الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 — 29 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

بين التشجير وترك الطبيعة تتعافى.. كيف نساعد الغابات بعد الحرائق

Author
بثينة صايفي 08 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

بعد انطفاء ألسنة اللهب، لا تنتهي معركة الغابة مع الحريق، بل تبدأ مرحلة أكثر حساسية قد تحدد مستقبلها لسنوات طويلة.

فوسط مشاهد الأشجار المتفحمة والمساحات السوداء، يندفع كثيرون بحسن نية إلى تنظيم حملات تشجير وتنظيف ومبادرات مختلفة لإنقاذ ما تبقى، غير أن بعض التدخلات العشوائية قد تُلحق بالنظام البيئي أضرارًا تفوق ما خلفته النيران نفسها، ففي الغابة المحترقة، ليست كل مساعدة مفيدة بالضرورة، وأحيانًا يكون أفضل تدخل هو معرفة متى يجب أن نتوقف ونترك الطبيعة تقوم بعملها.

 

لا تتعجلوا إعادة التشجير.. فالغابة قادرة على التجدد

وفي هذا السياق أكد الباحث في المجال البيئي، مراد احميم، أن من أكثر الأخطاء شيوعًا بعد اندلاع حرائق الغابات، التسرع في إطلاق حملات إعادة التشجير مباشرة بعد انطفاء النيران، انطلاقًا من الاعتقاد بأن الأرض المحترقة أصبحت في حاجة فورية إلى غرس أشجار جديدة، غير أن هذا التصور، بحسبه، لا يأخذ بعين الاعتبار قدرة الأنظمة البيئية الطبيعية على استعادة نفسها تدريجيًا، إذ إن الحريق، رغم آثاره المدمرة، لا يعني بالضرورة موت الغابة بشكل كامل أو نهاية قدرتها على التجدد، موضحا أن العديد من الأنواع النباتية والأشجار المحلية تمتلك آليات طبيعية تساعدها على العودة إلى الحياة بعد الحرائق، سواء عبر البذور الموجودة في التربة، أو البراعم القادرة على النمو مجددًا من الجذوع والجذور التي لم تتضرر بشكل كامل، فالبلوط والصنوبر وعدد من الشجيرات المتوسطية، على سبيل المثال، طورت عبر الزمن قدرة على التكيف مع الحرائق والظروف المناخية القاسية، ما يجعل التجدد الطبيعي في كثير من الحالات أول استجابة بيئية تبدأ بها الغابة مرحلة التعافي.

وأضاف المتحدث أن المشهد الأسود الذي تتركه النيران قد يكون مضللًا للوهلة الأولى، إذ يعتقد الزائر أن الحياة اختفت تمامًا من المكان، بينما تكون تحت سطح التربة وفي جذور النباتات عمليات بيولوجية بدأت بالفعل في التحضير لمرحلة جديدة من النمو، ومع مرور الوقت وتوفر الظروف المناسبة، تبدأ البراعم الصغيرة في الظهور، لتشكل اللبنة الأولى لاستعادة الغطاء النباتي، وهي عملية تحتاج إلى المراقبة والفهم أكثر مما تحتاج دائمًا إلى تدخل سريع.

وحذر احميم من أن دخول المتطوعين أو حملات التشجير إلى المناطق المحترقة دون دراسة مسبقة قد يؤدي، رغم حسن النوايا، إلى نتائج عكسية، فالمشي المكثف فوق الأرض، وحفر التربة ووضع الشتلات الجديدة، يمكن أن يتسبب في إتلاف آلاف البادرات والبراعم الصغيرة التي لم تظهر بعد أو التي يصعب ملاحظتها وسط الرماد وبقايا النباتات المحترقة، ما يعني القضاء على جزء من التجدد الطبيعي قبل أن يحصل على فرصة للنمو.

