الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

بين الدبلوماسية والإعلام.. زيارة البابا تكشف قوة السردية الجزائرية في المشهد الدولي

Author
إيمان عبروس 14 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تُعدّ زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر من أبرز الأحداث ذات البعد الرمزي والدبلوماسي والديني، خلال الفترة الأخيرة، لما تحمله من دلالات تتجاوز البروتوكول الديني التقليدي إلى رسائل أعمق تتعلق بالحوار بين الأديان، والتقارب بين الحضارات، وإعادة إبراز الأبعاد التاريخية للجزائر كفضاء للتلاقي الإنساني.

وفي هذا السياق، لم تكن التغطية الإعلامية الجزائرية مجرد نقل للحدث، بل تحولت إلى ممارسة مهنية مركبة، جمعت بين التحليل، والتوثيق، والتفسير، وإبراز الخلفيات التاريخية والسياسية والثقافية للزيارة. وهو ما جعل من هذه التغطية موضوع إشادة واسعة من قبل الفاعلين في الحقل الإعلامي الوطني، وعلى رأسهم المجلس الوطني للصحفيين الجزائريين.

عمار شريتي

وفي تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، قدّم عمار شريتي، رئيس المجلس الوطني للصحفيين الجزائريين، قراءة شاملة حول أداء الإعلام الوطني خلال هذه التغطية، وحول دلالات الحدث في حد ذاته، سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى صورة الجزائر في الخارج.

إعلام وطني في اختبار الحدث الكبير

يشير عمار شريتي، في تصريحه، إلى أن التغطية الإعلامية الجزائرية لزيارة البابا ليون الرابع عشر تعكس بوضوح نضج الإعلام الوطني وكفاءة الصحفيين في مواكبة الأحداث الكبرى بوعي مهني ووطني رفيع.

هذا التوصيف لا يأتي في سياق الإشادة الشكلية، بل في إطار تقييم موضوعي لأداء مؤسسات إعلامية وجدت نفسها أمام حدث معقد من حيث الأبعاد، يجمع بين الحساسية الدينية، والامتداد الدبلوماسي، والرمزية التاريخية.

فالإعلام الجزائري، وفق هذا الطرح، لم يكتفِ بنقل مجريات الزيارة، بل اشتغل على بناء سردية إعلامية متكاملة حولها، من خلال تقارير ميدانية، روبورتاجات تحليلية، برامج خاصة، وتغطيات تلفزيونية وإذاعية، امتدت على مدار أسبوع كامل.

ويبرز في هذا السياق عنصر “التحضير المسبق”، حيث تم الانخراط في تغطية استباقية ساهمت في رفع جودة المحتوى الإعلامي، وتفادي المعالجة السطحية للأحداث، وهو ما يعكس تطورا واضحا في الأداء المهني للمؤسسات الإعلامية الجزائرية.

احترافية التغطية وتعدد الزوايا الإعلامية

ومن بين أبرز ما ميّز التغطية الإعلامية لهذه الزيارة، تعدد الزوايا التي تم اعتمادها في معالجة الحدث.

فبعض الوسائل الإعلامية ركزت على البعد الديني للزيارة، باعتبارها زيارة رئيس دولة الفاتيكان، بينما تناولت أخرى البعد التاريخي المرتبط بعلاقات الجزائر مع الرموز الدينية والفكرية عبر التاريخ، في حين اهتمت قنوات وصحف أخرى بالبعد الدبلوماسي والسياسي للحدث.

هذا التنوع في المقاربات يعكس، حسب تحليل مهني، انتقال الإعلام الجزائري من منطق التغطية الإخبارية المباشرة إلى منطق الإنتاج الإعلامي التفسيري، الذي يسعى إلى تقديم معنى الحدث وليس فقط وصفه.

وفي هذا السياق، أشاد عمار شريتي بما وصفه بمادة إعلامية رصينة ومتوازنة ومدركة لحساسية الحدث وأبعاده الدينية والتاريخية والدبلوماسية، معتبرا أن الصحفي الجزائري أثبت مرة أخرى أنه قادر على التعامل مع الأحداث الكبرى بوعي ومسؤولية.

الجزائر كفضاء حضاري في السردية الإعلامية

لم تقتصر التغطية الإعلامية على الجانب الإخباري، بل امتدت إلى إعادة إبراز الصورة الحضارية للجزائر، باعتبارها أرضا للتلاقي والتنوع والتعايش.

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس المجلس الوطني للصحفيين الجزائريين أن الإعلام الوطني نجح في إظهار الجزائر كما هي فعلا أرض حضارة وتلاقي وذاكرة إنسانية وروحية عميقة.

