الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

“الروتور”.. نزيف صامت يثقل كاهل التجارة الإلكترونية في الجزائر

Author
إيمان بن يمينة 28 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يكفي أن يغيّر الزبون رأيه بعد تأكيد طلبيته الإلكترونية حتى تبدأ عملية “الروتور”، لتتحول صفقة البيع إلى سلسلة من الخسائر تمتد آثارها إلى مختلف حلقات سلسلة التوريد. فتكاليف الشحن ذهابًا وإيابًا، ومصاريف التخزين، والوقت الذي تستغرقه عملية الإرجاع، كلها أعباء تتحملها المتاجر الإلكترونية وشركات التوصيل، قبل أن تنعكس تدريجيًا على أسعار المنتجات، وهوامش ربح المؤسسات، وفرص توسعها في سوق لا يزال في طريق التشكل.

وتكتسب هذه الظاهرة أهمية متزايدة في الجزائر، بالتزامن مع اتساع نشاط التجارة الإلكترونية وتوجه الدولة نحو تسريع التحول الرقمي. وبين هيمنة الدفع عند الاستلام، وغياب ثقافة الاستهلاك الرقمي المسؤول لدى شريحة من الزبائن، تبرز تساؤلات حول مدى تأثير هذه الممارسات على استدامة القطاع، وقدرته على جذب الاستثمار ودعم المؤسسات الناشئة، وما إذا كانت معالجة الظاهرة تستدعي تغييرًا في السلوك الاستهلاكي بقدر ما تستدعي تطويرًا للأطر التنظيمية والقانونية التي تحكم هذا النشاط.

شهادات ميدانية.. بين خسائر المتاجر ومعاناة “الليفرور“

في العديد من المتاجر الإلكترونية الجزائرية، أصبحت الطرود المرتجعة جزءًا من المشهد اليومي. فبعد تأكيد الطلب، يتفاجأ البائع أحيانا بعدم رد الزبون على اتصالات شركة التوصيل، أو برفضه استلام المنتج عند وصوله، لتبدأ رحلة عودة الطرد وما يرافقها من تكاليف إضافية يتحملها البائع وشركة التوصيل.

وفي هذا السياق، تؤكد ندى، وهي صاحبة متجر إلكتروني، في تصريح لموقع “الأيام نيوز”، أن المتاجر هي المتضرر الأكبر من هذه الظاهرة، مشيرة إلى أن الطرود المرتجعة “الروتور” باتت تشكل نزيفًا مالياً مستمرًا ينخر أرباح مشروعها.

وتوضح أن إلغاء الطلبيات غالباً ما يتم بشكل عشوائي وغير مبرر بعد شحن المنتج، مما لا يكبدها مصاريف الشحن والتغليف فحسب، إنما يتسبب أيضاً في تجميد السلع لفترات طويلة داخل شبكات التوصيل، ويحرمها من فرصة إعادة بيعها، وهو ما يؤثر مباشرة على سيولة المتجر وقدرته على الاستمرار.

وفي شهادة ميدانية تعكس جانبًا آخر من الأزمة، يروي سفيان، وهو عامل توصيل في حديثه لـ “الأيام نيوز”، تفاصيل المعاناة اليومية التي يواجهها أثناء توزيع الطرود، قائلاً إن إلغاء الطلبيات في الدقائق الأخيرة أو تجاهل الاتصالات الهاتفية يهدر ساعات طويلة من العمل اليومي ويزيد من استهلاك الوقود دون جدوى.

ويوضح أن موزع التوصيل يجد نفسه غالبًا في وجه المدفع بين حيرة الزبون وتذمر التاجر، مشيرًا إلى أن ظاهرة “الروتور” العشوائي لا تكتفي بهدر الجهد البدني والوقت، إنما تُربك أيضا مخطط التوزيع كاملاً وتتسبب في اكتظاظ مستودعات الشحن بطرود معلقة تنتظر الإرجاع.

دورة لوجستية تستنزف الأرباح

في تحليله للوضع، يوضح الخبير الاقتصادي نبيل جمعة، لموقع “الأيام نيوز” أن التزايد المقلق لظاهرة رفض استلام الطرود تحول من تفصيل إداري عابر إلى أحد معوقات النمو الرئيسية التي تضغط على التجارة الإلكترونية في الجزائر.

فهذه الظاهرة تتسبب في خلق دورة غير مالية غير منتجة، حيث يتحمل البائع كلفة الشحن مرتين—ذهاباً وإياباً—دون تحقيق أي مبيعات فعليّة، بينما تتكبّد شركات التوصيل مصاريف اللوجستيك والتخزين وإعادة التوجيه.

وتفضي هذه السلسلة من الأعباء المباشرة وغير المباشرة إلى وضع حرج، يتجلى إما في تآكل الهوامش الربحية للمؤسسات الناشئة والصغيرة التي لا تملك الملاءة المالية للاستمرار، أو في اضطرار التجار إلى رفع الأسعار النهائية لتعويض نسبة الخسائر، وهو ما يدفعه الزبون الجاد في نهاية المطاف.

ويرى المحلل جمعة أن ظاهرة “الروتور” تُفرز حقيقة مرّة تكشف عن ثلاث اختلالات هيكلية تُكبل القطاع. أولها يرتبط بسلوك المستهلك الذي لا يزال ينظر إلى الطلب الرقمي بنوع من “عدم الجدية”، فتغيب لديه ثقافة الالتزام ويراه إجراءً غير ملزم يمكن التراجع عنه بسهولة، ودون حتى أن يتكلف عناء إشعار البائع.

