاناة التي قد يعيشها بعض المرضى، وتبرز في الوقت نفسه التحديات التي تواجه التكفل بالصحة النفسية.

واستحضر شوشاني، في هذا السياق، حالة شابة حضرت إلى العيادة برفقة والدتها وهي تحمل أملاً في العثور على مخرج من أزمتها النفسية، وبعد تقييم سريري مشترك أجراه مختصان في الصحة العقلية، تبيّن أنها كانت تعاني من اضطراب نفسي مصحوب باكتئاب شديد، وكانت حالتها تستدعي تدخلاً علاجيا متكاملاً يجمع بين العلاج الدوائي والمتابعة النفسية المنتظمة، وفق خطة علاجية تستوجب الاستمرارية والالتزام.

وأشار إلى أن التشخيص الدقيق يمثل الخطوة الأولى في العلاج، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق التعافي، إذ يحتاج المريض إلى متابعة متواصلة، وإلى بيئة داعمة تساعده على الالتزام بالخطة العلاجية وتجاوز الأزمات التي يمر بها، فنجاح العلاج النفسي، بحسب شوشاني، يرتبط بتكامل عدة عوامل، من بينها سهولة الوصول إلى الرعاية الصحية، واستمرار المتابعة، وتعاون الأسرة مع الفريق العلاجي.

وأكد أن استحضار هذه التجربة لا يهدف إلى تحميل المسؤولية لأي طرف أو إلى إثارة الخوف من الاضطرابات النفسية، وإنما إلى تسليط الضوء على أهمية التدخل المبكر، وضمان استمرارية العلاج، وتعزيز الوعي المجتمعي بأن الاضطرابات النفسية أمراض قابلة للعلاج والتحسن متى توفرت الرعاية المتخصصة والدعم الأسري والاجتماعي المناسب، وأضاف أن غالبية المرضى النفسيين يمكن أن يحققوا تحسنا ملحوظا ويعيشوا حياة مستقرة إذا حصلوا على العلاج المناسب في الوقت المناسب، وهو ما يجعل الاستثمار في خدمات الصحة النفسية وتعزيز الوعي بها ضرورة صحية ومجتمعية.

 

العلاج لا ينجح دون استمرارية ودعم

وأوضح أن نجاح العلاج النفسي لا يعتمد على التشخيص الصحيح أو وصف الدواء فقط، بل يحتاج إلى متابعة مستمرة وبيئة داعمة تساعد المريض على الالتزام بخطته العلاجية. وأشار إلى أن بعد المسافة الجغرافية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، إضافة إلى الظروف الاجتماعية والأسرية، قد تشكل عوائق حقيقية أمام استمرار العلاج، ما قد ينعكس سلبًا على الحالة النفسية للمريض ويؤخر تعافيه.

 

الأسرة شريك أساسي في رحلة التعافي

وشدد الطبيب النفسي على أن الأسرة تمثل أحد أهم عوامل الحماية النفسية، لكنها قد تتحول، من دون قصد، إلى مصدر إضافي للضغط عندما تقلل من معاناة المريض أو تسيء فهم حالته، وأوضح أن بعض العبارات أو المواقف التي تبدو عادية في نظر المحيطين قد تزيد شعور المريض بالعزلة أو اليأس، وهو ما يستدعي تعزيز وعي الأسر بكيفية التعامل مع الاضطرابات النفسية ومساندة المصابين بها.

ويرى شوشاني أن المجتمع ما زال لا يمنح الصحة النفسية المكانة التي تستحقها، إذ لا يزال كثيرون يعتقدون أن المريض النفسي يحتاج فقط إلى النصيحة أو إلى مزيد من الصبر، بينما قد يكون في الواقع بحاجة إلى تدخل علاجي متخصص يجمع بين العلاج النفسي والدوائي وفق تقييم طبي، وأضاف أن استمرار هذه النظرة يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخير طلب المساعدة، وهو ما قد يزيد من تعقيد الحالة.

وأكد أن تحسين التكفل بالصحة النفسية يتطلب توسيع انتشار الخدمات العلاجية في مختلف ولايات الوطن، بما فيها المناطق النائية، حتى لا تشكل المسافة أو نقص الإمكانات عائقًا أمام المرضى، كما دعا إلى الاستثمار في تكوين وتأهيل الممارسين في مجال الصحة النفسية، بما يضمن الاستجابة لاحتياجات المجتمع المتزايدة في هذا المجال.

 

التدخل المبكر ينقذ الأرواح

وشدد الطبيب النفسي الدكتور صالح شوشاني على أن التدخل المبكر يمثل أحد أهم عوامل الوقاية من تفاقم الاضطرابات النفسية، مؤكدا أن اكتشاف المعاناة النفسية في مراحلها الأولى وطلب المساعدة المتخصصة في الوقت المناسب يرفعان بشكل كبير فرص التعافي، ويحدان من تطور الحالة وما قد يترتب عليها من مضاعفات، وأوضح أن تجاهل الأعراض أو التقليل من شأنها قد يؤدي إلى تفاقم معاناة المريض، ويؤخر حصوله على الرعاية التي يحتاج إليها.

ووجّه شوشاني رسالة إلى الأسر بضرورة التحلي باليقظة والانتباه إلى أي تغيرات غير معتادة في الحالة النفسية أو السلوكية لأفرادها، مثل الحزن الشديد والمستمر، وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية، والانسحاب من المحيط الاجتماعي، أو أي تغيرات ملحوظة قد تعكس وجود ضائقة نفسية تستوجب التقييم من قبل مختص، وأكد أن التعامل مع هذه المؤشرات بجدية، بعيدا عن التقليل من أهميتها أو الاكتفاء بالنصائح العامة، يعد خطوة أساسية في مسار العلاج.

وأضاف أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في حماية الصحة النفسية لأفرادها، لما لها من دور محوري في توفير الدعم العاطفي، وتشجيع المريض على طلب المساعدة، ومرافقته خلال رحلة العلاج، فشعور الشخص بأنه محاط بالتفهم والاحتواء، وليس بالأحكام المسبقة أو الوصمة، يسهم في تخفيف معاناته ويعزز التزامه بالخطة العلاجية.

وأكد شوشاني أن تعزيز الوعي المجتمعي بالصحة النفسية، وتسهيل الوصول إلى الخدمات العلاجية، ونشر ثقافة اللجوء إلى المختصين عند الحاجة، تمثل ركائز أساسية للوقاية. وختم بالتأكيد على أن كثيراً من الاضطرابات النفسية قابلة للعلاج والتحسن متى جرى اكتشافها مبكراً، وأن نشر الوعي، وتوفير الدعم الأسري، والتدخل العلاجي في الوقت المناسب، يمكن أن يسهم في إنقاذ حياة كثير من الأشخاص وبناء مجتمع أكثر وعياً بالصحة النفسية وأهمية رعايتها.

 

 

↑