كما أشار إلى أن نجاح عمليات التشجير لا يرتبط بمجرد وضع الشتلة في الأرض، بل يحتاج إلى توفر مجموعة من الشروط البيئية الدقيقة، فالشتلات القادمة من المشاتل قد تجد صعوبة في التأقلم مع التربة المتضررة بعد الحريق، خاصة عندما تكون مكشوفة لأشعة الشمس المباشرة، وتفتقر إلى الغطاء النباتي الذي يوفر الظل والرطوبة، فضلًا عن تضرر الكائنات الحية الدقيقة والفطريات الجذرية التي تلعب دورًا أساسيًا في تغذية النباتات ومساعدتها على النمو.

ومن هذا المنطلق، يرى الباحث أن إعادة التشجير ينبغي ألا تكون رد فعل عاطفيًا على مشهد الغابة المحترقة، بل عملية علمية تسبقها دراسة دقيقة لطبيعة المنطقة وحجم الأضرار وقدرتها على التجدد الطبيعي، فبعض المناطق قد تحتاج فعلًا إلى تدخل بشري وإعادة غرس أنواع محددة، بينما تحتاج مناطق أخرى فقط إلى الحماية من التدخلات والحرائق المتكررة والرعي العشوائي، حتى تتمكن الطبيعة من استعادة توازنها بنفسها.

 

بقايا الطعام.. خطر إضافي على الحياة البرية

ودعا الباحث إلى تجنب رمي الطعام بشكل عشوائي داخل الغابات التي تعرضت للحرائق، مشيرًا إلى أن الخبز والفواكه وبقايا الأطعمة تتعفن بسرعة تحت تأثير الحرارة، كما تجذب الكلاب الضالة والقطط والغربان إلى المنطقة.

ويرى احميم أن هذا السلوك قد يشكل خطرًا على الحيوانات البرية التي نجت من الحريق، ويؤدي إلى اختلال التوازن الطبيعي في المنطقة، بدل أن تكون الغابة المحترقة فضاءً آمنًا يسمح للنظام البيئي باستعادة عافيته تدريجيًا.

وحذر المتحدث أيضًا من إزالة الجذوع والأخشاب المحترقة بطريقة عشوائية، موضحًا أنها ليست بالضرورة نفايات يجب التخلص منها، إذ يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في تثبيت التربة والحد من انجرافها، خاصة عند هطول الأمطار.

وأضاف أن إزالة هذه الأخشاب قد تترك التربة مكشوفة أمام عوامل التعرية، ما يؤدي إلى انجراف الطبقة السطحية الخصبة، ويجعل عملية تعافي المنحدرات والنظام البيئي أكثر صعوبة وقد تمتد لسنوات طويلة.

وفي المقابل، اعتبر الباحث أن جمع الزجاج والبلاستيك والنفايات الظاهرة من أكثر التدخلات المدنية فائدة في المناطق المحترقة، شرط القيام بذلك دون التوغل في المناطق الخطرة أو إزعاج التربة.

وأوضح أن إزالة هذه المخلفات ينبغي أن تتم قبل عودة النباتات والأحراش إلى النمو الكثيف، لأن الوصول إليها سيصبح أكثر صعوبة لاحقًا، مشددًا على ضرورة التمييز بين إزالة العناصر الضارة وترك العناصر الطبيعية التي قد تساعد الغابة على استعادة توازنها.

 

التربة المحترقة تحتاج إلى الهدوء قبل أي تدخل

وأشار الباحث في المجال البيئي مراد احميم إلى أن الاهتمام بالغابة بعد الحريق لا ينبغي أن يقتصر على الأشجار والنباتات الظاهرة للعين، لأن ما يحدث تحت سطح الأرض لا يقل أهمية عن المشهد فوقها، فالتربة، التي تشكل أساس النظام البيئي، تتعرض بدورها لتأثيرات مباشرة نتيجة درجات الحرارة المرتفعة، وتصبح بعد الحريق أكثر هشاشة وحساسية للعوامل الطبيعية والبشرية.

