الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

بين التقليد والتجديد..  قصة اليمين واليسار في السياسة

Author
ربوحي يوسف 13 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

برزت لحظة في واحد من أهم خطابات ترامب الماضية في الكونغرس الأمريكي، حيث لاحظ العامة مشهدًا غريبًا. اعتقد البعض أنه قلة احترام، وآخرون رأوه قلة تهذيب واحتقار؛ فقد وقفت جهة اليمين من القاعة تحية للرئيس، تصفق بحماس وتهتف بفخر. أما جهة اليسار، فبدت أقل حماسًا وربما غير راضية. هذا المشهد قد يتكرر في معظم برلمانات العالم، وهو يعكس الانقسام السياسي الأساسي في العالم بين اليمين واليسار. فماذا يعني هذا الانقسام وكيف بدأ؟

بدأت القصة عام 1789، مع انطلاق الثورة الفرنسية التي غيرت مجرى التاريخ. اجتمع السياسيون في البرلمان لمناقشة مشكلات النظام القديم والبحث عن حلول. وأثناء احتدام النقاش، انقسم الأعضاء إلى مجموعتين: الموالون للملك وسلطته الكاملة تمركزوا في جهة اليمين، بينما اجتمع الثوار الرافضون لسلطة الملك والكنيسة في جهة اليسار.

كتبت الصحف الفرنسية في ذلك الوقت عن هذه الحادثة، وسميت النقاشات بـ”صراع اليمين واليسار”. ومع مرور الوقت، أصبح “اليمين” يرمز إلى المحافظين المتمسكين بتقاليد الحكم الملكي أو الرئاسي، في حين بات “اليسار” يعبر عن التقدميين الذين يدعون للديمقراطية وحرية أكبر للشعب.

ومن الجدير بالذكر أن انتشار مفهوم الطيف السياسي لم يقتصر على الثورة الفرنسية وحدها، بل ساهمت عدة ثورات عالمية في ترسيخه. على سبيل المثال، جاءت ثورة البلاشفة في روسيا عام 1917 لتؤكد على انقسام سياسي واضح بين اليمين الملكي واليسار الاشتراكي الثوري، حيث أصبحت الثورة رمزًا للصراع بين الطبقات الاجتماعية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، لعبت ثورة الحقوق المدنية في الستينيات دورًا محوريًا في تسليط الضوء على القيم التقدمية التي تمثلها التيارات اليسارية، مقابل التيارات المحافظة التي فضلت الإبقاء على النظام التقليدي.

وهذا ما يفسر بالضبط ما حدث في البرلمان وكذلك في الانتخابات الأمريكية الماضية، حيث انقسم العامة بين التيارات السياسية بناءً على قيمهم وأولوياتهم. فقد دعم الذين يؤمنون بالسلام، الحرية، والأمان كامالا هاريس، الممثلة للحزب الديمقراطي اليساري، بينما اتجه الذين يؤمنون بالقوة والسيطرة من طرف الدولة نحو دونالد ترامب، الممثل للحزب الجمهوري اليميني.

لكن، لم تقتصر هذه الانقسامات على التيارين الرئيسيين فقط. فقد جنح بعض اليمينيين نحو أقصى اليمين، مما أدى إلى ظهور أفكار متطرفة مثل الفاشية والنازية التي دعمت القومية ورفضت التعددية، رغم أنها كانت أفكارًا مختلفة بالنسبة لليمين التقليدي. في المقابل، تبنى بعض اليساريين أفكارًا أقصى اليسار، تتعارض حتى مع مبادئ اليسار ذاته. على سبيل المثال، الاتحاد السوفيتي الذي عارض الحرية الشخصية والجنسية، وفرض نظامًا سلطويًا يفتقر إلى الحريات الأساسية.

ومع ذلك، لم يتمكن أي من اليمين أو اليسار من تحقيق غاياتهم الكبرى بشكل كامل. فاليسار لم ينجح يومًا في تحقيق وعده بالمساواة والسعادة لكل فئات الشعب، كما لم ينجح اليمين في الوفاء بوعده بمنح كل فرد فرصته الحقيقية لتحقيق النجاح.

أما في عالمنا الحالي، وبعد كل الفروق والتغييرات السياسية التي شهدتها العقود الماضية، يرى البعض أن هذه الأفكار الأيديولوجية لم تعد صالحة لزماننا. يسعى هؤلاء إلى إنشاء فكرة محايدة تتجاوز الانقسام بين اليمين واليسار، وتجمع بين القيم المشتركة التي تخدم جميع أفراد المجتمع. لكن يبقى السؤال المطروح: هل يمكن تحقيق هذه الفكرة المحايدة في ظل عالم مليء بالاستقطاب والصراعات السياسية؟ وهل سيجد هذا النهج قبولًا واسعًا بين التيارات المختلفة؟

Author ربوحي يوسف
الجزائر