أما الاختلال الثاني فيكمن في هشاشة التنظيم الحالي للسوق؛ حيث تغيب الآليات التقنية الصارمة لتأكيد الطلبات، وتفتقر المنظومة لأطر تُحمّل الزبون قدراً من المسؤولية المالية عند العدول غير المبرر.

ويأتي الاختلال الثالث متجسداً في هيمنة خيار الدفع عند الاستلام، والذي رغم دوره المحوري في كسب ثقة المستهلك الجزائري في بدايات التحول الرقمي، إلا أنه تحول إلى سلاح ذو حدين يُتيح للمشتري التنصل من صفقة الشراء بلحظة، بخلاف الدفع الإلكتروني المسبق الذي يضمن جدية الطلب ويحمي أطراف العملية.

صوت المستهلك.. الروتور كضمانة ضد الغش

بالمقابل، ترى الزبونة هاجر، في حديثها لـ”الأيام نيوز”، أن خيار إرجاع الطلب أو رفض استلامه يظل حقًا أساسيًا لحماية المستهلك، خاصة في ظل وجود بعض الممارسات غير المهنية لدى بعض المتاجر الإلكترونية.

وتوضح أنها سبق وأن صادفت صفحات تعرض منتجات بجودة عالية في الصور، لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا عند وصولها، سواء من حيث الجودة أو المقاس أو حتى اللون، وهو ما يجعل الكثير من الزبائن يترددون في إتمام عملية الشراء أو يضطرون إلى رفض استلام الطرد عند اكتشاف عدم مطابقته لما تم الإعلان عنه.

وتضيف أن المستهلك لا يلجأ دائمًا إلى “الروتور” بدافع التهاون أو عدم الجدية، بل قد يكون نتيجة وصول المنتج بصورة تختلف عن تلك المعروضة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو وصوله بجودة ركيكة، أو بسبب تأخر التسليم لدرجة يفقد معها الطلب أهميته.

وترى أن تعميم الاتهام على جميع الزبائن سيكون مجحفًا، لأن هناك أيضًا متاجر لا تحترم التزاماتها، سواء من خلال إرسال منتجات مختلفة، أو الامتناع عن الرد على شكاوى الزبائن بعد البيع.

وتؤكد هاجر أن بناء ثقافة استهلاك رقمي مسؤول لا ينبغي أن يقتصر على مطالبة الزبون بالالتزام بطلبياته، بل يجب أن يوازيه التزام أكبر من طرف المتاجر بالشفافية والمصداقية، من خلال عرض صور حقيقية للمنتجات، وتقديم أوصاف دقيقة، واحترام آجال التسليم، وتوفير خدمة ما بعد البيع.

وترى أن تحقيق هذا التوازن كفيل بتقليص حالات الإرجاع غير المبررة، وتعزيز الثقة بين مختلف أطراف التجارة الإلكترونية، بما يخدم استقرار القطاع ونموه.

تأثيرات على جاذبية القطاع

يحذر الخبير الاقتصادي من أن استمرار هذه الممارسات يرسل إشارات سلبية للمستثمرين ورجال الأعمال، مما يقلل من جاذبية القطاع ويحد من تدفق رؤوس الأموال إليه. فالمؤسسات الناشئة في مجال التجارة اللوجستية والمنصات الرقمية تفقد قسماً كبيراً من قدرتها على التوسع الأفقي وخلق مناصب شغل جديدة، لأن جزءاً كبيراً من السيولة يُهدر في إدارة الطرود المرجعة بدلاً من توجيهه للتطوير والابتكار.

وهذا الوضع يُشكل في جوهره عائقاً حقيقياً أمام مساعي الدولة ونواياها المعلنة للإسراع في تحقيق الانتقال نحو اقتصاد رقمي متكامل ومستدام.

نحو استراتيجية شاملة للمعالجة

لكبح هذه الظاهرة الخاسر فيها الجميع، يشدد جمعة على أهمية اعتماد استراتيجية علاجية شاملة ترتكز على عدة محاور متكاملة. وتبدأ هذه الخارطة بنشر ثقافة استهلاك رقمي مسؤول تُوعي المواطن بأهمية الالتزام وأثر قراراته العشوائية على استقرار السوق.

وتوازياً مع ذلك، يتطلب الأمر تسريع نشر وتعميم وسائل الدفع الإلكتروني وتسهيل استخدامها للتقليل التدريجي من الاعتماد على الدفع النقدي يدوياً.

كما يتعين على الشركات تبني بروتوكولات تقنية أكثر دقة في تأكيد الطلبيات عبر الاتصال المباشر أو الودائع المسبقة، كل ذلك تحت مظلة إطار قانوني وتنظيمي حاسم ومُحدث، يضمن بوضوح التوازن بين حماية حقوق المستهلك وصيانة حقوق المتاجر وشركات التوصيل، بما يؤسس لمناخ استثماري آمن يضمن استدامة هذا النشاط في المستقبل.

ختاماً، يتطلب معالجة ملف “الروتور” وضع آليات تنظيمية حاسمة تضمن حقوق جميع الأطراف دون إجحاف بالزبائن؛ فالتوسع في الدفع الإلكتروني المسبق وتحديث التشريعات يجب أن يقترنا بفرض التزامات صارمة على المتاجر لضمان جودة المنتجات ومطابقتها للمواصفات، بما يحد من الإلغاءات العشوائية ويحمي المشتري والبائع على حد سواء.

 

 

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.
↑