السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

بين التوتر الطبيعي والقلق المفرط.. متى يصبح ضغط البكالوريا خطرا على التلميذ؟


تزامنا مع انطلاق امتحانات شهادة البكالوريا، يعيش التلاميذ حالة من الترقب والضغط النفسي، تتفاوت حدتها من شخص لآخر بين توترٍ طبيعي قد يشكّل دافعا للمراجعة والتحضير، وقلق مفرط يمكن أن ينعكس سلبا على التركيز والأداء الدراسي.

ويأتي هذا الوضع في سياق الأهمية الكبيرة التي تحظى بها شهادة البكالوريا في المجتمع الجزائري، باعتبارها محطة حاسمة في المسار التعليمي، وبوابة رئيسية نحو التعليم الجامعي وتحديد المسار المهني المستقبلي، ما يجعلها مصدر ضغط إضافي على التلاميذ وأسرهم على حد سواء.

وفي هذا السياق، أبرز توفيق زروقي، المختص في علم الاجتماع التربوي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن التوتر خلال فترة الامتحانات يُعد في حد ذاته أمرا طبيعيا وقد يكون إيجابيا إذا ظل في حدوده المعتدلة، غير أن تجاوزه لهذه الحدود يجعله قلقا مرضيا يؤثر سلبا على الأداء الدراسي ويستدعي المرافقة والدعم النفسي عند الحاجة.

من جانبها، أوضحت المختصة النفسية العيادية وردة هاشمي، في تصريحها لـ”الأيام نيوز”، أن التمييز بين التوتر الطبيعي والقلق المرضي يرتبط بكيفية تفاعل الجهاز النفسي والعصبي مع هذه الوضعية، مشيرة إلى أن التوتر الطبيعي يظل استجابة تكيفية إيجابية تعزز التركيز، بينما يتحول القلق المفرط إلى حالة تستنزف القدرات الذهنية وقد تصل إلى “التجمد المعرفي” في بعض الحالات.

في هذا الصدد، أفاد توفيق زروقي، أن التوتر خلال فترة امتحانات البكالوريا يُعد ظاهرة نفسية طبيعية وإيجابية إذا بقي ضمن حدود معينة، مؤكدا أن التوتر ليس دائما أمرا سلبيا، بل يمكن أن يشكل دافعا يحفز التلميذ على الاجتهاد والاستعداد الجيد لتحقيق أهدافه الدراسية.

القلق خلال الامتحانات بين الاستجابة الطبيعية والتأثير المرضي

وأوضح المتحدث أن من الضروري التمييز بين التوتر الطبيعي والتوتر المفرط أو المرضي، مشيرا إلى أن الأول يُعد استجابة عادية ترافق اقتراب الامتحانات، بينما يصبح الثاني مصدر قلق حقيقي عندما يتجاوز حدوده الطبيعية ويؤثر سلباً على حياة التلميذ وأدائه الدراسي.

وأشار المختص في علم الاجتماع التربوي، إلى أن التوتر الطبيعي يتجلى في شعور التلميذ بالقلق قبل الامتحان أو أثناءه، وقد تصاحبه بعض الأعراض البسيطة مثل تسارع الخطوات، وارتفاع نبضات القلب، واحمرار الوجه، وارتجاف اليدين، أو تغير نبرة الصوت، لافتا إلى أن هذه المؤشرات تبقى مؤقتة وتزول عادة بانتهاء الامتحان أو تجاوز الظرف الذي تسبب فيها.

وأضاف أن هذا النوع من التوتر يؤدي دورا إيجابيا، إذ يدفع التلميذ إلى تنظيم وقته، والالتزام بالمراجعة، وبذل جهود إضافية في التحضير للامتحانات، فضلا عن الحرص على تنظيم نمط حياته اليومي من حيث النوم والتغذية والراحة.

وفي المقابل، أبرز زروقي أن التوتر يصبح غير مقبول عندما تشتد أعراضه وتستمر حتى بعد انتهاء الامتحان، موضحا أن الفارق بين التوتر الطبيعي والمرضي يكمن أساسا في درجة شدته وتأثيره على حياة الفرد اليومية.

ونوّه إلى أن القلق المفرط قد يظهر من خلال مجموعة من الأعراض الجسدية والنفسية، من بينها الخفقان الشديد، وصعوبات التنفس، والدوار، والغثيان، وآلام البطن والرأس، والتعرق المفرط، ونوبات الهلع التي قد تحدث أثناء النوم أو اليقظة، مؤكداً أن استمرار هذه الأعراض يستدعي تدخلاً متخصصاً.

وأبرز محدثنا أن انعكاسات القلق المرضي لا تقتصر على الجانب الجسدي فحسب، بل تمتد إلى الأداء الدراسي، حيث قد يعاني التلميذ من النسيان، وتشتت الأفكار، وضعف التركيز، وصعوبة فهم الأسئلة والإجابة عنها بطريقة سليمة، ما ينعكس سلبا على نتائجه الدراسية ويجعله أقل قدرة على استثمار إمكاناته الحقيقية.

الإناث أكثر عرضة لمظاهر القلق المرتبطة بالامتحانات

وشدد زروقي على ضرورة اللجوء إلى المختصين عند ملاحظة هذه المؤشرات، سواء من خلال استشارة أخصائي نفسي أو الاستفادة من برامج العلاج السلوكي المعرفي، بهدف مساعدة التلميذ على تجاوز حالة القلق واستعادة توازنه النفسي.

كما نوّه إلى الدور المحوري للأسرة في مرافقة الأبناء خلال هذه المرحلة الحساسة، مؤكداً أن وعي الأولياء بطبيعة التوتر ومراحله يساعدهم على التمييز بين القلق الطبيعي والقلق المرضي، ومن ثم توفير الدعم المناسب في الوقت المناسب.

وأضاف أن الأسرة مطالبة بتهيئة مناخ عائلي مريح يخفف من الضغوط النفسية التي يعيشها التلميذ، من خلال التشجيع المستمر، وتفهم حالته النفسية، واعتماد أساليب تساعد على الاسترخاء والتوازن النفسي.

وأشار المتحدث إلى أن بعض الدراسات والملاحظات الميدانية تُظهر أن الإناث قد يكن أكثر عرضة لبعض مظاهر القلق المرتبطة بالامتحانات مقارنة بالذكور، نتيجة عوامل نفسية وانفعالية مختلفة، ما يستوجب مزيداً من الاهتمام والمرافقة النفسية عند الحاجة.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، دعا زروقي الأولياء إلى تشجيع أبنائهم على تبني عادات صحية خلال فترة المراجعة، مثل ممارسة نشاط بدني خفيف، أو القيام بنزهات قصيرة، أو تخصيص أوقات للراحة والاسترخاء، مؤكداً أن توفير بيئة إيجابية ومتوازنة من شأنه أن يساعد التلميذ على اجتياز امتحاناته في ظروف نفسية أفضل وأكثر استقرارا.

استجابة بيولوجية وقائية متوازنة

من جانبها، أوضحت وردة هاشمي، مختصة نفسية عيادية، أن التمييز بين التوتر الدراسي الطبيعي والقلق النفسي المرضي خلال فترة امتحانات البكالوريا يتطلب فهما معمقا لما يُعرف بـ”ديناميكيات القلق”، مشيرة إلى أن الفارق لا يكمن فقط في شدة الشعور بالقلق، وإنما في الكيفية التي يعالج بها الجهاز العصبي والمعرفي هذه الحالة.

وأفادت هاشمي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن التوتر الدراسي الطبيعي أو ما يعرف بالقلق التكيفي يعد استجابة بيولوجية وقائية ومتوازنة، تتمثل في حالة من التأهب المعرفي التي تنشط القشرة الجبهية للدماغ، ما يعزز قدرة التلميذ على التركيز والتخطيط واستحضار المعلومات.

وأضافت أن التلميذ في هذه الحالة يبقى متحكما في زمام المبادرة، وينظر إلى الامتحان باعتباره تحديا قابلا للتعامل معه، دون أن يربط قيمته الذاتية بنتيجته الدراسية، كما تظل وظائفه الحيوية، مثل النوم والتغذية والتفاعل الاجتماعي، منتظمة، بينما تتراجع حدة القلق فور انتهاء الاختبار أو المادة الدراسية، وهو ما يعكس مرونة آليات التكيف لديه وقدرته على استعادة توازنه النفسي.

وفي المقابل، أبرزت هاشمي أن القلق المرضي يمثل حالة من الخلل في التنظيم الانفعالي، حيث يفقد القلق وظيفته التكيفية ويتحول إلى عامل يستنزف الموارد المعرفية والنفسية للتلميذ.

وأشارت إلى أن هذه الحالة تتميز بفرط نشاط اللوزة الدماغية، ما يؤدي إلى استجابة عصبية حادة في مواقف لا تستدعي ذلك، موضحة أن هذا التنشيط المفرط يرفع مستويات هرمون الكورتيزول، الأمر الذي يفسر ما يعرف بـ”التجمد المعرفي”، حيث يعجز التلميذ عن استرجاع المعلومات التي سبق له اكتسابها بسبب حالة الارتباك والانغلاق الانفعالي.

ونوّهت المختصة إلى أن القلق المرضي لا يقتصر على الجانب النفسي فحسب، بل تظهر انعكاساته أيضا على المستوى الجسدي، من خلال أعراض حقيقية مثل الصداع المزمن، واضطرابات الجهاز الهضمي، واختلالات النظم القلبي.

كما لفتت إلى أن هذه الحالة تترافق غالبا مع ما يسمى بالاجترار الفكري، إذ يدخل التلميذ في دائرة مغلقة من الأفكار الكارثية التي تضخم من أهمية الامتحان وتجعله مرادفا لقيمته الشخصية، ما قد يدفعه إلى الشعور بانعدام القيمة في حال الإخفاق.

وأكدت هاشمي أن الحاجة إلى تدخل مختص نفسي تبرز عندما يصبح القلق معطلا للوظائف اليومية، مشددة على ضرورة الانتباه إلى بعض المؤشرات التحذيرية، مثل السلوكيات التجنبية المفرطة، أو نوبات الهلع المصحوبة بأعراض حادة كالرعشة والشعور بالاختناق أو الإحساس بقرب الموت، فضلا عن العزلة التامة وفقدان القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية المعتادة.

وترى المتحدثة أن ظهور هذه العلامات يدل على استنفاد آليات التكيف الذاتي لدى التلميذ، الأمر الذي يستوجب مرافقة نفسية متخصصة.

وفي حديثها عن دور الأسرة والمحيط الاجتماعي، شددت المختصة النفسية على أن الدعم المطلوب لا يقتصر على التشجيع اللفظي، بل يتطلب توفير حاضنة نفسية قائمة على القبول غير المشروط، والعمل على فك الارتباط بين النتائج الأكاديمية والتقدير الذاتي للتلميذ.

خِتاماً، أكدت وردة هاشمي على أن الصحة النفسية تشكل الأساس الذي يقوم عليه التحصيل العلمي، وليست ثمنا يدفعه التلميذ في سبيل النجاح، معتبرة أن الهدف الأسمى لا يتمثل فقط في الحصول على شهادة البكالوريا، بل في تمكين الشباب من بناء أدوات نفسية متينة تساعدهم على مواجهة مختلف تحديات الحياة مستقبلا.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية مهتمة بالشأن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والدولي