ويستحضر في هذا الإطار رموزا تاريخية ذات بعد عالمي، على غرار القديس أوغسطين الذي ارتبط فكره بهذه الأرض، والأمير عبد القادر الذي شكّل نموذجا عالميا في قيم التسامح، حين قام بحماية مسيحيي الشام خلال أحداث القرن التاسع عشر.

هذه الإحالات التاريخية لم تكن مجرد عناصر تزيينية في الخطاب الإعلامي، بل جاءت كجزء من بناء سردية وطنية تعيد ربط الحاضر بالماضي، وتؤكد أن قيم التعايش ليست طارئة على المجتمع الجزائري، بل متجذرة في بنيته الحضارية والتاريخية.

حضور الإعلام الدولي وتباين القراءات

على المستوى الدولي، سجل عمار شريتي بارتياح ما وصفه بالمعالجة الموضوعية والإيجابية لمعظم وسائل الإعلام العالمية للزيارة.

فقد تناولت الصحافة الإيطالية والإسبانية والأنغلوسكسونية والعربية الحدث في سياق دلالاته الإنسانية، مركزة على فكرة الحوار بين الأديان والتقارب بين الشعوب، ومعتبرة الجزائر محطة رمزية في هذه الرسالة العالمية.

كما تم تقديم الجزائر في العديد من التحليلات الدولية باعتبارها بلدًا يملك رصيدا تاريخيا وروحيا يؤهله للعب دور في تعزيز قيم السلم العالمي، وهو ما اعتُبر مكسبا دبلوماسيا غير مباشر للبلاد.

غير أن هذه الصورة الإيجابية، بحسب التصريح، لم تكن موحدة في كل وسائل الإعلام، حيث تم تسجيل مواقف سلبية من بعض المنابر الإعلامية الفرنسية، التي حاولت استغلال الحدث لإعادة إنتاج خطاب نقدي تجاه الجزائر.

الإعلام الفرنسي وسؤال المهنية

وفي سياق نقد واضح، عبّر عمار شريتي عن رفضه لما وصفه بالتوظيف الإعلامي غير المهني الذي صدر عن بعض وسائل الإعلام الفرنسية، معتبرا أنها لم تفصل بين الحدث الديني الدبلوماسي وبين مواقفها السياسية من الجزائر.

ويرى أن هذا النوع من التغطية يعكس إشكالا مهنيا عميقا، يتمثل في غياب الحياد في التعامل مع حدث ذي طابع إنساني عالمي، حيث تم تحويله إلى مناسبة لإعادة إنتاج خطاب سياسي متوتر.

وفي هذا الإطار، دعا رئيس المجلس الوطني للصحفيين الجزائريين هذه الوسائل الإعلامية إلى مراجعة ضميرها المهني قبل مواقفها السياسية، في إشارة إلى ضرورة احترام أخلاقيات الصحافة في تغطية الأحداث الدولية.

الإعلام كفاعل في بناء صورة الدولة

ومن بين النقاط الجوهرية التي يبرزها هذا الحدث، أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح فاعلا في تشكيل صورة الدولة على المستوى الدولي.

فالتغطية الإعلامية للزيارة ساهمت في تعزيز صورة الجزائر كبلد منفتح على الحوار، ومتمسك بقيم التعايش، وفاعل إيجابي في القضايا الإنسانية ذات البعد العالمي.

وفي هذا السياق، يؤكد عمار شريتي أن ما تحقق إعلاميا هو ثمرة وعي وتحضير وإحساس عالٍ بالمسؤولية الوطنية، مشددا على أن الصحفي الجزائري “شريك حقيقي في إبراز صورة الجزائر والدفاع عن مكانتها وشرح رسائلها الحضارية والدبلوماسية أمام العالم”.

عبد الحكيم أسابع

بين المهنية والرهانات الإعلامية

وفي هذا الشأن، كشف عبد الحكيم أسابع، الصحفي بجريدة “النصر”، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن التغطية الإعلامية الوطنية اتسمت بقدر معتبر من المهنية والاتزان، حيث حرصت الصحافة المكتوبة على تقديم قراءة تحليلية معمقة، ركزت على الدلالات السياسية والدينية للزيارة، خاصة ما يتعلق بتعزيز الحوار بين الأديان وترسيخ قيم التسامح.

كما أشار إلى أن وسائل الإعلام السمعية البصرية واكبت الحدث لحظة بلحظة، عبر نقل مباشر وتحليلات خبراء، ما منح الجمهور إحساسا بالقرب من مجريات الزيارة، وساهم في إبراز بعدها الإنساني.

