الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

بين التأثير وصناعة الوعي.. كيف يُساهم الإعلام في التصدي لخطر المخدرات؟


أصبحت ظاهرة تعاطي المخدرات اليوم واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع الجزائري، لما لها من آثار صحية واجتماعية واقتصادية خطيرة، بعد أن تحولت إلى تهديد مجتمعي يطال الأمن الصحي والاجتماعي والاقتصادي، ويستنزف الطاقات البشرية للشباب، الفئة الأكثر عرضة للاستقطاب من قبل شبكات الترويج.

في هذا السياق، يلعب الإعلام دورا محوريا في معالجة هذه الظاهرة والحد من انعكاساتها السلبية، فهو لا يقتصر على نقل الأخبار أو تغطية العمليات الأمنية المرتبطة بحجز المخدرات وتوقيف المروجين، بل يمتد تأثيره إلى بناء وعي جماعي، وصناعة الاتجاهات، وتشكيل مواقف وجدانية تجاه المخدرات.

في هذا الصدد، أفاد الأستاذ محمد طيب، أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر، أن الإعلام بمختلف أنواعه يُعد فاعلا أساسيا في معالجة قضايا المجتمع والحد من انعكاساتها الخطيرة، وفي مقدمتها ظاهرة تعاطي المخدرات وانتشارها داخل الأوساط الاجتماعية، مؤكدا أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد انحراف سلوكي فردي، بل تحولت إلى تحدٍّ مجتمعي يمس الأمن الصحي والاجتماعي والاقتصادي للدولة.

الإعلام يتحمل مسؤولية أخلاقية ومهنية في التصدي لآفة المخدرات

وأوضح الأستاذ طيب، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الإعلام لا يقتصر دوره على نقل الأخبار أو تغطية الوقائع الأمنية المرتبطة بحجز كميات من المخدرات أو توقيف مروجين، بل يتجاوز ذلك إلى التأثير العميق في الرأي العام وصناعة الوعي الجماعي، مشيرا إلى أن الدراسات الإعلامية تؤكد أن تأثير وسائل الإعلام يمارس على ثلاثة مستويات رئيسية.

ويتمثل المستوى الأول في التأثير النفسي والعاطفي، حيث تعمل الرسائل الإعلامية على إثارة مشاعر الخوف أو التعاطف أو الرفض تجاه الظواهر الاجتماعية، بما يسهم في تشكيل موقف وجداني منها.

أما المستوى الثاني، فهو التأثير الوظيفي والمهني، والذي يرتبط بتوجيه السلوك العملي للأفراد والمؤسسات، سواء من خلال تعزيز ثقافة الإبلاغ أو دعم مبادرات الوقاية، في حين يتمثل المستوى الثالث في تغيير الأفكار والاتجاهات، واعتبره المتحدث الأخطر، لأنه يمس البنية العميقة لقناعات الأفراد، وقد يؤدي إن أسيء توظيف الإعلام إلى تطبيع بعض السلوكيات أو التقليل من خطورتها.

وأشار الأستاذ محمد طيب إلى أن الإعلام يتحمل مسؤولية أخلاقية ومهنية في التصدي لآفة المخدرات، من خلال جمع المعلومات الدقيقة ومعالجتها ونشرها وفق مقاربة علمية، عبر ما يعرف بـ”بنك المعلومات”، الذي يجب أن يكون في متناول الجمهور والمختصين والصحفيين والسلطات العمومية.

واعتبر أن توفر قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة حول حجم الظاهرة، وأنواع المواد المتداولة، والفئات الأكثر استهدافا، يساهم في بناء حملات إعلامية تحسيسية مدروسة، تشرف عليها الدولة، وتُوجَّه بشكل خاص إلى فئة الشباب، التي وصفها بالفئة الأكثر عرضة للاستقطاب من طرف شبكات الترويج.

وفي السياق ذاته، اعتبر المتحدث أن الإعلام الأمني يُعد من أهم الأدوات القادرة على أداء هذا الدور التحسيسي، موضحا أنه يشمل كل الأنشطة الإعلامية التي تهدف إلى حماية أمن الفرد والجماعة والحفاظ على استقرار الوطن ومكتسباته.

وأكد محدثنا أن فعالية الإعلام الأمني مرهونة بمدى اقتناع الأجهزة الأمنية بأهميته، واستعدادها لتزويد وسائل الإعلام بالمعلومات والحقائق التي لا تتعارض مع سرية التحقيقات، بما يسمح بنشر وعي أمني رصين داخل المجتمع.

وأوضح أن الهدف من ذلك ليس فقط كشف الجرائم بعد وقوعها، بل العمل على الوقاية منها قبل استفحالها، معتبرا أن المخدرات من أخطر العوامل التي تساهم في تفكيك الأسرة، وارتفاع معدلات الجريمة، وتراجع الإنتاجية، واستنزاف الطاقات البشرية.

وفي تعريفه للمخدرات، بيّن الأستاذ محمد طيب أن تعاطيها يُعد بمثابة تناول للسموم، لكونها مواد تؤدي إلى الإدمان وتسمم الجهاز العصبي، وتؤثر بشكل مباشر على الصحة الجسدية والنفسية للمتعاطي.

وأشار إلى أن القانون يمنع تداول هذه المواد أو زراعتها أو وصفها إلا لأغراض يحددها، وتحت رقابة طبية صارمة، وتشمل الأفيون ومشتقاته، الحشيش، عقاقير الهلوسة، الكوكايين والمنشطات، مؤكدا أن خطورتها لا تكمن فقط في تأثيرها الصحي، بل في آثارها الاجتماعية الممتدة.

التعاطي المناسباتي يُفقد الإعلام دوره الوقائي

ونظرا لتعدد أبعاد الظاهرة، شدد المتحدث على ضرورة تبني استراتيجية إعلامية واضحة ومستمرة في معالجتها، بدل الاقتصار على التغطيات المناسبة التي ترتبط بعمليات الحجز أو الحملات الأمنية، ثم يخفت الاهتمام الإعلامي بزوال الحدث.

واعتبر أن هذا التعاطي المناسباتي يُفقد الإعلام دوره الوقائي، داعيا إلى اعتماد معالجة تحسيسية دائمة “بنفس طويل”، تُراكم الرسائل التوعوية وتستهدف المدمنين المحتملين وعائلاتهم، وتسلط الضوء على قصص واقعية وشهادات حية تكشف حجم المعاناة الناتجة عن الإدمان.

كما أكد على أهمية الالتزام بالشفافية في إعداد المادة الإعلامية المتعلقة بجرائم المخدرات، من خلال عرض الحقائق المتاحة دون تهويل أو تضخيم، ودون تقليل من خطورة الظاهرة، بما يحفظ التوازن بين حق الجمهور في المعرفة ومتطلبات التحقيق القضائي.

واعتبر أن التهويل قد يخلق نوعا من الذعر المجتمعي، في حين أن التقليل من حجم المشكلة قد يؤدي إلى التراخي في مواجهتها.

وأشار الأستاذ محمد طيب كذلك إلى ضرورة أن تتضمن الرسائل الإعلامية بعدا تشاركيا، يشجع المواطنين على التعاون مع مصالح الأمن، سواء عبر الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة أو المساهمة في نشر ثقافة الوقاية داخل الأوساط العائلية والمدرسية.

وأوضح أن خلق ثقافة مجتمعية واعية بخطورة المخدرات يتطلب عملاً تراكميا يشارك فيه الإعلام، والمدرسة، والمسجد، والأسرة، ومؤسسات المجتمع المدني.

وفي حديثه عن التحولات الرقمية، أوضح أن وسائل الإعلام شهدت خلال السنوات الأخيرة ثورة تكنولوجية غيرت طبيعة العملية الاتصالية، فبرز الإعلام الرقمي القائم على التفاعلية وإشراك الجمهور في صناعة المحتوى.

وأكد أن تأثير الإعلام لم يعد محصورًا في الصحافة المكتوبة أو الإذاعة أو التلفزيون، بل امتد إلى المواقع الإلكترونية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والرسائل القصيرة عبر الهاتف النقال، والمدونات، والبريد الإلكتروني، وغرف الدردشة.

ولفت إلى أن مروجي المخدرات استغلوا هذا الفضاء الافتراضي للترويج لسمومهم بطرق أكثر تعقيدا وسرية، ما يستدعي تطوير أدوات الرصد والرقابة، سواء من طرف الدولة أو من خلال تعزيز الرقابة الأسرية الواعية.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد محمد طيب بالتأكيد على أن التصدي لظاهرة المخدرات مسؤولية جماعية، غير أن الإعلام يبقى في صدارة الفاعلين بحكم قدرته على التأثير في الرأي العام وصناعة الاتجاهات، داعيا في السياق ذاته، القائمين على وسائل الإعلام إلى وضع استراتيجية إعلامية اتصالية شاملة ومتكاملة، تتسم بالاستمرارية والمهنية والجرأة في الطرح، من أجل حماية المجتمع، وصون شبابه، وترسيخ وعي جماعي يرفض المخدرات ويواجهها باعتبارها خطرا حقيقيا على حاضر الوطن ومستقبله.

جهود حثيثة للأجهزة الأمنية في التصدي لتهريب المخدرات

تسجل مختلف مصالح الأجهزة الأمنية المكلفة بمكافحة ظاهرة المخدرات، سنويا، كميات معتبرة من هذه السموم التي تفتك بشباب الأمة.

ففي حصيلة لعام 2025 تم ضبط كميات ضخمة شملت أكثر من 35 طن من الكيف المعالج، وحوالي 934 كغ من الكوكايين، وما يفوق 40 مليون قرص مهلوس.

وخلال السنة الجارية، ومع نهاية شهر فيفري 2026، أفاد بيان لوزارة الدفاع الوطني أنه في إطار مواجهة حرب المخدرات الشرسة التي يشنها نظام المخزن ضد بلادنا، من خلال محاولاته اليائسة والمتكررة لإدخال كميات كبيرة من هذه السموم باستعمال شتى الطرق والوسائل، وهو ما تثبته الكميات المحجوزة يوميا عبر حدودنا الغربية.

وتمكنت مفارز الجيش، الجمعة الماضي، بمنطقة بني ونيف بالناحية العسكرية الثالثة من القضاء على مهربين اثنين من جنسية مغربية كانا بصدد إدخال كمية من الكيف المعالج إلى داخل التراب الوطني، قدرت بـ49 كيلوغرام، والقبض على آخر.

كما تم القضاء على ثلاثة مهربين مسلحين من جنسية مغربية بمنطقة غنامة، يوم 27 جانفي الماضي، والقبض على الرابع، وأسفرت العملية عن حجز 521 كلغ من مادة الكيف المعالج، وفي 02 فيفري 2026، حجزت كمية أخرى من المخدرات تقدر بـ 280 كلغ من الكيف المعالج، لترتفع الكمية الإجمالية المحجوزة من الكيف المعالج إلى أكثر من 8 قناطير.

وفي اليوم نفسه، تمكنت وحدات الدرك الوطني بالجزائر العاصمة بالناحية العسكرية الأولى، في عمليتين منفصلتين، من تفكيك شبكتين إجراميتين دوليتين عابرتين للحدود، مختصتين في الإتجار غير المشروع بالمؤثرات العقلية، مكنتا من إحباط محاولات ترويج أربعة ملايين و(292) ألف قرص مهلوس فيما تم توقيف عشرين تاجر مخدرات، وحجز عشر سيارات سياحية، ومبالغ مالية وأغراض أخرى كانت تستعمل في هذا النشاط الإجرامي.

هذا، وتؤكد هذه العمليات المتواصلة على الاحترافية العالية واليقظة الدائمة لوحدات الجيش الوطني الشعبي والدرك الوطني، واستعدادها المستمر للتصدي لأي محاولة لتهريب المخدرات، في إطار الجهود الوطنية الرامية لحماية الشباب والمجتمع وضمان أمن البلاد واستقرارها.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.