وأوضح أن اختفاء الغطاء النباتي يحرم التربة من إحدى أهم وسائل حمايتها، إذ تصبح مكشوفة بشكل مباشر لأشعة الشمس والرياح والأمطار، ومع أولى التساقطات المطرية، يمكن أن تتعرض الطبقة السطحية للانجراف، خاصة في المناطق المنحدرة، ما قد يؤدي إلى فقدان جزء من العناصر العضوية والمواد الضرورية لنمو النباتات مستقبلًا.

وحذر احميم من أن كثرة الحركة داخل المناطق المحترقة، سواء من قبل الزوار أو المتطوعين أو خلال المبادرات غير المنظمة، قد تزيد من هشاشة الوضع، فالدوس المتكرر على الأرض يؤدي إلى ضغط التربة وتغيير بنيتها، ما يحد من قدرتها على الاحتفاظ بالماء والهواء، وهما عنصران أساسيان لاستعادة الحياة النباتية تدريجيًا.

كما أن التربة ليست مجرد طبقة صامتة نغرس فيها الأشجار، بل هي نظام حي يضم كائنات دقيقة وفطريات وبكتيريا وحشرات صغيرة تؤدي وظائف أساسية في إعادة تدوير المواد العضوية وتوفير الظروف المناسبة لنمو النباتات، وأي تدخل غير مدروس قد يعرقل استعادة هذا التوازن البيولوجي، ويؤخر عملية التعافي الطبيعي التي تبدأ في كثير من الأحيان بعيدًا عن أعيننا.

وشدد الباحث على أن الرغبة في المساعدة بعد الحرائق يجب ألا تتحول إلى حضور بشري مكثف داخل الغابة، فليس من الضروري أن يكون التدخل المستمر دليلًا على الاهتمام، بل إن بعض المناطق تحتاج في مرحلة معينة إلى الحماية والعزل المؤقت أكثر من حاجتها إلى النشاط البشري، ويصبح تقليل التنقل داخل المساحات المتضررة، ومنع المركبات والدخول العشوائي، جزءًا من عملية حماية التربة ومنحها فرصة لاستعادة خصائصها.

وفي هذا السياق، دعا احميم إلى إعادة النظر في فكرة أن الطبيعة تحتاج دائمًا إلى تدخل الإنسان لإنقاذها، موضحًا أن بعض النظم البيئية تمتلك قدرة ذاتية على التعافي إذا توفرت لها الظروف المناسبة، لذلك، فإن منح التربة الوقت الكافي لاستعادة توازنها، وحمايتها من الضغط والانجراف، قد يكون خطوة أكثر أهمية من التدخلات السريعة التي تبدو إيجابية في ظاهرها.

فالهدوء، في الغابة المحترقة، ليس غيابًا للفعل، بل قد يكون في حد ذاته شكلًا من أشكال الحماية، إذ إن معرفة متى نتدخل ومتى نترك الطبيعة تعمل، تمثل أحد أهم المبادئ التي ينبغي مراعاتها خلال المرحلة الحساسة التي تلي الحرائق.

 

التنسيق مع المختصين بدل المبادرات العشوائية

وأكد الباحث البيئي أهمية تنسيق أي مبادرات تطوعية مع مصالح الغابات والبلديات والجهات المختصة، بدل القيام بتدخلات عشوائية قد تكون نتائجها عكسية رغم حسن النية.

وأوضح أن الأولوية تختلف من منطقة إلى أخرى، فقد تحتاج بعض المناطق إلى جمع النفايات، بينما قد تتطلب مناطق أخرى مراقبة انجراف التربة أو حماية المساحات التي بدأت تستعيد غطائها النباتي طبيعيًا، وليس بالضرورة إطلاق عمليات تشجير جديدة.

وختم بالتأكيد على أن المساعدة الحقيقية للغابة لا تكمن في القيام بما نعتقد أنها تحتاجه، بل في فهم احتياجاتها الفعلية والتدخل وفق توصيات المختصين، لأن أفضل ما يمكن فعله أحيانًا بعد الحريق هو منح الطبيعة فرصة كافية لتعود إلى الحياة.

↑