في المقابل، برز الإعلام الإلكتروني كفضاء تفاعلي سريع، جمع بين الخبر والتحليل والمحتوى المصور، رغم تسجيل بعض النقائص المرتبطة بسطحية المعالجة في بعض المنصات، التي اكتفت بإعادة نشر الأخبار دون تعمق.

بين الرمزية والقراءات الجيوسياسية

أما بخصوص التغطية الأجنبية، فيرى أسابع أنها كانت مكثفة ومتعددة الزوايا، حيث ركّزت أساسًا على البعد الرمزي والديني للزيارة، مقدّمة إياها كرسالة سلام في سياق عالمي متوتر.

كما أبرزت بعض الوسائل الإعلامية مشاهد القداس في كنيسة “السيدة الإفريقية”، وربطت الحدث بالحوار بين الإسلام والمسيحية، في حين توجهت تحليلات أخرى نحو قراءة الزيارة في سياقها الجيوسياسي، من خلال إبراز دور الجزائر في المنطقة.

غير أن بعض التغطيات، خاصة الأوروبية، لم تخلُ من إسقاطات سياسية وخلفيات تاريخية، ما يعكس اختلاف المرجعيات الإعلامية في تناول حدث بهذا الحجم.

رياض بوزينة

الدبلوماسية الدينية وصناعة الصورة الإيجابية

ومن جهته، أكد رياض بوزينة، الصحفي بوكالة الأنباء الجزائرية، أن الإعلام الوطني نجح في تأطير الزيارة باعتبارها حدثًا يتجاوز الطابع الديني، ليعكس مكانة الجزائر كبلد يحمل قيم السلام والإنسانية.

وأوضح أن التغطية الإعلامية واكبت مختلف مراحل الزيارة بدقة، منذ الاستقبال الرسمي إلى مختلف محطاتها، مع التركيز على البعد الرمزي للدبلوماسية الدينية، باعتبارها أداة لتعزيز مكانة الجزائر كفاعل إقليمي يدعم الحوار بين الأديان.

كما شدد على أن وسائل الإعلام الوطنية حرصت على إبراز انفتاح الجزائر واستقرارها، مع ربط الحدث بتاريخها في التعايش بين الأديان، وهو ما ساهم في تقديم صورة إيجابية متكاملة عن البلاد.

وفي المقابل، أشار إلى أن الإعلام الدولي ركّز على الدور الجيوسياسي للجزائر في شمال إفريقيا، مبرزًا مكانتها كدولة تسعى إلى نشر السلام وتعزيز الحوار وضمان حرية المعتقد.

البعد الدبلوماسي للزيارة

لا يمكن فصل التغطية الإعلامية عن البعد الدبلوماسي للزيارة، حيث اكتسبت الجزائر خلال هذا الحدث حضورا رمزيا على الساحة الدولية، باعتبارها أرضا تُقدم فيها رسائل السلام والتعايش.

وقد ساهمت التغطية الإعلامية في إبراز هذا البعد، من خلال التركيز على الرسائل التي حملتها الزيارة، وعلى رمزية اختيار الجزائر كفضاء لهذا الحدث.

ويعتبر هذا المعطى عنصرا مهما في تعزيز الدبلوماسية الناعمة للجزائر، التي تعتمد على التاريخ والثقافة والقيم الإنسانية كأدوات للتأثير في المحيط الدولي.

الجزائر في قلب سردية التعايش بين الأديان

كما تكشف زيارة البابا ليون الرابع عشر إلى الجزائر عن تداخل معقد بين الإعلام والدبلوماسية والتاريخ، حيث لعب الإعلام الوطني دورا محوريا في تقديم صورة متكاملة عن الحدث، تعكس نضجا مهنيا واضحا وقدرة على مواكبة القضايا الكبرى.

كما تؤكد تصريحات رئيس المجلس الوطني للصحفيين الجزائريين أن هذا النجاح الإعلامي ليس معزولًا، بل هو جزء من مسار أوسع يتعلق بإعادة تموقع الجزائر على الساحة الدولية، كدولة تمتلك رصيدا حضاريا ودبلوماسيا قادرا على فرض الاحترام.

وفي ظل هذا السياق، يبدو أن الإعلام الجزائري مرشح للعب أدوار أكبر في المستقبل، ليس فقط كناقل للحدث، بل كصانع للسرديات ومشارك في تشكيل الصورة الدولية للبلاد.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي