الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

بين الجزائر وجمهورية الكونغو الديمقراطية.. شراكة طاقاوية إفريقية تتبلور

Author
ربيعة خطاب 30 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في إطار تعزيز التعاون الإفريقي في قطاع الطاقة، تستقبل الجزائر وفدا رفيع المستوى، من جمهورية الكونغو الديمقراطية في زيارة عمل تقودها وزيرة الدولة، وزيرة المحروقات في جمهورية الكونغو الديمقراطية أكاسيا باندوبولا أمبونغو، ويضم الوفد مسؤولين وإطارات من وزارة المحروقات الكونغولية ومن الشركة الوطنية للمحروقات، وذلك بدعوة من وزير الدولة وزير المحروقات محمد عرقاب.

وتندرج هذه الزيارة، وفق بيان وزارة المحروقات الجزائرية، ضمن مسار أوسع يهدف إلى “تعزيز علاقات التعاون والشراكة بين الجزائر وجمهورية الكونغو الديمقراطية في مجال المحروقات، وتجسيدا للإرادة المشتركة من أجل تطوير التعاون الثنائي وفتح آفاق جديدة للشراكة، لاسيما في مجالات البحث والاستكشاف، والإنتاج، والتكرير، والبتروكيمياء، والغاز الطبيعي، وتطوير الكفاءات البشرية والتكوين”. ويعكس هذا الإطار رغبة الطرفين في نقل العلاقة من مستوى التنسيق التقليدي إلى شراكات إنتاجية وتقنية أكثر تكاملا، تقوم على تبادل الخبرات وتوسيع مجالات التنسيق المؤسساتي بين الجانبين.

وتبرز أجندة الزيارة طابعا عمليا وتقنيا مكثفا، إذ من المقرر أن تجري وزيرة الدولة الكونغولية محادثات مباشرة مع وزير الدولة، وزير المحروقات محمد عرقاب، قبل الانتقال إلى سلسلة لقاءات مع مسؤولي أبرز المؤسسات والهيئات الفاعلة في القطاع، وعلى رأسها مجمع سوناطراك، إضافة إلى الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات وسلطة ضبط المحروقات، بما يعزز قنوات التشاور الفني والتنسيق الاستراتيجي.

نحو تعاون تقني متقدم في سلسلة القيمة الطاقوية

وتشير المعطيات ذاتها إلى أن البرنامج لا يقتصر على الجانب التفاوضي أو المؤسسي، بل يمتد إلى زيارات ميدانية تشمل عددا من المنشآت الطاقوية ومعاهد التكوين التابعة للقطاع. وتهدف هذه الزيارات إلى الاطلاع على التجربة الجزائرية في إدارة سلسلة القيمة في صناعة المحروقات، بدءا من الاستكشاف والإنتاج وصولا إلى التكرير والبتروكيمياء، مع التركيز على آليات التكوين وتطوير الكفاءات البشرية، ونقل المعرفة التقنية بشكل مباشر.

ويؤكد البيان أن “البرنامج يتضمن كذلك زيارات ميدانية إلى عدد من المنشآت الطاقوية ومعاهد التكوين التابعة للقطاع، وذلك للاطلاع على التجربة الجزائرية والخبرة الوطنية في مجالات التكوين، وتطوير الصناعات النفطية والغازية، والتحكم في مختلف حلقات سلسلة القيمة في صناعة المحروقات”. ويعكس ذلك توجها واضحا نحو الاستفادة من النموذج الجزائري في بناء قدرات بشرية وتقنية داخل قطاع الطاقة، عبر برامج تأهيل متخصصة وموجهة.

أحمد طرطار، خبير طاقوي

في هذا السياق، يلفت الخبير الطاقوي أحمد طارطار في تصريح لـ”الأيام نيوز” إلى أن هذا التقارب يعكس تطورا نوعيا في مسار التعاون بين البلدين، حيث لم يعد يقتصر على تبادل الخبرات التقنية، بل يتجه نحو بلورة مشاريع مشتركة تمتد عبر مختلف مراحل الصناعة النفطية والغازية. ويرى أن دمج حلقات السلسلة الطاقوية بين الاستكشاف والإنتاج والتكرير يشكل قاعدة أساسية لبناء شراكات طويلة الأمد، أكثر استقرارا واستدامة.

ويضيف أحمد طارطار أن أهمية هذا التعاون لا تكمن فقط في بعدها التقني، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل نماذج الإنتاج داخل القارة الإفريقية، من خلال تقليص الاعتماد على تصدير المواد الخام، وتعزيز القيمة المضافة محليا عبر تطوير الصناعات التحويلية، خاصة في مجالات البتروكيمياء والغاز الطبيعي، بما يساهم في تحسين الأداء الاقتصادي العام.

كما يشير إلى أن التجربة الجزائرية، من خلال مؤسسات مثل سوناطراك، تمثل مرجعية عملية يمكن أن تستفيد منها جمهورية الكونغو الديمقراطية، خصوصا في مجالات إدارة الحقول النفطية، ورفع مردودية الإنتاج، وتطوير أنظمة الحوكمة في القطاع، إلى جانب الدور الذي تلعبه الهيئات التنظيمية في ضبط النشاطات الطاقوية وتثمين الموارد، ضمن إطار مؤسساتي متكامل.

ويضع الخبير الطاقوي هذا التعاون في إطار أوسع يتعلق بالتكامل الطاقوي الإفريقي، حيث يرى أن تعزيز الشراكات بين الدول المنتجة للموارد الطبيعية يمكن أن يسهم في إعادة التوازن داخل سوق الطاقة العالمي، ويمنح الدول الإفريقية قدرة تفاوضية أكبر في مواجهة التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع على المستوى الدولي، خاصة في ظل التحول الطاقوي العالمي.

جغرافيا واسعة وموارد طبيعية كثيفة في قلب إفريقيا

على المستوى الجغرافي والاقتصادي، تعد جمهورية الكونغو الديمقراطية إحدى أكبر دول وسط إفريقيا، حيث تقع في قلب القارة وتتاخم عددا من الدول من بينها جمهورية الكونغو وجمهورية إفريقيا الوسطى وجنوب السودان وأوغندا ورواندا وبوروندي وزامبيا وأنغولا، كما تطل على المحيط الأطلسي عبر شريط ساحلي ضيق.

وتبلغ مساحتها أكثر من 2.3 مليون كيلومتر مربع، ما يجعلها من بين أكبر الدول الإفريقية مساحة، فيما تعتمد عاصمتها كينشاسا مركزا سياسيا وإداريا رئيسيا. وتتميز البلاد بمناخ استوائي وتنوع جغرافي كبير، إضافة إلى ثروات طبيعية واسعة تشمل الألماس والذهب والنفط والفضة والزنك والفحم والخشب، ما يجعلها إحدى الدول الأكثر غنى بالموارد في القارة.

سكانيا، يتجاوز عدد سكان الكونغو الديمقراطية نحو 99 مليون نسمة حسب تقديرات البنك الدولي لعام 2022، مع معدل نمو سكاني مرتفع يبلغ حوالي 3.2%، وتنوع عرقي كبير يضم نحو 200 مجموعة إثنية، أبرزها المونغو واللوبا والكونغو، إلى جانب مجموعات أخرى تنتمي إلى عائلة البانتو مثل المانغبيتو والأزنداي.

أما اقتصاديا، فقد مر البلد بمراحل طويلة من عدم الاستقرار منذ الاستقلال عام 1960، الذي شكل نقطة تحول تاريخية أنهى الحقبة الاستعمارية البلجيكية. وقد عانت البلاد لاحقا من أزمات سياسية وحروب داخلية وانتشار الفساد، ما أدى إلى إضعاف البنية الاقتصادية خلال تسعينيات القرن الماضي، ووضعها على حافة الإفلاس في بعض الفترات.

ورغم تحسن نسبي في بداية الألفية، لا تزال التحديات قائمة، مع استمرار آثار النزاعات وضعف البنية التحتية. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي بلغ حوالي 64.72 مليار دولار عام 2022، مع ناتج فردي منخفض نسبيا لا يتجاوز 653.70 دولارا، مقابل نمو اقتصادي بلغ 8.90% في نفس السنة، ونسبة بطالة تقارب 5%، إلى جانب دين خارجي يقدر بنحو 14.6 مليار دولار.

وتعتمد البلاد في صادراتها بشكل رئيسي على المعادن، خاصة الألماس والزنك، إضافة إلى منتجات زراعية مثل البن والكاكاو وزيت النخيل والقطن والشاي، ما يعكس طبيعة اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الموارد الأولية. في ضوء هذه المعطيات، تمثل زيارة وزيرة المحروقات الكونغولية إلى الجزائر، خطوة ضمن مسار إعادة صياغة التعاون الطاقوي بين البلدين على أسس تكاملية، كما تعكس رغبة مشتركة في تطوير شراكات تمتد من نقل الخبرة إلى الاستثمار المشترك، ومن التكوين إلى بناء منظومات إنتاج متكاملة.